فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

دركوش تستعيد زوارها بعد سنوات من الغياب

رهام اليونس

وفرة الأمطار وعودة تدفق مياه العاصي أنعشتا الحركة السياحية في دركوش هذا الصيف، وجذبتا زواراً من مختلف المحافظات السورية. غير أن توفير الخدمات في المنطقة يبقى التحدي الأبرز

في ساعات الصباح الأولى، انطلقت أم محمد زريق رفقة زوجها وأبنائها، من مدينة حلب نحو ريف إدلب الغربي، وتحديدًا إلى بلدة دركوش التابعة لمنطقة جسر الشغور. لم تكن الرحلة مجرد نزهة صيفية، بل عودة إلى مكان غابت عنه خمسة عشر عاماً، بعدما حالت الظروف الأمنية وإغلاق الطرق دون زيارته.

تقول أم محمد، التي جاءت رفقة سبعة من أفراد عائلتها: “ما شجعني على الزيارة هذا العام هو الصور ومقاطع الفيديو التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أظهرت غزارة الأمطار، وعودة جريان الأنهار، وتدفق الشلالات، والطبيعة الخضراء التي استعادت رونقها”.

استأجرت العائلة مسبقاً استراحة تضم مسبحاً وغرفاً ومرافق للجلوس مقابل 50 دولاراً عن كل ليلة، قبل أن تتجه إلى نبعة عين الزرقاء، إحدى أبرز الوجهات الطبيعية في المنطقة، حيث أمضى الأطفال ساعات بين السباحة والتنزه، فيما انشغل الكبار بتوثيق المشاهد التي طالما شاهدوها عبر الشاشات فقط.

لم تعد دركوش هذا الصيف وجهة لسكان المنطقة فحسب، بل تحولت إلى محطة تستقطب زواراً من مختلف المحافظات السورية. فمنذ بداية الموسم، حملت الطرق المؤدية إلى البلدة وجوهاً جديدة جاءت لاكتشاف المكان للمرة الأولى، وأخرى عادت إليه بعد سنوات من الانقطاع، في مشهد يعكس عودة تدريجية للسياحة الداخلية، بعدما شهد هذا الموسم وفرة الأمطار التي أنعشت الطبيعة، وانفتاح الطرق الذي أعاد وصل مناطق سورية ببعضها البعض بعد سنوات من العزلة.

يبعد نبع عين الزرقاء وشلالاته الطبيعية، بضعة كيلومترات شرقي بلدة دركوش، وهي من أبرز المعالم الطبيعية في المنطقة. وتصب مياه النبع مباشرة في نهر العاصي، مسهمةً في تغذية مجراه وريّ الأراضي الزراعية المحيطة، كما تُشكّل الشلالات المتفرعة عنه مقصدًا للسياحة الداخلية، لما تتميز به من جمال طبيعي وغزارة في تدفق المياه على مدار معظم أشهر السنة.

أسهمت الهطولات المطرية الغزيرة التي شهدتها المنطقة خلال الموسم المطري الماضي بارتفاع منسوب نهر العاصي واستعادة تدفق شلالات عين الزرقاء، بعد فترة من تراجع غزارة المياه، مما أعاد إلى المنطقة جانبًا من حيويتها الطبيعية. ووفق بيانات الموسم المطري، بلغ الهطل التراكمي في دركوش نحو 434 ملم، وهو من أعلى المعدلات المسجلة في شمال غربي سوريا، الأمر الذي انعكس على وفرة المياه وتحسن المشهد الطبيعي، وأسهم في تنشيط الحركة السياحية وزيادة الإقبال على المنطقة خلال فصل الصيف.

نبع عين الزرقاء في مدينة دركوش بريف إدلب الغربي
نبع عين الزرقاء في مدينة دركوش بريف إدلب الغربي

ولم يقتصر الإقبال على أبناء المحافظات القريبة مثل حلب، بل استقطبت دركوش زوارًا من مختلف المحافظات السورية. ومن بين هؤلاء كانت دانيا العطية، الموظفة في إحدى المؤسسات الحكومية والمنحدرة من محافظة الرقة، التي اختارت زيارة المنطقة في شهر نيسان الماضي رفقة مجموعة من أصدقائها. تقول: “كانت زيارتي الأولى إلى دركوش وقد أبهرتني الطبيعة الخضراء والهواء النقي ورائحة زهر الليمون التي مازالت عالقة في أنفاسي”.

