فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

ديربي حلب.. صافرة البداية انطلقت بعيداً عن الاستاد

محمد دعبول

امتلأت مدرجات الحمدانية بآلاف المشجعين، أضواء كاشفة أنارت مباراة ليلية للمرة الأولى منذ سنوات. لكن خلف أهازيج ديربي حلب، ظهرت قصة أكبر من لعبة كرة القدم، قصة مدينة تحاول استعادة حياتها الرياضية وسط منشآت ما تزال تنتظر إعادة التأهيل، وفي مقدمتها استاد حلب الدولي الغائب عن المشهد

أرضية خضراء أعيد تأهيلها خلال الأشهر الماضية، إنارة أعادت الضوء إلى المباريات المسائية بعد غياب طويل، مدرجاتٌ امتلأت بالجماهير حتى بدت المقاعد غير قادرة على استيعاب المزيد من الحضور، هكذا ظهر ملعب الحمدانية في حلب بحلة جديدة منذ أيام.

مساء الأحد، وقبل وقت طويل من صافرة البداية، كانت الطرق المؤدية إلى ملعب الحمدانية تغص بسيارات المشجعين. في موعد انطلاق الديربي الذي جمع بين ناديي الحرية وأهلي حلب، لم يكن المشهد مواجهة كروية على ثلاث نقاط، بل كان فرصة لاستعادة جزء من حياة رياضية افتقدتها المدينة.

 تدفق المشجعون من مختلف أحياء حلب واحتلوا المدرجات، كانت أحاديث الحماس والتشجيع تطغى على المشهد، رغم تأخر انطلاق المباراة سبع عشرة دقيقة، لم يقل حماس الجمهور، بل كانت المدرجات قد بدأت عرضها الخاص قبل صافرة البداية.

عند وصولي إلى محيط الملعب، كانت إجراءات الدخول أكثر تعقيداً من المعتاد، نحو أربعين دقيقة أمضيتها محاولاً الوصول إلى المدرجات للتغطية الصحفية من جهة و مشاهدة المباراة من جهة أخرى، إلا أن التصريح الرسمي من الشؤون الصحفية للتغطية الصحفية وبطاقة العمل ورسائل التنسيق المسبقة مع الجهات المعنية لم تكن كافية لتسهيل المهمة والسماح بالدخول في وقت أقل وسط التدفق الكبير للجماهير وتشديد الإجراءات الأمنية.

وما إن تجاوزت البوابات حتى بدا المشهد مختلفاً تماماً، الأعلام ترتفع في الهواء، والطبول تتعالى إيقاعاتها، ورابطتا المشجعين على جانبي الملعب تتبادل الأهازيج والهتافات، احتفال جماهيري كبير، أنساني هذا المشهد ما واجهني من تعقيد قبل الدخول.  

في إحدى زوايا المدرج جلس علي إسماعيل، رفقة أطفاله يتابع المباراة بعينٍ، ويروي لأبنائه ذكريات الكرة الحلبية بعينه الأخرى. قال وهو ينظر إلى المدرجات المكتظة: “منذ سنوات طويلة لم نعش مثل هذه الأجواء، أشعر اليوم أنني أستعيد جزءاً من حياتي مع أولادي، هذه المباراة ستبقى في الذاكرة”، متمنياً أن تعود المباريات إلى استاد حلب الدولي.

وعلى الجهة المقابلة، يقود محمد عيسى، أبو عبدو، رابطة مشجعي الحرية، يقف على درجات المدرج مردداً الأهازيج التي يحفظها عن ظهر قلب، وآلاف الحناجر خلفه تردد ما يقول. بين هتاف وآخر، يستعيد أبو عبدو ذكريات شبابه. يقول: “في المرحلة الثانوية، كنت أهرب من المدرسة لأحضر مباراةً للحرية مع أصدقائي، كنا نعيش للمباريات وننتظرها من أسبوع إلى آخر”. يفكّر قليلاً كأنه يرى يستعيد تلك الأيام أمامه، يتنهد ثم يقول: “الرياضة جزء من هوية حلب، واليوم أشعر بسعادة كبيرة وأنا أرى الجماهير تعود إلى المدرجات من جديد”.

