فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

خيارات متعددة وقيود مختلفة.. أين يدرس طلاب جامعة حلب؟

كنده بصمه جي

مقعد هادئ، كهرباء مستقرة، ووقت كافٍ للدراسة، احتياجات بسيطة يواجه طلاب جامعة حلب صعوبة في جمعها في مكان واحد

في إحدى قاعات المكتبة المركزية بجامعة حلب، يجلس حسن لحموني، طالب في كلية العلوم، محاطاً بطاولات الدراسة والمطالعة وأعداد كبيرة من الكتب والمراجع، يحاول التركيز في دراسته بينما تدفع مروحة سقفية الهواء الساخن إلى الأسفل.

صوت صرير المقاعد التي تحتاج إلى صيانة يقطع حالة الهدوء بين الحين والآخر، يرافقه ضجيج نقاشات جانبية تتصاعد من طلاب كليات مختلفة تجمعهم قاعات المكتبة المركزية.

ورغم تلاشي الهدوء المطلوب وتصاعد دخان السجائر من بعض المدخنين في القاعة دون قدرة الكادر الإداري على منعه بشكل كامل، يجد حسن نفسه مضطراً للبقاء لـما يقارب خمس ساعات يومياً. لكن رغم هذه السلبيات تبقى المكتبة بالنسبة له بيئة جماعية تُشجع على الالتزام والاستمرار، في ظل عدم توفر خيارات مجانية أفضل داخل الحرم الجامعي.

يبحث طلاب جامعة حلب عن أماكن تتيح لهم مواصلة الدراسة بعيداً عن ظروف المنزل، فيما تبدو الخيارات داخل الجامعة متفاوتة بين قاعات مفتوحة لساعات طويلة لكنها تواجه نقصاً في بعض التجهيزات، وأخرى توفر ظروفاً أفضل لكنها تحدد مدة الاستخدام، إلى جانب مقاهي خاصة خارج الحرم الجامعي تفرض تكلفة مالية مقابل ساعات الدراسة.

وتعد المكتبة المركزية بجامعة حلب من أبرز هذه الخيارات وأكثرها إقبالًا، إذ تستقبل طلاب مختلف الكليات والمعاهد طوال أيام الأسبوع باستثناء الجمعة والعطل الرسمية، ويبدأ استقبال الطلاب في بعض قاعاتها من الثامنة صباحاً حتى السابعة مساءً، وفق نظام الورديات للعاملين. ويزداد الإقبال عليها في فترات الامتحانات والتحضير، حين تصبح الحاجة إلى مقعد ومكان هادئ أكثر إلحاحاً.

لكن طوال ساعات فتح القاعة لا يعني أن ظروفها مثالية للدراسة بحسب طلاب التقيناهم، في حين يؤكد سلطان السرامه، المشرف في كادر المكتبة المركزية، أن الموظفين يبذلون جهودهم  لخدمة الطلاب، إلا أن بعض الاحتياجات الأساسية ما تزال قائمة، فالمراوح والإنارة بحاجة إلى تحسين، ولا يوجد حالياً اعتماد مالي مخصص لهذه الأمور، مع وجود وعود باعتماد قريب بعد طرح الموضوع مع رئاسة الجامعة.

وبحسب السرامه، فإن القاعة شهدت تحسناً خلال الأشهر الماضية، فقد زودت بالمراوح وحسنت ظروف القاعة. إلا أن التجهيزات الحالية ما تزال محدودة، يقول: “نحتاج استبدال المراوح بمكيفات جدارية، فيما تحتاج المقاعد إلى صيانة وإعادة ترتيب بسبب الأصوات التي تصدر عنها وعدم ثبات بعض أجزائها”.

ومع محدودية التجهيزات، لا تتوقف مسؤولية الحفاظ على بيئة الدراسة عند إدارة القاعة وحدها. فالسرامه يشير إلى اختلاف سلوك الطلاب داخلها، إذ يحافظ بعضهم على نظافة المكان، بينما يترك آخرون الأوراق والقمامة، ما يزيد من أعباء الكادر. يقول إن التعامل مع هذه الحالات يجري من خلال النصح والتوعية، على أساس أن القاعة مساحة يستخدمها الطلاب ومن مصلحتهم الحفاظ عليها، لكن حالات الاستجابة متفاوتة.

