على مساحة تمتد لنحو 300 متر مربع، تُفرش الحنطة المسلوقة تحت الشمس في معمل أبو عماد القوجة بقرية ترمانين. تحتاج الحنطة إلى يومين أو ثلاثة أيام حتى تجف، بحسب حرارة الجو، قبل أن تنتقل إلى مراحل أخرى تنتهي بجرشها لإنتاج البرغل الناعم والمتوسط والخشن. يعمل القوجة، البالغ من العمر 63 عاماً، في صناعة البرغل التي عاد إليها بسبب قلة فرص العمل، بعدما كانت هذه المهنة معروفة لدى أجداده أيضاً.
لا تبدأ عملية صناعة البرغل من الحلة، وإنما من اختيار القمح ، يختار القوجة القمح القاسي، ثم يبدأ بتنقيته من الشعير والحبوب المكسرة والفارغة والشوائب. ويضطر إلى استئجار الغربال الآلي المستخدم في هذه المرحلة، لعدم امتلاك المعمل واحداً خاصاً به، فيما يقدّر تكلفة شراء آلة كهذه ما بين 15 و20 ألف دولار.
يقول القوجة: “إن اختيار القمح المناسب أهم خطوة في العمل، لأن ليس كل القمح الموجود في الأسواق يصلح لصناعة البرغل”. ويشتري القمح من مزارعين وتجار خارج دارة عزة، إذ لا تتوفر في المنطقة كميات كافية من القمح الذي يحتاجه المعمل.
ويضيف أن سعر طن القمح القاسي المستخدم في صناعة البرغل يتراوح حالياً بين 300 و350 دولاراً، بحسب الجودة ومصدر الشراء. بعد الغربلة تُغسل الحنطة بالماء ثم تُنقل إلى حلة، تتسع لنحو 500 إلى 600 كيلوغرام، وتحتاج الحنطة داخلها إلى نحو ثلاث أو أربع ساعات حتى تنضج. وبسبب محدودية الإمكانات، لا يعتمد القوجة على الحطب في عملية السلق، ويقدّر تكلفة الحطب المستخدم في الموسم بنحو 100 إلى 150 دولاراً ، بحسب كمية الإنتاج.
بعد انتهاء السلق، تُفرغ الحنطة من الحلة وينقلها العمال إلى المنشر، حيث تُفرد على الأرض لتتعرض للشمس بشكل متساوٍ، تبلغ مساحة المنشر نحو 30 متراً طولاً و10 أمتار عرضاً، وهي المساحة المخصصة لتجفيف الحنطة. في هذه المرحلة يتابع العمال فردها وتقليبها حتى تجف بالشكل المطلوب.
بعد جفافها تدخل الحنطة إلى القشارة لإزالة القشرة الخارجية، ثم إلى الجاروشة، وبعدها إلى الغربال الذي يفصل الحبات بحسب حجمها. وفي النهاية ينتج المعمل ثلاثة أنواع أساسية من البرغل: الناعم والمتوسط والخشن.
ويُعاد نشر البرغل بعد جرشه تحت الشمس للتخلص من الرطوبة المتبقية، قبل تعبئته في أكياس وتخزينه. يقول القوجة: “إن تكلفة إنتاج كيلو البرغل، بعد احتساب ثمن القمح والعمال والطاقة، تتراوح بين 25 و28 ليرة تركية، بينما يباع في السوق بسعر يتراوح بين 30 و35 ليرة للكيلو، بحسب النوع والجودة”.
ترتبط صناعة البرغل بموسم القمح وأشهر الصيف، إذ يحتاج المعمل إلى درجات حرارة مرتفعة لتجفيف الحنطة والبرغل. يقول القوجة إن الموسم يبدأ عادة في منتصف الصيف ويستمر نحو شهرين، وإن المعمل لا يستطيع العمل بكميات كبيرة بسبب مساحة التجفيف المحدودة وطبيعة العمل اليدوية.
في الموسم الماضي لم تتجاوز كمية إنتاجه أربعة أو خمسة أطنان، بينما يأمل هذا العام في زيادة الإنتاج إلى عشرة أطنان مع توفر القمح، ويحتاج هذا العمل إلى ثلاثة أو أربعة أو خمسة أشخاص بحسب كمية الإنتاج، يتقاسمون المهام بين إخراج الحنطة من الحلة ونقلها إلى المنشر وفردها وتقليبها.
لكن ارتفاع أجور العمال يشكل أحد التحديات أمام استمرار العمل. يقول القوجة: “إن العامل المحلي لا يرضى حالياً بأقل من نحو 500 ليرة تركية في اليوم، (أكثر من عشرة دولارات)، بينما لا يستطيع المعمل زيادة إنتاجه بالقدر الذي يخفف أثر هذه التكلفة على سعر المنتج”.
وتضاف إلى أجور العمال تكاليف القمح والطاقة والنقل والآلات، فيما يحتاج شراء بعض التجهيزات إلى مبالغ كبيرة لا يستطيع معمل صغير، يعتمد على إنتاج موسمي محدود، تأمينها.
يرتبط إنتاج البرغل مباشرة بموسم القمح، الذي وصفه مدير الزراعة في محافظة حلب، المهندس فراس محمد سعيد، بأنه من المواسم الجيدة جداً مقارنة بالموسم الماضي، من حيث كمية الإنتاج والمساحات المحصودة.
ويشير سعيد إلى أن تقديرات الإنتاج التي سُلّمت للمؤسسة السورية للحبوب بلغت نحو مليونين و700 ألف طن، فيما يتجاوز الإنتاج الكلي، بحسب تقديراته، ثلاثة ملايين طن هذا العام، بعد احتساب الكميات التي احتفظ بها المزارعون.