تخبرنا أنها تنقلت بين عدد من المعالم الطبيعية والأثرية، فزارت نبع عين الزرقاء وعيون عارة وحمام السوق الأثري، إلّا ان الرحلة لم تخلُ من الصعوبات. توضح: “اضطررنا إلى القدوم بسيارة خاصة، لعدم توفر وسائل نقل عامة تربط الرقة بدركوش، كما واجهنا صعوبة في الوصول بسبب غياب اللوحات الإرشادية، إضافة إلى ضيق الطرق وكثرة الحفر والمطبات، فضلاً عن نقص الحمامات العامة والإنارة، وهي خدمات هامة يحتاجها أيّ موقع سياحيّ يستقبل زواراً من خارج المنطقة”.

أما الطبيب البيطري محمد العريان، القادم من مدينة حماة بعد اثنتي عشرة سنة من الغربة في السعودية، فقد كانت رحلته تحمل بُعداً عاطفياً إلى جانب كونها رحلة ترفيهية. يقول: “عدت إلى سوريا قبل فترة قصيرة، وأردت أن أتعرف إلى الأماكن السياحية رفقة عائلتي وأقاربي. كانت دركوش أولى المحطات التي اخترناها”.

يضيف مبتسماً: “الازدحام كان كبيراً لدرجة أننا لم نجد طاولة شاغرة في أكثر من مطعم، فاشترينا الطعام وتناولناه على ضفة نهر العاصي”. هذا الازدحام يعكس حجم الإقبال على المنطقة، لكنه وفقاً للعريان، يكشف أيضاً الحاجة إلى توسعة الخدمات السياحية.

ولا تقتصر جاذبية دركوش على طبيعتها فحسب، بل تجمع بين الإرث التاريخي والمشهد الطبيعي. فعلى امتداد ضفتي العاصي تنتشر بساتين الرمان والحمضيات والزيتون، فيما تحتفظ البلدة بمعالم أثرية تعود إلى العصور الرومانية والإسلامية، من بينها حمام السوق القديم، والطاحونة التاريخية، والنواعير، والجسور الحجرية، إلى جانب المغاور المنتشرة في سفوح الجبال، ما يمنح الزائر تجربة تجمع بين الطبيعة والتاريخ في آن واحد.

انعكست الحركة السياحية النشطة بصورة مباشرة على النشاط الاقتصادي في البلدة، إذ امتلأت المطاعم والمسابح والمنتزهات بالزوار، فيما وجد عشرات السكان فرص عمل خلال أشهر الصيف. يخبرنا غالب الخالد، صاحب مطعم بوابة دركوش أنّ الموسم الحاليّ من أنشط المواسم التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. يقول: “اضطررت هذا العام إلى زيادة عدد العاملين في المطعم، تلبية للاحتياجات والطلبات المتزايدة، فقد عملت على فتح أقسام إضافية وزيادة عدد الكراسي والطاولات”. يشرح كيف أن هذا العام شهد إقبالاً أكبر من المواسم السابقة بنسبة سبعين بالمائة تقريباً.

سد دركوش في مدينة دركوش بريف إدلب الغربي
سد دركوش في مدينة دركوش بريف إدلب الغربي

تنتشر المطاعم والمقاهي والمسابح والاستراحات على ضفتي النهر، إلى جانب الخيام والمصاطب التي توفر خياراً أقل تكلفة للعائلات، إذ يمكن استئجار إحداها مقابل نحو 200 ليرة تركية (أربعة دولارات ونصف الدولار) تقريباً، ما يجعل المنطقة وجهة مناسبة لمحدودي الدخل أيضاً بحسب زائرين التقيناهم.

كما تحول جانبي الطرق إلى مصدر رزق لعشرات الأسر، إذ تنتشر أفران التنور التي تديرها نساء من البلدة أو القرى المجاورة، وتبيع الفطائر والخبز الطازج الذي أصبح جزءاً من تجربة الزائر في دركوش. 

تقول أم زياد الآغا، صاحبة تنور لبيع الفطائر على الطريق الواصل بين دركوش والعين الزرقاء: “كان زبائننا في السنوات الماضية من سكان المنطقة فقط، منهم المقيمون أو المهجرون، أما هذا العام فمعظم الزبائن من العائلات القادمة من خارج إدلب”. تلاحظ أم زياد ازدحاماً كبيراً منذ الصباح وحتى المساء، خاصة في عطلات نهاية الأسبوع، وهذا انعكس إيجاباً على دخلها ودخل كثير من الأسر التي تعمل في الموسم السياحي.

ولا يقتصر الانتعاش على أصحاب المطاعم والمنشآت السياحية والأسواق، بل يشمل الباعة الجوالين أيضاً. سمير أبو محمد، أحد الباعة الموسميين، يجوب ضفاف النهر بدراجته النارية التي تساعده على السير في الطرقات الضيقة، حاملاً الألعاب وبالونات الأطفال وأدوات السباحة. يقول أبو محمد: “أحب هذا العمل لأنه يرسم البهجة على وجوه الأطفال”، ويؤكد أن هذا الموسم مختلف عن المواسم السابقة، فقد تضاعف عدد الزوار من محافظات مختلفة منها دمشق وحلب وحمص ومحافظات أخرى، وهو ما انعكس على حركة البيع بشكل واضح.