ويشكل التدخين تحدياً آخر داخل القاعة، بحسب السرامه، الذي يقول إن التعامل معه يتم بصورة تدريجية بهدف حصره خارجها. كما تمثل الضوضاء مشكلة إضافية مع وجود طلاب من تخصصات مختلفة في المكان نفسه، إذ يمكن للنقاشات بين الطلاب أن تؤثر على الهدوء المطلوب للدراسة. ويشير إلى أن الوضع يكون أكثر توازناً في الأيام العادية، بينما يرتفع الضغط بشكل كبير قبل الامتحانات.

قاعة دومينز في كلية العلوم بجامعة حلب
قاعة دومينز في كلية العلوم بجامعة حلب

داخل المكتبة، يواظب الطالب نجيب نجم، من كلية الطب البشري، على الدراسة فيها من الساعة الثانية ظهراً وحتى السابعة أو السابعة والنصف مساءً. ورغم حرارة الطقس، إلا أنه يفضل هذا المكان المشترك على خيارات أخرى مثل “قاعة كلية الطب البشري” التي تُغلق أبوابها أحياناً في فترة الامتحانات بسبب اعتمادها كقاعة لتقديم الامتحانات عند وجود أعداد كبيرة من الطلاب.

وتتجه خيارات الطلاب في حال إغلاق القاعات الجامعية أو ازدحامها إلى التوجه نحو معاهد خاصة أو مقاهي ومكتبات تجارية قريبة من الجامعة توفر مساحات دراسية مثل: “مكتبة بوكس” أو “الوسيط”، ولكنها تتقاضى مبالغ مالية مقابل هذه الخدمة.

توفر هذه الأماكن الإضاءة المستقرة، والانترنت المأجور، إلا أنها تحسب التكلفة بناءً على عدد الساعات، فبعضهم يطلب ثلاثة آلاف ليرة سورية على الساعة الواحدة وآخرون خمسة آلاف ليرة، وبالإضافة إلى مشروبات وأطعمة بأسعار متفاوتة. تحول هذه التكلفة دون استقرار الطلاب فيها لفترات طويلة، لتصبح خياراً اضطرارياً يقتصر على أيام الامتحانات الحرجة أو لمن يسمح له وضعه المادي فقط.

وعن هذه البدائل، يتحدث الطالب ملهم أوسطى، طالب في كلية العلوم، عن تجرّبته في مقهى “روت” الدراسي، إذ يدفع خمسة آلاف ليرة سورية في الساعة مقابل الهدوء والتكييف، مشيراً إلى أن المكان يمنع التدخين تماماً، وتعتمد فيه المشرفة على جرس تنبيه تضغطه فوراً عند حدوث أي ضوضاء لإعادة الهدوء للقاعة، ويرى أوسطى أن المقاهي الدراسية تشكل مكاناً مناسباً للمذاكرة والاستقرار العلمي أوقات الامتحانات.

منذ منتصف شهر تموز الفائت، ظهر بديل ثالث يجمع بين مجانية التعليم والتقنيات الإلكترونية الحديثة في جامعة حلب. إذ جاء إطلاق مشروع قاعة “دومينز” (Domains) في كلية العلوم، كمبادرة تنموية مموّلة من القطاع الخاص، برعاية “مؤسسة المجد التنموية”، لتقديم بيئة دراسية وتدريبية ذكية ومجانية بالكامل لطلاب الجامعة.

يعتمد المشروع على نظام إلكتروني متكامل، من خلال تحميل تطبيق خاص عبر الشبكة المتاحة عند بوابة القاعة. يحجز الطالب مقعده عبر عملة رقمية تُعرف بـ “التوكنز” (Tokens) تُمنح مجاناً وتتجدد شهرياً. وتتوزع بنيتها الداخلية بين قاعات للمطالعة، وقاعات للتدريب، وأخرى مخصصة للذكاء الاصطناعي، بهدف تحويل المساحة الجامعية إلى بيئة رقمية منظمة.

تتوفر في قاعاتها أجهزة التكييف ويعتمد العمل داخل القاعة على نظام حجز إلكتروني مسبق عبر تطبيق الموبايل، لتأمين دخول الطلاب بمرونة والاستفادة من الساعات المتاحة شهرياً مجاناً، وسط إقبال كثيف وانطباع إيجابي من زوار القاعة الذين وجدوا فيها بيئة دراسية مجهزة ومريحة.

تباينت انطباعات الطلاب حول تجربة “دومينز” بين من يرى في القاعة مساحة دراسية مناسبة تلبي احتياجاته، ومن يجد أن نظام الساعات المحدد لا يتناسب مع حاجته إلى الدراسة لفترات طويلة.

