في أحد الأجنحة البارزة في معرض الكتاب الذي أقيم في مدينة إدلب بنسخته الرابعة لعام 2026 منتصف شهر أيلول، رُصّت مئات الكتب على طاولات خشبية لا يتجاوز ارتفاعها عشرة سنتيمترات، تأخذ مكانها في أرضية الجناح في إشارة لأسعارها المخفضة عن بقية الكتب المعروضة على الرفوف.
في معظم الأجنحة يظهر مشهد مشابه، أحدها كان في مكتبة الأنصار، حيث جُسّدت مجموعة كتب على شكل نجمة كبيرة يزيد ارتفاعها على المتر، يعلوها كتب تحمل عناوين دينية وثقافية. تحيط بها لوحات عريضة تعلن عن حسومات تتجاوز 50 بالمئة، للفت أنظار الزوار من بعيد.
يتقن ضياء مدوار ورفاقه العاملون في المكتبة، فنون العرض والتنسيق، وهو ما ينتهجه معظم أصحاب المكتبات ودور النشر في معارض الكتب، “بهدف ترويج عناوين مضى عليها زمن طويل على الرفوف دون أن تجد قراءها، وحتى تتاح الكتب في كل منزل بعد تخفيض أسعارها إلى نحو ثلث ثمنها الحقيقي” بحسب ضياء و أصحاب دور نشر التقيناهم.
يوضح مدوار أن العروض تستهدف بالدرجة الأولى الكتب الدينية والثقافية الأساسية لكونها ضرورية لكل أسرة وخاصة فئة الشباب، بينما تُستثنى الروايات والكتب التاريخية عادة، مؤكدًا أثناء تجوله بين الرفوف أن بيع هذه الكتب بنصف ثمنها يتيح لمحدودي الدخل والطلاب اقتناء كتب متعددة، وفي الوقت نفسه يعدّ حلًّا إسعافيًا لمعالجة قلة الطلب وتراكم الإصدارات القديمة مع توفر أخرى جديدة.
على مقربة من جناح مكتبة الأنصار وفي الصف نفسه يظهر جناح “مكتبة وسم الأمة للمعرفة والثقافة” ومقرها الأصلي في مدينة إدلب. يقف صاحب المكتبة، إيهاب البنا، خلف طاولة تصطف عليها كتب وروايات تاريخية وعلمية وثقافية… ، يتصفح كتابًا بين يديه تارة ويتحدث مع مساعده الذي يتولى مهمة البيع وتنسيق الكتب و محاورة الزبائن وتلبية طلباتهم تارة أخرى.
إلى اليسار من البنا، امتدت ثلاث مجموعات من الرفوف تتسع لمئات الكتب والمجلدات بمختلف الأحجام والسماكات، على رأس كل مجموعة علقت لافتة تحدد التسعيرة بخط عريض: “دولار واحد، دولاران، ثلاثة دولارات” وما يعادلها بالليرة السورية الجديدة والتركية. يشير مساعد صاحب المكتبة إلى أن هذه المجلدات كانت تباع بثلاثة أضعاف سعرها الحالي.
يقول: “عرضنا هذا القسم من الكتب على دور نشر متعددة بأسعار رمزية، مع أن ثمن بعضها كان 12 دولارًا أو أكثر، إلا أن ركودها ونزول إصدارات أحدث فرض علينا ذلك”، ويشرح منوهًا إلى أن المكتبة ليست مشروعًا ربحيًا محضًا، بل رسالة لنشر الثقافة، لاسيما أن تجارة الكتب تتأثر سريعًا بالأزمات الاقتصادية، إضافة إلى أن معظم الناس يعتبرونه رفاهية ويعتمدون على البدائل الإلكترونية.
هذه التخفيضات تأتي في وقت شهد فيه المعرض مشاركة واسعة لنحو مئة دار نشر من دول مختلفة منها تركيا والكويت، ومن عدة محافظات سورية بينها حلب وإدلب، إضافة إلى “اتحاد الكتاب العرب”، ومتضمنًا أركانًا متنوعة منها ركن الرسم وركن التراث وركن الفن اليدوي، وركن الإعلام.
كما تضمن المعرض ألعاب ذكاء وأعمال يدوية وأنشطة تفاعلية، وفعاليات متعددة وأمسيات شعرية وندوات وجلسات حوارية إضافة لمسابقات ثقافية وجوائز للفائزين. وقد استقطبت هذه الأنشطة أكثر من 27 ألف زائر خلال أيامه السبعة، كما بلغ عدد الكتب نحو 17 ألف عنوان، بحسب إدارة المعرض.
