فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

بناء السلام يبدأ من المجتمع.. تجربة أكاديمية لتأهيل قيادات مجتمعية في حلب

زيلا بلبليان

بعد سنوات من الصراع، لا يقتصر التعافي على إعادة بناء ما تهدّم، بل يشمل استعادة القدرة على الحوار والعمل المشترك. في حلب، تحاول “أكاديمية قادة من أجل السلام” تحويل هذا التصور إلى مسار تدريبي يؤهل أفراداً للمشاركة في الشأن العام، عبر المعرفة والحوار وقراءة التجربة السورية

في ظل التحولات التي تشهدها سورية بعد سنوات من الصراع، برزت مبادرات مجتمعية تسعى إلى دعم التعافي وتعزيز ثقافة الحوار والمواطنة. ومن بين هذه المبادرات أطلقت اللجنة الأسقفية الكاثوليكية للتنشئة الوطنية في حلب “أكاديمية قادة من أجل السلام”، وهي برنامج أكاديمي يهدف إلى إعداد أشخاص قادرين على المساهمة في الشأن العام، وتعزيز ثقافة الحوار، انطلاقاً من مبادئ التعليم الاجتماعي للكنيسة الكاثوليكية.

لم تأتِ فكرة الأكاديمية منفصلة عن سلسلة من الأنشطة واللقاءات التي سبقتها، إذ عملت اللجنة خلال الفترة الماضية على طرح قضايا مرتبطة بالمشاركة المجتمعية والشأن العام، من بينها العدالة الانتقالية ودور المؤسسات التعليمية، وكان من أبرز هذه الأنشطة سلسلة لقاءات حملت اسم “عنصرة وطن“.

ومع اتساع النقاش حول الحاجة إلى كوادر أكثر تأهيلاً، تبلورت فكرة إنشاء مسار دراسي متخصص يتيح للمهتمين بالشأن العام اكتساب معرفة قانونية ومجتمعية وسياسية، إلى جانب أدوات تساعدهم على التعامل مع الاختلاف والحوار. وهو ما أسهم لاحقاً في بلورة فكرة “أكاديمية قادة من أجل السلام”.

يوضح منسق الأكاديمية في حلب، عماد شكر، أن الفكرة جاءت استجابة للتحولات التي تشهدها سورية، ولحاجة المجتمع إلى أشخاص مؤهلين للانخراط في الشأن العام انطلاقاً من المعرفة والمسؤولية. ويقول: “رأت الكنيسة أن دورها في هذه المرحلة هو دور وطني وليس سياسي، وأن مسؤوليتها تكمن في إعداد أشخاص قادرين على خدمة المجتمع، وفهم التغيرات التي تمر بها البلاد، والمشاركة فيها بوعي”.

تقدم الأكاديمية برنامجاً يمتد على عام دراسي، يشارك في تدريسه كهنة وأكاديميون ومتخصصون في القانون والشأن العام. ويتناول البرنامج موضوعات تتصل بالمواطنة والانتماء والهوية والشأن العام، إضافة إلى القانون والدستور والمصطلحات القانونية، إلى جانب مواد مرتبطة بالتعليم الاجتماعي للكنيسة الكاثوليكية ورسائل البابوات في القضايا ذات الصلة بالسلام والعدالة والمجتمع.

لكن المعرفة التي تسعى الأكاديمية إلى تقديمها لا تقتصر على القوانين والمفاهيم النظرية. فجزء من البرنامج مخصص لقراءة التاريخ السوري القديم والمعاصر، انطلاقاً من أن فهم الحاضر يتطلب قراءة ما سبقه بصورة أكثر هدوءاً وموضوعية. ولهذا استعانت الأكاديمية بأساتذة ومختصين ومصادر متعددة، وفق شكر، بهدف تقديم الوقائع التاريخية ومناقشة جوانبها المختلفة، بما يسمح للطلاب بتكوين رؤية أكثر قدرة على فهم أسباب الأحداث ونتائجها بعيداً عن الاصطفافات والانطباعات المسبقة. 

يقول شكر : “من لا يعرف تاريخه، ولا يستطيع قراءة حاضره بموضوعية، سيكون من الصعب عليه أن يبني مستقبله”. معتبراً أن التعامل مع التاريخ لا ينبغي أن يكون بهدف تغيير ما حدث، وإنما لفهمه واستخلاص الدروس منه. وفي هذا السياق، ترى الأكاديمية أن الوعي التاريخي أحد المداخل التي يمكن أن تساعد في تجنب إعادة إنتاج الأخطاء التي أسهمت في تعميق الانقسام.

ومن التاريخ تنتقل التجربة إلى الحاضر عبر محور آخر يراه القائمون عليها أساسياً، وهو الحوار. فإلى جانب الدروس الأكاديمية، تنظم الأكاديمية ورشات عمل شهرية مفتوحة أمام المهتمين من خارج البرنامج، تتناول موضوعات من بينها الحوار المجتمعي والقيادة المجتمعية. وتقوم الفكرة على إتاحة مساحة يلتقي فيها أشخاص من خلفيات وتجارب مختلفة، ليس بهدف الاتفاق على كل شيء، وإنما لفهم دوافع بعضهم ومخاوفهم واحتياجاتهم.