داخل المستطيل الأخضر، لم تكن المباراة أقل حماساً من المدرجات، تبادل الفريقان المحاولات، ونجح الاتحاد في استثمار إحدى الفرص والخروج بالنقاط الثلاث، وبدت النتيجة تفصيلاً صغراً أمام المشهد الأكبر الذي كان يدور في المدرجات، خالد الظاهر، مشرف فريق الرجال في نادي الحرية، رأى أن فريقه قدم مباراة جيدة رغم الخسارة، والروح الرياضية التي تحلى بها جمهور الفريقين كانت من أبرز إيجابيات الديربي، وكذلك الجاهزية المميزة للملعب.

يقول “كرة القدم تعتمد على استثمار الأخطاء، وقد نجح المنافس في استغلال أحد الأخطاء ليحسم المباراة” مهنئاً فريق الأهلي الذي انتزع الفوز في الدوري، شاكراً لاعبيه على أدائهم المشرف حسب وصفه. يضيف “وصلنا إلى مرمى المنافس أكثر من مرة، وأضعنا فرصاً محققة للتسجيل”. واصفاً المباراة بأنها متكاملة من حيث التنظيم والأداء والأجواء الجماهيرية والمحبة التي جمعت بين الجارين الحلبيين.

بعدما أعلنت صافرة الحكم نهاية المباراة، بدا واضحاً أن ما حدث في ملعب الحمدانية تجاوز حدود مباراة كرة قدم بين فريقين أحدهما فاز والآخر خسر، فالنتيجة كانت أبعد من ذلك وهي أن المدرجات الحلبية عادت إلى الحياة من جديد.

حرمت سنوات الحرب الطويلة مدينة حلب من الرياضة، ومع عودتها اليوم اصطدمت بواقع صعب ومنشآت مدمرة لا تلبي احتياجات وتطلّعات الأندية والجمهور. عددٌ قليل منها أعيد تأهيله من بينها ملعب الحمدانية، المعروف بين الجماهير حلب باسم ملعب الصين، يصفه أحد المشجعين أنه أصبح من أجمل الملاعب في سوريا بعد تأهيله.

مصطفى طالب، مدير المكتب الإعلامي في مديرية الرياضة بحلب، قال إن ملعب الحمدانية خضع لأعمال تأهيل استمرت نحو أربعة أشهر، شملت تطوير أرضية اللعب وأنظمة الري وتجهيز الملعب لاستضافة المباريات المسائية.

ورغم أن السعة الرسمية للملعب تبلغ نحو 15 ألف متفرج، فإن التقديرات أشارت إلى حضورٍ تجاوز هذا الرقم بكثير، فيما بقي عدد من المشجعين خارج أسوار الملعب بعد امتلاء المدرجات بالكامل، يقول من قابلناهم من الحضور: إن عيون جماهير حلب اليوم تتطلع إلى استاد حلب الدولي، الذي تحول إلى منشأة مهجورة، نتيجة تعرضه لأضرار واسعة أدت إلى خروجه عن الخدمة، بعدما كان يتسع لنحو 75 ألف متفرج، ويتألف من ثلاثة طوابق ويعد رابع أكبر ملعب في الوطن العربي.

بأرضية عشبية باهتة ومدرجات خالية ظهر استاد حلب الدولي اليوم وغابت كرة القدم عن ملاعبه ويحتاج إعادة تأهيل لاستعادة دوره التاريخي في احتضان أكبر الفعاليات الرياضية في المدينة. إذ تركت الأندية أمام خيارات محدودة للتدريب أو خوض المباريات الرسمية، وجعلت فرحة الجماهير منقوصة، وهم يرون الحال التي آل إليها استاد حلب الدولي بعدما كان من أبرز الملاعب العربية والآسيوية. 

