بدأ موسم قطاف الفستق الحلبي هذا العام في بساتين ريف حماه الشمالي قبل موعده، خشية السرقة وتجنباً لخسارة أكبر، إذ اعتاد المزارعون بدء قطاف المحصول بعد نضجه في الفترة الممتدة من أواخر شهر تموز إلى نهاية شهر آب، مع اختلاف المدة حسب المنطقة والصنف.
خسرت خديجة الحاج، موسماً انتظرته منذ أشهر، رغم توليها مهمة حراسته بنفسها، ولم تتوقع أن تنصدم فجر 27 تموز بمشهد أشجار الفستق دون عناقيد، في أرضها الواقعة على طريق مورك- لحايا، تقول إنها كانت تنام على سطح منزل إحدى قريباتها على بعد أمتار قليلة من أرضها لحراسة الموسم، إلا أنها لم تلحظ أي ضوء أو صوت أو حركة غريبة في الأرض، لكن هذا ما حصل بالفعل.
فضلت خديجة تنفيذ مهمة الحراسة بنفسها، لأن موسمها لن يغطي أجور الناطور والتكاليف الأخرى من حراثة وتسميد ورش المبيدات وملاحقة حشرة الكابنودس، وبدت عاجزة عن وصف حزنها، يقول ابنها يوسف إنه عندما أحضر لها الزوادة لمحها من بعيد تضع كفيها على رأسها وتبكي بحرقة، فتوقع أن الحقل تعرض للسرقة. يوضح: “ما يقارب 35 شجرة سرقت من أرضنا وسرقت ثمار أشجار أخرى من الحقول المجاورة، إلا أن خسارتنا كانت الأكبر”.
على الفور نسقت خديجة مع ورشة لقطاف الفستق لتنجو وجيرانها بباقي المحصول، على الرغم من أنه لم ينضج بعد، وأن السعر لم يستقر. تقول: “لن أستطيع تعويض ما أنفقته لإحياء الأرض بعد الآفات التي أصابتها بفعل الإهمال والحرب”.
بعد خسارة جزء من المحصول لن يتمكن المزارعون من تعويض خسارتهم وتوفير مبالغ مالية لتلبية احتياجاتهم المؤجلة إلى الموسم. ففي مدينة كفرزيتا، قرر زهير قبلان قطاف محصوله مبكراً بعد سماعه بتكرار حوادث السرقة في المنطقة. يقول “كنا نأمل أن نعوض جزءاً من خسائر سنوات التهجير، لكن بعد سماعنا بسرقة عدد من كروم الفستق اضطررنا إلى القطاف المبكر، وبعنا المحصول بسعر أقل، لكنه كان أفضل من خسارته بالكامل”، مضيفاً: “عصفور باليد أحسن من عشرة على الشجرة”.
عاد قبلان إلى مدينته بعد سقوط نظام الأسد ليجد منزله مدمراً، وبستان الفستق الذي تملكه عائلته قد تعرض لأضرار كبيرة، إذ قُطعت أو أُحرقت نحو نصف أشجاره، مؤكداً أن الأشجار المتبقية تحتاج إلى سنوات من العناية حتى تستعيد جزءًا من قدرتها على الإنتاج، خاصة أنه خسر أشجاراً عمر أكثرها 60 سنة تقريباً”.
في الفترة التي قطف فيها قبلان وخديجة ثمار الفستق، لم تكن الثمار قد نضجت، حتى أن القشرة الخارجية مازالت صفراء قاسية غير قابلة للتقشير. كما أنه بِيع كله بسعر واحد دون تمييز بين أنواعه، يقول قبلان “يختلف سعر مبيع الفستق من صنف ناب الجمل ذي الثمرة الطويلة عن العطري ذي الرائحة العطرية، وأيضاً عن العاشوري و البياضي”.
لم تمر المحاصيل التي قطفت قبل أوانها بمراحل اعتادها المزارعون، لأن ثمار معظمها كانت غير ناضجة، ولا حاجة لفرزها، يقول قبلان : بيع الفستق بعنقوده وبسعر واحد، فلا أنواع ولا ألوان ولا أحجام ميزت النوع عن الآخر، وهنا كانت الخسارة في الوزن لأن اللب لم يكتمل”.
يشرح من تحدثنا إليهم من المزارعين مراحل قطاف اعتادوا عليها سابقاً، فعندما يصبح الفستق ناضجاً وجاهزاً للقطاف تفصل الحبات عن العنقود من خلال ضربه بخفة بعد أن توضع على القلع، وهو بساط أو قطعة قماش واسعة تفرش حول جذع الشجرة، بينما تبقى الحبات غير الناضجة عالقة بالعنقود، ثم تفرز وتوضع في صناديق خاصة، عادةً ما تتولى النساء هذه المهمة لأنها تتطلب دقة أكثر من الجهد.
وبعد أن تبقى الحبات (العجرة) عالقة بالعنقود تفرد على القلع وتضرب بعصا خشبية من قبل الشبان في الورشة، أو يطلب من سائق السيارة المشي عليه عدة مرات لفرطها، ثم تعبأ في صناديق أخرى.