تتحدث أريج المحمد، طالبة في السنة الثالثة بقسم الكيمياء في كلية العلوم عن تجربتها في التسجيل والاستفادة من القاعة، معتبرة أن المشروع أعاد توظيف مساحات لم تكن مستثمرة بالشكل الكافي، وأسهم في تنظيم أجواء الدراسة داخل الكلية، عوضاً عن بقاء الطلاب في البهو وما يرافقه من حركة وضوضاء. وترى أن الساعتين المتاحتين يومياً “كافيتين” لطالب يدرس خلال النهار ثم يعود إلى منزله، كما تصف تطبيق الهاتف بأنه سهل الاستخدام ويساعد على تنظيم الوقت.

وتفضل أريج القاعة أيضاً على المقاهي خارج الجامعة، التي ترى أن تكلفتها المرتفعة تجعلها خياراً أقل ملاءمة، كما تفضل “دومينز” على المكتبة المركزية بالنسبة إلى احتياجاتها الدراسية.

يرى، صدقي جديد طالب في كلية الهندسة المعمارية، أن قاعة “دومينز” توفر ظروفاً دراسية جيدة، مشيراً إلى التكييف والإنارة والهدوء، إلى جانب وجود مكان مخصص للصلاة وحسن تعامل الكادر المنظم مع الطلاب.

لكنه يجد أن مدة الاستخدام المحددة لا تنسجم مع حاجته إلى الدراسة لساعات أطول، ويقول: “إن نظام تخصيص 15 ساعة في الشهر بمعدل ساعتين فقط في اليوم المتاح في قاعة دومينز غير كافٍ.

ويضيف أن نظام إلغاء الحجز واقتطاع الساعات عند التأخر يزيد من صعوبة الاستفادة من الوقت المحدد، خصوصاً عندما لا يتيح النظام تعويض الوقت المفقود. ومع ذلك، يصف المشروع بأنه “خطوة نموذجية وممتازة”، معتبراً أن زيادة عدد الساعات أو تعديل آلية استخدامها قد تجعل القاعة أكثر ملاءمة للطلاب الذين يحتاجون إلى الدراسة المستمرة.

ويشرح أن جزءاً من الوقت يذهب إلى ترتيب الكتب والاستقرار في المكان قبل البدء بالدراسة، لذلك يرى أن القاعة تصلح أكثر للاستراحة أو للمراجعة السريعة قبل الامتحان، وليس للدراسة اليومية الطويلة.

في المقابل، يقول غيث الحيدر إنه قد يصل أحياناً إلى نحو عشر ساعات من الدراسة يومياً في المكتبة المركزية، ويساعد وجود الأصدقاء في الالتزام بالوقت والاستمرار في الدراسة.

وهنا تختلف أولوية غيث عن مجرد توفر التكييف، فالمكان الأكثر راحة من حيث التجهيز لا يكون بالضرورة الأكثر فائدة له إذا كانت مدة استخدامه محدودة، بينما تتيح المكتبة المركزية ساعات أطول، حتى مع ظروفها الخدمية الأقل ملاءمة.

وبذلك يجد غيث الحيدر نفسه أمام خيارات لكل منها حدودها: المكتبة المركزية توفر ساعات طويلة وتستقبل طلاب مختلف التخصصات، لكنها تحتاج إلى تحسين بعض التجهيزات. قاعات الكليات قد لا تبقى متاحة للدراسة في فترات الامتحانات، وقاعة “دومينز” توفر التكييف، لكن المدة المحددة للاستخدام لا تلائم بعض الطلاب. أما المكتبات والمقاهي التجارية فتتيح مساحة للدراسة مقابل تكلفة تحسب بالساعة.

يوضح شوقي مدرّس، مسؤول المنصة الرقمية في مشروع “دومينز”، أن القاعة خضعت لمرحلة “الافتتاح التجريبي”، التي تهدف إلى اختبار قدرة المكان على استيعاب الطلاب، ورصد المشكلات التقنية والبرمجية، وجمع ملاحظاتهم قبل الانتقال إلى الافتتاح الرسمي.

