في إحدى خيام مخيم جبرين شرقي حلب، كان تميم، ذو الأشهر الستة، ممددًا فوق فراش إسفنجي رقيق قرب جدار من القماش المهترئ، بينما كانت جدته تحاول تهدئته بعبوة رضاعة صغيرة تحتوي على “الغلوة”، وهو خليط شعبي من النشاء والماء الدافئ اعتادت بعض العائلات تقديمه للرضع. لم يكن الصغير يبكي بصوت مرتفع كما يفعل الأطفال عادة، بل كان يطلق أنينًا متقطعًا، فيما بدا وجهه مستديرًا ومنتفخًا بشكل لا يتناسب مع عمره وجسمه، وانتفخت قدماه حتى كادت أصابعه تختفي تقريبًا.
لم يكن في المشهد ما يثير قلق جدته. “ربّينا ولادنا كلهم هيك، الغلوة بتشبع الطفل وبتريّح معدته”، تقول وهي تراقب فريق المسح التغذوي الذي جاء إلى المخيم لفحص الأطفال. لكن ما رأته الجدة طفلًا ممتلئًا وهادئًا، رأته آلاء عثمان، أخصائية التغذية العاملة ضمن فرق المسح التغذوي، حالة متقدمة من الوذمة الناتجة عن سوء التغذية الحاد. لم تكن آلاء بحاجة إلى إجراء اختبار الوذمة المعتاد بالضغط على ظهر القدم للتحقق من وجود احتباس السوائل، فالتورم كان واضحًا إلى درجة لا تترك مجالًا للشك.
نُقل تميم إلى قسم التغذية العلاجية SC، وهناك شخّص الأطباء حالته على أنها كواشيوركور، وهو أحد أخطر أشكال سوء التغذية الحاد لدى الأطفال. كانت الوذمة قد شملت معظم أنحاء جسده، ورافقتها مضاعفات عدة، بينها الإقياء و الإسهال ونقص سكر الدم وفقدان الشهية. وبعد أيام من العلاج والمراقبة الدقيقة، بدأ جسده يستجيب تدريجيًّا، لكن الأطباء يؤكدون أن تأخر وصوله إلى الرعاية الطبية كان يمكن أن يكلّفه حياته.
قصة تميم تختصر مفارقة باتت تتكرر شمالي سوريا، إذ لم يعد الجوع يظهر دائمًا على هيئة أجساد هزيلة وعظام بارزة كما ترسخت صورته في أذهان الناس. ففي عيادات التغذية ومستشفيات الأطفال، يصل أطفال بوجوه ممتلئة وخدود بارزة وأطراف منتفخة، فيبدو بعضهم أكثر صحة من أقرانهم النحيلين. غير أن هذا الامتلاء الظاهر قد يكون في الحقيقة علامة على أحد أخطر أشكال سوء التغذية.
في قاعة الانتظار في مستشفى الأطفال بمدينة حلب، كانت سلافة، تضم طفلها الرضيع إلى صدرها بثقة. نظرت حولها إلى الأمهات اللواتي يحملن أطفالًا بدت عليهم علامات النحول الشديد، ثم أعادت النظر إلى طفلها ذي الخدين الممتلئين والوجه الدائري. لم يخطر ببالها أن يكون مريضًا. وعندما طلبت منها عاملة التغذية الدخول مباشرة إلى العيادة للاشتباه بإصابته بالوذمة الناتجة عن سوء التغذية، ابتسمت باستغراب وقالت باللهجة المحلية: “عجعوج متل القمر، ما مبين مريض”.
تقول الطبيبة صفاء كردي، المشرفة على قسم سوء التغذية والوذمات في مستشفى الأطفال بحلب، إن هذه الفكرة هي أكثر ما يصعّب اكتشاف الحالات مبكرًا. وتوضح أن الكواشيوركور لا يظهر دائمًا بشكل الهزال المعروف، بل يؤدي النقص الشديد في البروتين والعناصر الغذائية الأساسية إلى انخفاض مستوى بروتينات الدم، وخاصة الألبومين، فتتسرب السوائل إلى الأنسجة وتحدث الوذمة. عندها ينتفخ الوجه والأطراف وأحيانًا البطن، فيبدو الطفل أكثر امتلاءً مما هو عليه في الواقع.