وتعتمد صناعة البرغل بشكل رئيس على القمح القاسي، بينما تزرع سوريا نوعين أساسيين من القمح، القاسي والطري، ويقول القوجة إن الحبة المناسبة لصناعة البرغل يجب أن تكون نظيفة ومتجانسة وخالية قدر الإمكان من الشعير والحبوب الفارغة والمكسورة، لذلك يضطر المعمل إلى دفع سعر أعلى للحصول على النوع الذي يناسب صناعته.
غير أن زيادة إنتاج القمح لا تعني بالضرورة انخفاض تكلفة صناعة البرغل، إذ يقول مدير الزراعة إن ارتفاع سعر القمح المحلي مقارنة ببعض الأقماح المستوردة، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج، يؤثر في قدرة المنتج المحلي على المنافسة.
في محلات المواد الغذائية، يُعرض البرغل المحلي إلى جانب أنواع مستوردة، بينها البرغل التركي، ويقول إبراهيم شريف أبو أحمد، صاحب محل لبيع المواد الغذائية، “إن الطلب الأكبر لدى الزبائن يتجه إلى البرغل البلدي”.
ويرى أبو أحمد أن لون البرغل من الفروقات التي يلاحظها المستهلك، فالبرغل المحلي يكون أغمق قليلاً، بينما يظهر المستورد بلون أصفر ذهبي ولمعة أوضح، نتيجة اختلاف طريقة تصنيعه.
يقول : “إن الزبائن يفضلون المحلي بسبب طعمه، وإن النوع الجيد منه يحافظ على مكانه في السوق، ويتراوح سعر كيلو البرغل، بحسب الأسعار التي ذكرها، بين 30 و35 ليرة تركية، مع تقارب نسبي بين سعر المحلي وبعض الأنواع المستوردة”. ولا يرى أبو أحمد أن السعر وحده يحدد اختيار الزبون، إذ تلعب النوعية والطعم دوراً في الاختيار.
لا تنتهي عملية الإنتاج عند خروج البرغل من معمل قوجة الذي يقول إن إنتاجه يباع داخل دارة عزة والقرى المجاورة، وإن بعض الزبائن الذين اشتروا منه للمرة الأولى عادوا لطلب البرغل مرة أخرى بعد أن أعجبهم.
لم تكن صناعة البرغل دائماً مرتبطة بالمعامل، في السابق كانت العائلات في ريف حلب تصنع البرغل في بيوتها خلال موسم السليقة، فتُغسل الحنطة وتُسلق وتُجفف، ثم تُرسل إلى الجاروشة قبل أن تُغربل وتُفرز بحسب حجم الحبة.
تتذكر أم محمد، البالغة من العمر 74 عاماً، من دارة عزة، تلك الأيام من خلال تفاصيل العمل الذي كان يجمع نساء العائلة والجيران، تقول: “إن الحلة النحاسية الكبيرة كانت توضع في أرض الدار، ويُجمع الحطب من البساتين القريبة، ثم تبدأ عملية غسل الحنطة وسلقها، كانت رائحة الحنطة أثناء السلق تصل إلى الحارة، فيعرف الناس أن أحد البيوت بدأ بإعداد السليقة”.
بعد السلق كانت الحنطة تُنقل بالأواني المختلفة، وتُفرش على السطوح حتى تجف، وتحتاج إلى التقليب المستمر خلال أيام التجفيف، ثم تُرسل إلى الجاروشة قبل أن تبدأ العائلة بمرحلة الغربلة والفرز اليدوي. تقول أم محمد “إن العمل كان يستغرق أياماً، لكنه في الوقت نفسه كان يجمع نساء العائلة والجيران في مكان واحد”.
تربط أم محمد تراجع السليقة بتغير شكل البيوت وطريقة الحياة ، وتقول إن كثيراً من المنازل أصبحت أصغر من حيث المساحات المتاحة للعمل، كما أن بعضها أصبح مؤلفاً من طوابق بدلاً من البيوت التي كانت تضم ساحات أو أسطحاً واسعة يمكن استخدامها للسلق والتجفيف.
وتحتاج السليقة إلى وقت طويل وجهد ووقود ومكان مناسب لتجفيف الحنطة، بينما أصبح شراء البرغل الجاهز من المعامل والمحلات أسهل للعائلات من تخصيص أيام لإعداده في المنزل. تقول أم محمد :”إن البرغل الجاهز يختصر الكثير من التعب، لكنها لا تزال تميز في ذاكرتها بين البرغل الذي كانت تصنعه العائلة في البيت والبرغل الذي يُشترى جاهزاً”.
في معمل أبو عماد، ما تزال صناعة البرغل تعتمد على الحلة والحطب ومساحة التجفيف المفتوحة، فيما تتوزع مراحل العمل بين السلق والنقل والفرد والتجفيف والجرش والتعبئة. يقول القوجة: “إن المعمل لا يستطيع العمل بالطاقة نفسها التي تعمل بها المعامل التجارية الكبيرة، لأن إنتاجه مرتبط بعدد العمال والمساحة المتاحة للتجفيف”.
ومع ذلك ما يزال البرغل البلدي يجد زبائنه في دارة عزة والقرى المجاورة، بحسب أبو أحمد، فيما تراجعت السليقة المنزلية التي كانت تبدأ في أرض الدار وتنتهي بأكياس من البرغل تكفي العائلة للموسم.
اليوم ينتقل البرغل في دارة عزة من الحلة إلى المنشر ثم إلى الجروشة والتعبئة داخل المعمل، بعدما كانت هذه المراحل تُنجز في البيوت بمشاركة نساء العائلة والجيران.
