فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

السلاح في حلب.. استخدام عشوائي وقوانين غير نافذة

محمد دعبول

لا يكاد يمر يوم على حلب دون سماع خبر عن مصابين أو قتلى نتيجة استخدام السلاح داخل الأحياء السكنية، ومن لم يصب بشكل مباشر، ينتابه القلق كلّما سمع صوت إطلاق نار أو رأى سلاحاً

أصيب أطفال دعاء جباس بهلع شديد عندما سمعوا إطلاق نار أمام بناء مجاور لمنزلهم في حي قرلق بمدينة حلب. تقول الوالدة، إن تكرار هذه الحوادث يدفعها أحياناً إلى منع الأطفال من النزول إلى الشارع للعب.

تبقى جباس قلقة حتى عندما ترافق أطفالها خارج المنزل، وتراقب المارة خشية وقوع إطلاق نار جديد. تضيف أن أصوات الرصاص تسمع بشكل متكرر في الحي الذي تقيم فيه، وأنها أصبحت لشدة خوفها، تعيد أطفالها إلى المنزل عند سماع صوت إطلاق نار.

تقول لفوكس حلب إن وجود السلاح  في أيدي المدنيين يجعل أي خلاف بسيط قابل لأن يتحوّل لدموي. فإشهار بندقية خلال خلاف محدود يكفي لإخافة السكان، حتى من دون استخدامها.

في حي بني زيد، يتحدث علي جامس، أحد سكان الحي، عن خلاف وقع مؤخراً بين عائلتين، استخدمت خلاله الأسلحة على نطاق واسع، ما تسبب بقتلى وجرحى وأثار القلق بين السكان.

يرى جامس أن انتشار السلاح بين المدنيين أصبح أكثر وضوحاً خلال الفترة الأخيرة. ولم يعد حمله مقتصراً على البالغين، وبدأ يظهر أيضاً بين صغار السن، ما يزيد خطورة أي خلاف يقع داخل الأحياء، وفقاً لقوله. يطالب جامس بإطلاق حملات مستمرة لمصادرة الأسلحة غير المرخصة، ومنع بيعها وتجريم الاتجار بها. ويرى أن من أكبر المشكلات في حلب اليوم، سهولة الحصول على سلاح.

تعيد هذه الحوادث ملف السلاح غير المرخص إلى واجهة المشهد الأمني في حلب، مع كل خلاف يتحول إلى حادثة عنف. إذ أصبح وجود الأسلحة خارج إطار الدولة من أبرز التحديات التي تواجه عجلة الحياة، بعد سنوات الحرب التي أسهمت في انتشارها على نطاق واسع.

في حي العامرية، يصف المختار أحمد مرعي انتشار السلاح الفردي بين فئات من الشباب في الأحياء الشعبية بأنه مشكلة خطيرة ومؤرقة، على المستويين المجتمعي والأمني. يربط مرعي في حديث لفوكس حلب المشكلة بانتشار قطع السلاح غير المرخصة وتدني أسعارها، ما جعل اقتناءها متاحاً للجميع. ويقول إن السلاح تحول في بعض البيئات إلى مظهر من مظاهر الوجاهة، أو وسيلة لفرض القوة.

يتحدث مرعي عن وجود أسلحة داخل بعض مركبات السرافيس العاملة على خطوط السكري والزرازير وباب جنين. ويرى أن ذلك يزيد احتمال تحول الخلافات البسيطة بين بعض السائقين إلى مشاجرات خطرة. يمكن لأي مشكلة بين السائقين أن تتطور سريعاً إلى إشهار السلاح، ما يؤدى، وفق مرعي، إلى ووقوع إطلاق نار وحدوث وفيات وإصابات. تدفع سرعة اللجوء إلى إطلاق النار، بحسب ما أخبرنا به مرعي، كثيراً من السكان والعقلاء إلى تجنب التدخل خوفاً على حياتهم، ما يترك المجال أمام الفوضى والتصعيد.

يتحمل المصابون وعائلاتهم تكاليف الأدوية والمستشفيات والعلاج من أموالهم الخاصة، وهو عبء آخر تتركه المشاجرات التي تبدأ بخلاف محدود، ثم تتحول خلال وقت قصير إلى حوادث تهدد حياة الموجودين في المكان.

يرى حقوقيون ومحامون تحدثوا إلى فوكس حلب أن التشريعات السورية المنظمة لحيازة السلاح ما تزال نافذة، وتتضمن عقوبات بحق حاملي الأسلحة غير المرخصة. لكن التحدي الأساسي يكمن في تفاوت تطبيقها بين منطقة وأخرى، والحاجة إلى استكمال جهود حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.

بحسب المحامي عثمان الخضر، لا توجد حتى الآن قرارات جديدة تتعلق بسحب السلاح من المدنيين. ويرجح أن يكون هذا الملف جزءاً من سياسة الدولة ورؤيتها، ضمن خطة منظمة قد تنفذ في مرحلة لاحقة.