وتضيف أن ما يسمى “وجه القمر” أحد المظاهر السريرية للوذمة المصاحبة للكواشيوركور. وتكمن خطورة الحالة في أن المظهر الخارجي قد يخفي تدهورًا داخليًا كبيرًا. فالأطفال المصابون قد يعانون من اضطرابات في وظائف الكبد، بالإضافة لزيادة خطر الإصابة بقصور في القلب نتيجة نقص العناصر الغذائية الحيوية، والقصور الكلوي الذي يتسبب بتغيرات في قدرة الكلى على تصفية الدم ومعالجة السوائل، كما يزيد من نسبة الالتهابات الحادة وانهيار جهاز المناعة لدى الطفل، فيصبح عرضة للعدوى البكتيرية والفيروسية القاتلة. وتختلف التأثيرات بين طفل وآخر، فمنهم من يظهر عليه تغيرات في الجلد والشعر.
ورغم أن الكواشيوركور يُعد من الأمراض المعروفة طبيًا منذ عقود، فإن الظروف التي فرضتها سنوات الحرب والفقر جعلت ظهوره أكثر وضوحًا في بعض المناطق. فبحسب تقديرات الأمم المتحدة، يعاني أكثر من طفل من كل خمسة أطفال من التقزّم، وهو تأخر في النمو يحدث نتيجة سوء التغذية المزمن. كما يعاني أكثر من ثلث الأطفال بين عمر ستة أشهر وخمس سنوات من فقر الدم.
وفي السنوات الأولى من العمر، حين تلعب التغذية دورًا حاسمًا في النمو، لا يحصل سوى 11 بالمئة من الأطفال بين ستة أشهر وسنتين على الحد الأدنى المقبول من الغذاء المتوازن، بينما لا يعتمد 44 بالمئة من الرضع دون عمر ستة أشهر على الرضاعة الطبيعية الحصرية، رغم أنها المصدر الغذائي الأساسي الموصى به في هذه المرحلة العمرية.
لم تكن سلافة تعرف أن الطريقة التي تتبعها لتحضير الحليب قد تدفع طفلها نحو سوء التغذية. تقول إنها كانت تخفف الحليب بالماء أو تستبدله بخليط النشاء الملون (العرعروط). وإنها ونساء كثر تعرفهن يتحايلن على واقع اقتصادي لم يعد يسمح لكثير من العائلات بتأمين احتياجات أطفالهم الأساسية. تضيف سلافة ملعقة من الحليب إلى 60 سم من الماء، وهو ربع ما هو مخصص من الحليب، “إذا عملت الجرعة الصحيحة بيخلص الحليب بسرعة، وما عنا قدرة نشتري غيره”، تقول وهي تحاول تبرير ما فعلته.
“كانت حالات الكواشيوركور المصحوبة بالوذمة أقل شيوعًا في السنوات الماضية”، تقول الطبيبة صفاء موضحة أن الوجوه المنتفخة أصبحت مشهدًا متكررًا في عيادات التغذية. ووفق إحصاءات مديرية صحة حلب في مستشفى الأطفال بقاضي عسكر، شكّلت الحالات المصحوبة بالوذمة 32 بالمئة من إجمالي حالات سوء التغذية المسجلة خلال عام 2025، قبل أن ترتفع إلى 50 بالمئة خلال النصف الأول من عام 2026. وتقول إن هذه الزيادة لا تعكس تغيرًا في الشكل الظاهري للحالات فحسب، بل تشير إلى وصول عدد أكبر من الأطفال إلى مراحل أكثر خطورة من سوء التغذية.