لم تصل المبيعات إلى مستوى توقعات الناشرين مقارنة بمعارض أخرى بحسب من قابلناهم، ويعود ذلك لعدة أسباب من بينها توقيت افتتاح المعرض الذي جاء متزامنًا مع افتتاح المدارس والتجهيز لافتتاح الجامعات، وهو ما صرف نظر الطلبة أو ذويهم إلى تأمين الحاجيات الأساسية والاستعداد لاستقبال العام الدراسي.
كما أن التحديات الأمنية لعبت دورًا بتراجع الإقبال، خاصة أن انفجارًا وقع على طريق إدلب باب الهوى بالقرب من مدينة سرمدا قبيل افتتاح المعرض بيوم واحد، إضافة لغلاء المحروقات وما رافقه من احتجاجات وقطع عدد من الطرق بشكل نهائي.
يؤكد أحد المشاركين أن القادم إلى مدينة إدلب، في حال صادف احتجاجًا في طريقه، قد يشعر بالخوف ويضطر إلى عدم متابعة طريقه إلى المدينة. في المقابل، أشاد هذا المشارك بالتنظيم داخل المعرض، وخاصة فيما يتعلق بإقامة المشاركين القادمين من خارج إدلب. ويوضح أن الغرف المخصصة لهم كانت نظيفة وتتوفر فيها الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء وغيرها، إضافة إلى تخصيص مروحة أو أكثر لكل جناح في المعرض طوال الوقت.
وعن طريقة مشاركته في المعرض، يروي صاحب المكتبة أنه علم به من خلال أحد أصدقائه، ثم طلب الاشتراك، وبعد قبوله انتسب إلى مجموعة خاصة بالمشاركين من أصحاب دور النشر. ويقول إنه طلب مساحة محددة بالمتر المربع، بحيث تكون مناسبة لعدد الكتب التي يملكها وحجمها، لكنه اكتشف لاحقًا أن معظم الأجنحة كانت بالمساحة نفسها، سواء لدور النشر الكبيرة أو الصغيرة. ويشير إلى أن نحو 19 رفًا في جناحه لم يستفد منها وبقيت فارغة.
أما بالنسبة لإيجار الجناح خلال فترة المعرض، فيقول إن المبلغ المحدد للمشارك بلغ 350 دولارًا، وهو السعر ذاته الذي دفعه في معرض أقيم في تركيا. لكنه يلفت إلى تفاوت الأحاديث بين المشاركين حول قيمة الإيجار، إذ تحدث بعضهم عن دفعه 350 دولارًا، بينما ذكر آخرون 290 أو 240 دولاراً.
ويضيف أن التعامل بعملات مختلفة، إلى جانب الدفع من خلال تطبيق شام كاش، كان من التحديات التي واجهته كأحد المشاركين القادمين من خارج مدينة إدلب. وعلى صعيد المبيعات، يقول صاحب المكتبة إنه يبيع نحو 12 كتابًا كحد أقصى في اليوم، بينما كانت مبيعاته تصل في معرض حلب الذي أقيم في شهر نيسان الماضي إلى نحو 30 كتابًا يوميًا.
ويأمل أن يتم إعفاء المشاركين من رسوم إيجار الأجنحة، كما حدث في معرض دمشق الدولي، نظرًا إلى ضعف الإقبال على شراء الكتب، ما يعرّض بعض المشاركين للخسارة. يقول: “لا نربح كما يجب، فالكتاب الذي يفترض أن يباع بسعر سبعة دولارات لا يمكنني أن أبيعه بهذا السعر، حتى أكسب الزبون”، موضحًا أن سعر الكتاب يتأثر بتكاليف الشحن والمصاريف الأخرى، بدءًا من رقم الإيداع، وصولًا إلى نوع الورق وجودته وعوامل أخرى.
ورغم التحديات اللوجستية والاقتصادية ظل المعرض يشكل فرصة للقراء الباحثين عن تخفيضات، منهم الطالبة رقية التي تتجه نحو الكتب المعروضة بنصف ثمنها، وتبحث عن عناوين كانت قد عزمت على شرائها، إضافة إلى الكتب التي استعارتها من مبنى المركز الثقافي بموجب بطاقتها الشخصية. بجوار رقية قابلنا سيدة مصرية، تحمل كيسًا يحوي ثلاثة كتب اشترتها بـ 15 دولارًا، وهو سعر تراه مقبولًا وإن كان “يميل للارتفاع”، حسب وصفها.
يفتح أصحاب دور نشر بابًا جديدًا لنشر المعرفة بين أيدي الناس، بتوفيرهم لكتب تراكم عليها الغبار وقتًا طويلًا، فيما يجدون بهذه الطريقة سبيلًا للترويج لها عوضاً عن كسادها وعدم الاستفادة منها، في خطوة لاقت ترحيبًا من معظم رواد المعرض.