يبقى المرسوم التشريعي رقم 51 لعام 2001 والقانون رقم 14 لعام 2022 نافذين في تنظيم حيازة السلاح. ويقتصر الترخيص على المسدسات الحربية وبنادق الصيد وفق الضوابط القانونية، مع تحديد أماكن يحظر فيها حمل السلاح، منها المطارات والملاعب والمنشآت العامة.

تنص المادة الرابعة من القانون رقم 14 لعام 2022 على عقوبة تصل إلى الاعتقال من سبع إلى عشر سنوات، وغرامة تتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين ليرة سورية (قديمة)، بحق من يحمل أو يحوز سلاحاً حربياً غير قابل للترخيص.

وتصل عقوبة حيازة ذخيرة سلاح حربي غير قابل للترخيص إلى الحبس من سنتين إلى ثلاث سنوات، وغرامة تتراوح بين مليون ومليوني ليرة سورية. ويعاقب من يحمل أو يحوز مسدساً حربياً دون ترخيص بالحبس من ثلاث إلى ست سنوات، وغرامة تتراوح بين 500 ألف ومليون ليرة.

يخضع من هم دون الثامنة عشرة لأحكام قانون الأحداث الجانحين رقم 18 لعام 1974، بحسب الخضر. ويرى أن انتشار السلاح خارج إطار الدولة يزيد مخاطر الجريمة المنظمة، ويحول الخلافات البسيطة إلى مواجهات دامية.

يدعو الخضر إلى تعزيز حملات التوعية، وتشجيع تسليم الأسلحة غير المرخصة إلى الجهات المختصة ضمن أطر قانونية مناسبة. ويرى أن هذه الخطوات ضرورية للحد من المخاطر التي يسببها انتشار السلاح بين المدنيين.

يوضح المحامي رامي الحمد، في حديث لفوكس حلب أن آليات التعامل مع انتشار السلاح تختلف بحسب المناطق، وأن بعض الحالات المرتبطة بمن حملوا السلاح خلال سنوات النزاع تخضع لمعالجات خاصة.

تتابع الجهات المختصة ضبط الأسلحة المخالفة ومصادرتها، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق حائزيها، بحسب الحمد. إلا أن انتشار السلاح بين المدنيين ما يزال واسعاً في عدد من المحافظات، ما يجعل معالجة الظاهرة أكثر تعقيداً.

يضع المحامي حومد حومد ضعف تنفيذ القوانين خلال السنوات الماضية في مقدمة أسباب استمرار المشكلة، ولا يراها ناتجة عن غياب التشريعات. فالقوانين السورية شددت منذ عقود على منع بيع الأسلحة والذخائر، وحظرت إطلاق النار في المناسبات.

تنص القوانين كذلك على مصادرة السلاح غير المرخص وإحالته إلى القضاء عند ضبطه. لكن مستوى التطبيق يختلف بحسب قدرة الدولة على فرض سلطتها، ويكون أكثر فاعلية في مدن رئيسية مثل حلب ودمشق.

تواجه عملية التنفيذ تحديات أكبر في بعض المناطق الريفية، أو المناطق التي شهدت نزاعات طويلة، وفق حومد، الذي يرى أن الدولة تعمل تدريجياً على استعادة السيطرة الكاملة على هذا الملف، وتوسيع تطبيق القوانين في مختلف المناطق.

يعتبر قانون العقوبات السوري حمل السلاح غير المرخص في الأصل جنحة، وتكون العقوبة في كثير من الحالات بين ستة أشهر وثلاث سنوات، مع غرامة مالية، وفق حومد. وقد يتحول الوصف الجرمي إلى جناية بحسب طبيعة السلاح أو ظروف ارتكاب الجريمة.

يميز القانون بين الأسلحة الفردية، مثل المسدسات وبنادق الصيد، والأسلحة الحربية، مثل الأسلحة الرشاشة والقذائف. وتكون العقوبات المتعلقة بحيازة الأسلحة الحربية أو حملها أشد من العقوبات الخاصة بالأسلحة الفردية.

يعاقب القانون من مكن القاصر من حمل السلاح، أو استغله في أعمال انتقامية أو إجرامية، بحسب حومد. ويجعل ظهور الأسلحة بين صغار السن معالجة الملف أكثر إلحاحاً، بسبب احتمال استخدامها في خلافات لا يدرك القاصرون عواقبها.

أدت سنوات الحرب إلى انتشار السلاح بين مختلف الأطراف، سواء لدى الفصائل المسلحة أو المجموعات الأخرى أو التشكيلات المسلحة المرتبطة بالنظام السابق، ما جعله متاحاً على نطاق واسع بين المدنيين، وفقاً للمحامي.

تعكس شهادات سكان أحياء حلب آثار انتشار السلاح غير المرخص، من الخوف من إطلاق النار إلى تحول الخلافات البسيطة إلى حوادث قد توقع قتلى ومصابين، في مقابل ظل قوانين مؤجلة وغير نافذة.