ويشير مدرّس إلى أن المشروع ترعاه “مؤسسة المجد التنموية”، التابعة لشركة “سنكري القابضة”، ضمن مبادرة “حلب ست الكل”، ويقدم خدماته للطلاب مجاناً. ولا يقتصر المشروع، بحسب وصفه، على توفير مساحة للدراسة، بل يقوم على أربعة مسارات هي التدريب والمشاريع والفعاليات والتطوع، مع توجه لإشراك الطلاب في مشاريع خدمية وتقنية تنطلق من احتياجاتهم الفعلية.

أما القاعة الحالية، فتضم نحو 120 مقعداً موزعة على أربع قاعات تدريبية، إلى جانب قاعة للذكاء الاصطناعي تتسع لنحو 18 إلى 20 شخصاً، ومساحات مخصصة للمشاريع والدراسة والتدريبات المجانية. وتتحول هذه المساحات خلال فترات امتحانات الكليات إلى قاعات مطالعة مكثفة. ويقول مدرّس إن المشروع لا يستهدف الإبقاء على هذه القاعة بصورتها الحالية فقط، بل يسعى إلى التوسع نحو كليات ونطاقات أخرى ضمن منظومة تقنية مترابطة، موضحًا أن “دومينز” مرتبطة بفكرة المجالات أو النطاقات.

قاعة دومينز في كلية العلوم بجامعة حلب
قاعة دومينز في كلية العلوم بجامعة حلب

وتنظم المنصة عملية الدخول والحجز إلكترونياً، إذ يحجز الطالب مقعده عبر تطبيق “دومينز” باستخدام “التوكنز” (Tokens)، وهي ساعات استخدام مجانية تتجدد مع بداية كل شهر. وبعد الحجز، يدخل الطالب عبر مسح رمز QR، مع التحقق من بطاقته الجامعية لضبط أعداد المستفيدين والتأكد من هوياتهم.

وعن الحد المحدد بـ 15 ساعة شهرياً، يرى مدرّس أن الغاية الأساسية هي توزيع المقاعد بصورة عادلة على أكبر عدد ممكن من الطلاب، في ظل محدودية الطاقة الاستيعابية. ويوضح أن النظام يمنع حجز المقعد وتركه شاغراً، بحيث “لا يحجز الطالب مقعداً ويحرم زميله منه وهو غائب”، فيما يهدف الالتزام بمواعيد الحجز إلى تنظيم الاستفادة من المساحة المتاحة.

وينطبق ذلك أيضاً على نظام إلغاء الحجز، فعند تأخر الطالب أكثر من عشر دقائق، يلغي التطبيق الحجز ويقتطع الساعات المخصصة له تلقائياً. ويصف مدرّس الإجراء بأنه جزء من آلية تنظيمية تهدف إلى ضمان استخدام المقاعد فعلياً، وليس مجرد عقوبة على التأخر.

وفي الوقت نفسه، يؤكد أن هذه القواعد ليست نهائية، وأن فترة الافتتاح التجريبي تتيح اختبار النظام وتعديله وفق ملاحظات المستخدمين. ويشير إلى أن الإدارة تتابع المشكلات التقنية والمقترحات بصورة مستمرة، مع إمكانية زيادة الساعات وإضافة خصائص جديدة مستقبلاً.

ويضيف مدرّس أن الاستفادة من “دومينز” لا تقتصر على الدراسة، إذ يستطيع الطلاب المشاركة في التدريبات والفعاليات والمشاريع والتطوع، فيما يجري العمل على إتاحة وثيقة تقييم رقمية توثق مشاركات الطالب وخبراته داخل المشروع، ويمكن استخدامها ضمن سيرته الذاتية.

وتأتي رعاية “مؤسسة المجد التنموية” لمشروع “دومينز” ضمن مبادراتها المجتمعية في حلب، ولا سيما في مجالي التعليم والصحة. ويقدم المشروع خياراً مختلفاً عن المكتبة المركزية من حيث التجهيز وآلية الاستخدام، إلا أن مدى ملاءمته للدراسة اليومية يظل مرتبطاً، بالنسبة إلى الطلاب، بعدد الساعات المتاحة وشروط الحجز.

وفي النهاية، تتعدد الخيارات أمام طلاب جامعة حلب، لكن لكل منها حدودها، فالمكتبة المركزية تتيح ساعات دراسة أطول رغم بعض المشكلات الخدمية، بينما توفر “دومينز” تجهيزات أفضل وآلية استخدام منظمة، لكنها تحدد ساعات الاستفادة. وبين هذه الخيارات يبقى الطالب مرتبطاً بقدرته على تأمين الوقت والظروف التي يحتاجها للدراسة.