ويشير شكر إلى أن الحوار بالنسبة إلى الأكاديمية ليس نشاطاً موازياً للمنهاج، بل منهجاً حاضراً في طريقة التعلم نفسها. فالطلاب يناقشون المحاضرين ويتبادلون وجهات النظر، بما يتيح الانتقال من التلقي إلى المشاركة. ويؤكد على أن التجربة أثبتت أن كثيراً من الأحكام المسبقة تتراجع عندما تتاح للناس فرصة الإصغاء إلى بعضهم البعض، مضيفاً: “كلما كان الحوار حقيقياً وعميقاً، بعيداً عن المجاملات والتصنع، اكتشفنا أن ما يجمع السوريين أكثر بكثير مما يفرقهم”.

بدأت الأكاديمية عامها الأول بعشرين طالباً وطالبة، وكانت مشاركة النساء لافتة، إذ شكلن النسبة الأكبر من الدفعة الأولى. ويرى شكر أن ذلك يحمل دلالة تتجاوز أعداد المشاركات، لناحية إتاحة مساحة للمرأة للمشاركة في الشأن العام وتطوير مهاراتها القيادية، مشيراً إلى أن حضور النساء في البرنامج يمثل بالنسبة إلى القائمين عليه مؤشراً إلى إمكانية توسيع أدوارهن في الحياة المجتمعية.

من بين المشاركين في التجربة، داتيفيك نجاريان، مديرة مدرسة المختارين الخاصة، التي جاءت إلى الأكاديمية من خلفية تربوية وإدارية جعلت موضوع القيادة والحوار جزءاً من عملها اليومي. فالمدرسة، بالنسبة إليها، ليست مكاناً للتعليم فحسب، وإنما مساحة تتشكل فيها مواقف الطلاب وطريقة تعاملهم مع الاختلاف، وهو ما يجعل مهارات الحوار وإدارة النقاش ذات أهمية خاصة في البيئة التعليمية.

وتتقاطع تجربتها مع أحد الأهداف التي تضعها الأكاديمية لنفسها: “ألا تبقى المعارف التي يحصل عليها الطلاب داخل قاعات الدراسة، بل أن تنتقل إلى أماكن عملهم ومجتمعاتهم”. فالمطلوب، وفق القائمين على البرنامج، ليس تخريج متخصصين في بناء السلام بالمعنى الأكاديمي فقط، وإنما أشخاص قادرين على توظيف ما تعلموه في مواقعهم المختلفة، سواء في المؤسسات التعليمية أو المجتمع المدني أو مجالات العمل العام.

ولا تعتبر الأكاديمية أن عدد الطلاب أو حجم الحضور الإعلامي هو المقياس الأساسي لنجاحها. ويشرح شكر أن المشروع يقوم على فكرة “الخميرة في العجين”، أي الاستثمار في مجموعة محدودة من الأشخاص القادرين على نقل ما تعلموه إلى محيطهم، بدلاً من التركيز على الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المشاركين.

تنشر الأكاديمية أخبار أنشطتها وفعالياتها عبر منصة “قد السما”، التي تشكل في المرحلة الحالية المنصة الإعلامية التي يُعلن من خلالها عن نشاطات الأكاديمية ومسارها. ويشير شكر إلى أن الهدف من هذا الحضور لا يتمثل في الترويج للأكاديمية أو السعي إلى زيادة أعداد المتابعين، بقدر ما هو تعريف المجتمع بوجود هذا المسار وبالأشخاص المشاركين فيه، وما يمكن أن يقدموه مستقبلاً في مجتمعاتهم. 

 القائمون على التجربة يفضلون الحديث عن الأثر بوصفه نتيجة تحتاج إلى وقت، لا باعتباره إنجازاً مكتملًا. يقول شكر “إن ردود الفعل الأولية كانت إيجابية، لكن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الطلاب على تحويل ما تلقوه من معرفة ومهارات إلى ممارسة فعلية بعد تخرجهم”.

ولا تتوقف التجربة عند حدود حلب، إذ يشير شكر إلى انتقال بعض أنشطة اللجنة وخبراتها إلى حمص من خلال لقاءات تدريبية، مع وجود توجه لتوسيع التجربة إلى محافظات أخرى. ويؤكد أن العمل يجري بالتوازي مع تقييم مستمر للبرنامج ومراجعة نقاط القوة والضعف فيه، بما يسمح بتطويره وفق احتياجات المشاركين والسياق الذي يعملون فيه.

وبحسب من التقيناهم من مشاركين ومؤسسين، لا تقدم الأكاديمية نفسها باعتبارها حلاً منفرداً للتحديات التي خلفتها سنوات الصراع، ولا يمكن لمبادرة من هذا النوع أن تعالج وحدها آثار الانقسام أو تعقيدات المرحلة الانتقالية. لكنها تنطلق من مساحة مختلفة “الاستثمار في أشخاص يمكن أن يحملوا معهم إلى مدارسهم ومؤسساتهم ومجتمعاتهم أدوات لفهم الاختلاف وإدارة الحوار والمشاركة في الشأن العام”.

بينما تحتاج عملية التعافي في سورية إلى مسارات سياسية واقتصادية ومؤسسية واسعة، تضع تجربة “أكاديمية قادة من أجل السلام” تركيزها على مستوى أكثر قرباً من الحياة اليومية، على المدير والمعلم والموظف والناشط وكل شخص يمكن أن يؤثر، من موقعه، في الطريقة التي يتعامل بها الناس مع بعضهم. ومن هنا تبدو فكرة “السلام يبدأ من الشعب” أقرب إلى مسار عمل منها إلى شعار، يبدأ بالمعرفة، ويمر بالحوار، ويُختبر في الحياة اليومية.