“حلب عاصمة الرياضة السورية” هكذا يراها رئيس رابطة مشجعي نادي أهلي حلب، أبو عباية الله، يقول إنها احتضنت أندية عريقة صنعت تاريخاً رياضياً حافلاً على مدار عقود طويلة في مقدمتها نادي أهلي حلب، الذي تأسس في 1949، وعرف لاحقاً باسم الاتحاد، ليعود اسم أهلي حلب مجدداً.

ابتلع أبو عباية ريقه، وغابت ملامح الفرحة عن وجهه، مكرراً عبارة “يا حسرة على الاستاد” متلفتاً برأسه يمنة ويسرى معبراً عن أسفه وحزنه. يضيف “افتتاح استاد حلب رسمياً كان حدثاً عظيماً وأصبح أحد أكبر الصروح الرياضية في سوريا، استغرقت أعمال إنشائه نحو ثلاثين عاماً بدأت 1978 وانتهت بـ 2007″، يتذكر أول مباراة استضافها الاستاد في الدوري السوري بهذا التوقيت وكانت بين ناديي أهلي حلب والكرامة.

يوجد في حلب نحو 25 فريقاً من مختلف الفئات، يصطدمون بعدد محدود من الملاعب المتاحة، ما يزيد الضغط على المنشآت التي ما تزال تعمل. وحصد نادي أهلي حلب عشرات الألقاب في الألعاب الجماعية والفردية، وأصبح أحد أكثر الأندية السورية تتويجاً بالألقاب، إذ توج سبع مرات في بطولة الدوري السوري لكرة القدم ، وتسع مرات في كأس الجمهورية.

ويعدّ نادي الحرية الرياضي، الذي تأسس عام 1952 تحت اسم العربي قبل أن يأخذ اسمه الحالي، أحد أبرز الأندية الحلبية التي ساهمت في إثراء الرياضة السورية في كرة القدم.

وفي كرة السلة يبرز اسم نادي الجلاء الرياضي، الذي تأسس عام 1949 وحمل سابقاً اسم ،الشبيبة الكاثوليكية، محققاً العديد من بطولات الدوري وكأس الجمهورية، ليصبح أحد أبرز أندية السلة السورية عبر التاريخ، إضافة إلى حضوره في كرة القدم، حيث صعد إلى منافسات الدرجة الثانية خلال فترات مختلفة.

تغير أسماء الأندية عبر السنين طال أكثر من نادي، يتذكر أبو عباية الله نادي اليرموك أحد أقدم الأندية التاريخية في المدينة، يقول إنه تأسس عام 1925 وحمل اسم، الهومنتمن، قبل أن يتحول لاحقاً إلى اليرموك.

عودة المباريات اليوم إلى مدرجات ديربي حلب، أشبه بعودة الروح إلى الألعاب الرياضية، حسب وصف أبو عباية الله، والتي أُقيمت تحت الأضواء الكاشفة لأول مرة منذ نحو 15 عاماً. معتبراً أن عودة المباريات الليلية إلى ملاعب المدينة تمثل مؤشراً إيجابياً على عودة النشاط الرياضي، بما فيها الملاعب التي أعيد تأهيلها. 

يقول متفائلاً إن إعادة تأهيل المنشآت الرياضية الكبرى، ستعيد للمدينة جزءاً من بريقها الرياضي الذي عُرفت به لعقود طويلة. يخبرنا أن هذا التفاؤل الذي يشعر به سبب وعود بإعادة تأهيل الصالة الرياضية خلال الفترة المقبلة. لم تقتصر الأضرار على استاد حلب الدولي، بل طالت أيضاً الصالة الرياضية الكبرى في المدينة، والتي كانت تمثل مصدر فخر للرياضيين والجماهير الحلبية، خاصة عشاق كرة السلة.

لم تستطع مباريات كأس العالم 2026 أن تحجب شغف السوريين بمباريات كرة القدم المحلية التي توقفت لسنوات، ولا فرحهم بعودة الجماهير والتشجيع إلى مدرجاتها، لكنهم في الوقت ذاته ينتظرون عودة الحياة إلى منشآتها الرياضية وإعادة تأهيلها.