وعن جودة ثمار الفستق العجر، يقول المهندس الزراعي أسامة العبد الله، صاحب صيدلية زراعية في مدينة مورك، إنها تكون أقل وزناً وجودة، وتفقد جزءاً من قيمتها الغذائية والتسويقية، إذ تباع حاليّاً بأسعار أقل بنحو 35 بالمئة عن أسعار الثمار الناضجة، وهو ما يمثل خسارة اقتصادية للمزارعين.
ويضيف العبد الله أن وراء انخفاض إنتاج الموسم الحالي عدة عوامل، أبرزها تأثير الجفاف خلال الموسم الماضي، وضعف الإمكانات المادية للمزارعين بعد عودتهم إلى أراضيهم، والأضرار التي لحقت بالبساتين نتيجة قطع الأشجار وإحراقها خلال سنوات الحرب، فضلاً عن انتشار الآفات وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج.
ويؤكد أن الحد من ظاهرة القطاف المبكر يتطلب تعزيز التوعية بمواعيد القطاف المناسبة، وتأمين حماية أفضل للبساتين، وتنظيم عملية تسويق المحصول بما يضمن أسعاراً عادلة تشجع المزارعين على انتظار اكتمال النضج.
و كمحاولة لحماية المحاصيل يعتمد مزارعون آخرون على استئجار نواطير لحراسة أراضيهم خلال موسم القطاف، في ظل غياب دوريات أمنية، يقول أحمد هواش، ناطور في أحد بساتين الفستق الحلبي في مدينة مورك، إنه يتولى رفقة أربعة شبان آخرين حراسة عدد من الحقول على الأطراف الغربية للمدينة، ويراقبون الدراجات النارية والسيارات العابرة ، ويتدخلون عند الاشتباه بأي محاولة سرقة.
يضيف أنهم يعتمدون على التصفير عند رصد أضواء أو حركة مريبة داخل البساتين، ويطلق أحدهم صفيراً ليتجمع بقية الحراس في الموقع ويبدؤون بتمشيط المكان. مشيراً إلى أنهم رصدوا بالفعل محاولات سرقة في محيط المنطقة التي يحرسونها، إضافةَ إلى سماع أصوات إطلاق نار خلال ساعات الليل، في حين لم تُسجل حوادث مماثلة خلال النهار.
وبحسب هواش فإن وسائل الحماية أثناء الحراسة محدودة، إذ يعتمد أثناء عمله على عصا، بينما يحمل الآخرون أسلحة. لافتاً إلى أن هذه الإمكانات لا تبدد مخاوف الحراس والمزارعين من تعرض البساتين لعمليات سرقة خلال الموسم. رغم ذلك، لم تعد المخاوف مثل السابق حين كان نظام الأسد يمنع المعارضين أو أقاربهم من الوصول إلى مصادر رزقهم ويستثمر فيها من خلال المزادات ويطلق يد الميليشيات وأصحاب النفوذ لقطاف المحاصيل تحت أعين الجميع دون رادع.
يجمع من تحدثنا إليهم من المزارعين أن تعيين ناطور للبستان لم يكن خياراً متاحاً للجميع، إذ أن أجرة الناطور تتراوح بين 300 و 400 دولاراً، إضافة إلى المخاطر الأمنية التي قد يتعرض لها في مواجهة اللصوص، مطالبين بتكثيف الدوريات الأمنية لحماية جميع البساتين كأحد الحلول الحالية.
القطاف المبكر لموسم الفستق الحلبي لم يكن بسبب السرقات فحسب، وفق التاجر توفيق القاسم (أبو نورس)، الذي يعمل في تجارة الفستق منذ أكثر من ثلاثين عاماً، يقول إن رغبة بعض المزارعين في إراحة الأشجار هذا العام بعد سنوات طويلة من الإهمال وضعف الإنتاج لعبت دوراً في ذلك.
يكمل مميزاً بين أنواع الثمار المرغوبة في السوق، بقوله “حبات الفستق الأخضر المقطوفة مبكراً تحظى بطلب مرتفع في صناعة الحلويات والبوظة، وقد تراوح سعر الكيلوغرام هذا الموسم بين أربعة دولارات وأربعة ونصف دولار للكيلو غرام الواحد، في حين يزيد سعر الكيلو غرام الناضج عن تسعة دولارات، حسب نوعه، بينما تراوح سعر كيلو لب الفستق بين 37 و 40 دولاراً”.
ورغم أن السوق شهد حركة بيع جيدة بسبب غياب مخزون الموسم الماضي، إلا أن الفستق المستورد يبقى العامل الأكثر تأثيراً في تحديد أسعار الفستق المحلي وحجم التصدير إلى الأسواق الخارجية، وفق أبو نورس.
ومع بدء موسم القطاف يقصد تجار الفستق الحلبي السوق لتصديره أو بيع قلبه إلى محال الحلويات والبوظة العربية، وذلك بعد تقشيره آلياً ثم تيبيسه على الأسطح وتكسيره في المعامل وبيعه بسعر جيد. ويعتبر أبو نورس أن هذه العملية مربحة للتاجر لأن سعر الكيلو غرام الواحد من قلب الفستق يصل إلى نحو 40 دولاراً.