ومع تزايد أعداد الزوار، شهدت مرافق الإقامة والاستجمام في دركوش حركة نشطة أيضاً، وقد انعكست على معدلات الإشغال وأسعار الاستئجار. يقول أبو عبدو، صاحب مسبح الورد في دركوش، إن أسعار استئجار المسابح تتراوح بين 50 و100 دولار لليوم الواحد، وترتفع خلال عطلات نهاية الأسبوع لتصل إلى 125 دولارًا، وتختلف بحسب الخدمات المقدمة والموقع والمساحة.

يضيف أن معظم المنشآت أصبحت توفر خدمات متكاملة تشمل المسابح وغرف المبيت وأماكن الجلوس والإنترنت، بينما تقدم بعض المنتجعات خدمات فندقية متكاملة، في محاولة لمواكبة الطلب المتزايد والتطور المستمر.

أما المطاعم المنتشرة على ضفاف نهر العاصي، فتسعى بدورها إلى تلبية مختلف الأذواق. يقول غالب الخالد صاحب مطعم بوابة دركوش: “نحرص على تقديم أصناف متنوعة من المأكولات الشرقية والغربية وأصناف السمك الطازجة لتناسب أذواق الزوار القادمين من مختلف المحافظات”. لكنه يعتبر أن هذا الانتعاش لا يخفي حاجة المنطقة إلى مزيد من الاهتمام بالخدمات العامة.

ورغم الإقبال المتزايد الذي تشهده دركوش خلال الموسم السياحي الحالي، ما تزال المنطقة تواجه تحديات خدمية يرى الزوار أن معالجتها ضرورية للحفاظ على جاذبيتها السياحية وتعزيز تجربة الزائر. يقول نافع التوتنجي وهو موظف متقاعد قدم من محافظة حلب: “الطبيعة هنا لا تقل جمالاً عن أشهر الوجهات السياحية، لكن سوء الطرق وغياب اللوحات الإرشادية وقلة النظافة، تحتاج إلى معالجة”.

نهر العاصي في مدينة دركوش بريف إدلب الغربي
نهر العاصي في مدينة دركوش بريف إدلب الغربي

يلفت التوتنجي لأن بعض الزوار يتركون مخلفاتهم على ضفاف النهر أو يلقونها في المياه، في ظل نقص واضح بحاويات القمامة. ويدعو إلى تعزيز الوعي البيئي للحفاظ على المكان الذي يقصده آلاف المصطافين كل عام.

وفي تصريح لفوكس حلب، يؤكد مدير السياحة في إدلب، نايف أحمد القدور، أنّ المؤشرات الميدانية التي رصدتها مديرية السياحة، تشير إلى ارتفاع ملحوظ في أعداد الزوار القادمين من مختلف المحافظات السورية إلى دركوش والعين الزرقاء مقارنة بالمواسم السابقة، ولا سيما خلال عطلات نهاية الأسبوع والأعياد.

ويربط القدور هذا الإقبال بتحسن مستوى الخدمات السياحية إلى جانب المقومات الطبيعية، مشيراً إلى أن المديرية نفذت جولات رقابية على المنشآت السياحية للتأكد من الالتزام بمعايير النظافة والسلامة وجودة الخدمات، مع توجيه عدد من الملاحظات لتحسين الأداء.

ويضيف أن المديرية تعمل، بالتنسيق مع الجهات المعنية، على تطوير البنية التحتية السياحية، وتشجيع الاستثمار في المنشآت السياحية، وتحسين اللوحات الإرشادية والطرق المؤدية إلى المواقع السياحية، بما يتناسب مع تزايد أعداد الزوار، مع التأكيد على توفير وسائل السلامة، ولا سيما في المسابح والأماكن المخصصة للعائلات والأطفال.

ويرى أن من أبرز التحديات التي تواجه القطاع السياحي حالياً الحاجة إلى مزيد من الاستثمارات في البنية التحتية، ورفع مستوى الخدمات، إلى جانب تعزيز ثقافة الحفاظ على النظافة والبيئة لضمان استدامة المقومات الطبيعية التي تتميز بها المنطقة.

يجمع من قابلناهم من زوار وأصحاب منشآت سياحية على أن وفرة المياه هذا الموسم أعادت النشاط إلى دركوش، وأسهمت في زيادة الإقبال على المنطقة، إلا أن تطوير الخدمات والمرافق العامة يبقى مطلبًا مشتركًا لضمان استدامة هذا النشاط.