أما في فترة نضوج المحصول فإن السوق يشهد إقبالاً من بائعي الفستق الحلبي على البسطات في الأسواق وعلى الطريق الدولي ومن أرباب المنازل وأصحاب محال المكسرات إضافة إلى التجار الكبار. يقول “هذا الإقبال يفتح باب المنافسة على السعر ويزيد من فرصة بيع المحصول”.
ويرى مدير مكتب الفستق الحلبي، المهندس عادل هواش، أن عودة المزارعين إلى أراضيهم بعد سنوات التهجير أسهمت في تحسين الحالة الصحية للأشجار، بعد توقفها لسنوات خلال الحرب، ما انعكس على ارتفاع الإنتاج وتحسن جودة الثمار مقارنة بالموسم الماضي.
ويؤكد هواش أن القطاف المبكر قد يكون مفيداً من الناحية الزراعية في بعض الحالات، إذ يساعد على الحفاظ على حيوية الأشجار وزيادة فرص ثبات البراعم الثمرية للموسم المقبل، كما أن الثمار الخضراء المقطوفة مبكرًا تتميز بلون أخضر ونكهة يفضلها صناع الحلويات، لذلك تحقق سعراً أعلى عند استخدامها لهذا الغرض.
وفي إطار دعم المزارعين، يوضح هواش أن مديرية مكتب الفستق الحلبي تنفذ برنامجاً مستمراً للإرشاد الزراعي يشمل الجولات الميدانية، وتشخيص الآفات والأمراض، وتقديم الإرشادات الفنية للمزارعين، وتنظيم الندوات، ونشر برامج الإدارة المتكاملة لشجرة الفستق الحلبي، إلى جانب التعاون مع المنظمات العاملة في قطاع الأمن الغذائي.
ويشير أيضاً إلى أن وزارة الزراعة وقعت مذكرة تفاهم مع إحدى الشركات السعودية لدعم قطاع الفستق الحلبي، خاصة في مجالات التقنيات الحديثة وإنتاج الغراس المقاومة. وبحسب هواش، لا تزال فرق الإحصاء التابعة لوزارة الزراعة تعمل على إعداد التقديرات النهائية للإنتاج، إلا أن المؤشرات الأولية تشير إلى أن الموسم الحالي سيكون أفضل من الموسم السابق من حيث الكمية والجودة.
وقد بلغ إنتاج سوريا من الفستق الحلبي خلال موسم 2025 نحو 41 طنًّا، بمتوسط إنتاج 0.84 طن للهكتار. ورغم التحسن الحالي، ما تزال آثار الجفاف الذي شهدته البلاد خلال العام الماضي تنعكس على إنتاج هذا الموسم، بسبب تأثر تكوين البراعم الثمرية قبل موسم الإثمار، وهو ما يفسر بقاء الإنتاج دون المستويات المأمولة.
وخلال سنوات الحرب، تضررت مساحات من بساتين الفستق الحلبي نتيجة القطع والحرق، وفق تقديرات مكتب الفستق الحلبي للموسم الحالي، تبلغ المساحة المزروعة بالفستق الحلبي في مناطق الإنتاج نحو 67,864 هكتاراً، تضم قرابة 10،5 مليون شجرة، منها نحو 8 مليون شجرة مثمرة. إذ تستحوذ محافظة حماة على نحو 27,374 هكتاراً من إجمالي المساحات المزروعة، وتضم قرابة 4.310 مليون شجرة، منها نحو 3.682 مليون شجرة مثمرة.
وبحسب البيانات، بلغت المساحات المتضررة بالقطع والحرق خلال عهد نظام الأسد نحو أكثر من 6 هكتاراً من إجمالي المساحات المزروعة، أي ما يعادل نحو 9.1 بالمئة من المساحة الكلية. وتوزعت الأضرار بين 3,623 هكتاراً في حماة، و 2,046 هكتاراً في إدلب، و 531 هكتاراً في حلب، وكانت حماة الأكثر تضرراً، إذ بلغت المساحات المتضررة فيها نحو 13.2 بالمئة من إجمالي المساحة المزروعة في المحافظة.
ويعود هذا التراجع إلى ما تعرضت له البساتين خلال سنوات الحرب من قطع وحرقٍ للأشجار، وتهجيرٍ للمزارعين، وإهمالٍ طويل لأعمال الخدمة الزراعية، إلى جانب انتشار الآفات والأمراض النباتية وتأثيرات الجفاف، ما أدى إلى خروج مساحات واسعة من الإنتاج وتراجع القدرة الإنتاجية لهذا المحصول.
وهذا العام دفع تعديل مواعيد القطاف وتحمل خسائر اقتصادية بسبب القطاف المبكر كثيراً من المزارعين إلى المطالبة بتعزيز الحماية الأمنية للأراضي الزراعية لا سيما في موسم القطاف إلى جانب استمرار الدعم الفني وتنظيم تسويق المحصول لضمان إنتاجية أفضل لهم.