لم تعد المشكلة تقتصر على ندرة الطعام، بل تمتد إلى نوعيته. فمع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، بات كثير من الأهالي يبحثون عن أي وسيلة لإسكات جوع أطفالهم، حتى لو كانت تفتقر إلى القيمة الغذائية. وبحسب عاملات في عيادات تغذية تحدثنا إليهنّ، فقد رصدن أن إماهة الحليب (تخفيفه بالماء)، من أكثر الممارسات انتشارًا بين العائلات الفقيرة إلى جانب استبدال الحليب بخلطات تعتمد على النشاء أو السكر أو الأعشاب المتنوعة.
تقول أخصائية التغذية فاطمة العيسى العاملة في إحدى المنظمات الطبية شمالي سوريا: “إن الحرب لم تغيّر فقط قدرة الناس على الوصول للغذاء، بل غيّرت علاقتهم بالطعام نفسه، العائلات اليوم تتعامل مع الطعام بمنطق النجاة، لا بمنطق التغذية السليمة، المهم أن يبقى الطفل شبعانًا وهادئًا، حتى لو كان الطعام يفتقر لأي قيمة غذائية حقيقية”.
تبدو هذه الممارسات أكثر وضوحاً، في المخيمات والأحياء الفقيرة المكتظة، حيث تعمل الأمهات لساعات طويلة في أعمال يومية منخفضة الأجر، بينما يُترك الأطفال في رعاية الجدات أو الأقارب لفترات ليست قليلة، وهناك تنتقل وصفات قديمة من جيل إلى آخر بوصفها حلولًا مجرّبة. تقول العيسى “قسم من النساء لا يعتبرن هذه الأساليب خطيرة أصلًا، لأن هذه الطرق أصبحت جزءاً من التكيّف اليومي مع نقص الوعي وانتشار العادات الموروثة الخاطئة”.
وبحسب بيانات World Food Programme يشكو نحو 9.1 مليون شخص في سوريا من انعدام الأمن الغذائي، فيما بلغ سوء التغذية الحاد لدى الأطفال دون سن الخامسة مستويات حرجة، كما تضاعفت تكلفة المعيشة ثلاث مرات خلال السنوات الأخيرة، في وقت لا يكفي فيه الحد الأدنى للأجور سوى لتأمين خُمس الاحتياجات الغذائية الأساسية للأسرة.
ولا تقف المشكلة عند الفقر وحده. ففي العيادات الطبية تتكرر قصص أمهات دخلن تجربة الأمومة دون معرفة كافية بأساسيات تغذية الأطفال. مريم واحدة منهن. لم تكن قد أتمت الثامنة عشرة عندما أصبحت مسؤولة عن طفلين.
خلال حديث مريم مع الطبيبة، بدت مقتنعة بأن عدم الاعتماد على الرضاعة الطبيعية كان خيارًا مناسبًا بالنسبة لها. كانت تتحدث عن سهولة استخدام الحليب الصناعي وإمكانية ترك الطفل لدى جدته لساعات طويلة دون أن تقلق، قبل أن تشرح لها الطبيبة المخاطر التي قد تترتب على ذلك في ظل ظروف معيشية لا تضمن دائمًا تحضير الحليب بالشكل الصحيح أو توفير الكميات الكافية منه.
تقول عثمان إن أمهات شابات يدخلن تجربة الأمومة في ظل انقطاع عن التعليم وضعف الوصول إلى المعلومات الصحية الموثوقة. “بعضهن ما زلن يحاولن فهم حياتهن الخاصة، ثم يجدن أنفسهن مسؤولات عن أطفال يحتاجون إلى رعاية دقيقة جدًا”.
في الكثير من الحالات، لا تدرك العائلات خطورة ما يحدث إلا بعد وصول الطفل إلى مرحلة متقدمة من سوء التغذية، حين يصبح الانتفاخ والخمول وفقدان الشهية علامات واضحة، بينما يظنه المحيطون يكبر بشكل جيد. وعندما تتأخر العائلات في ملاحظة الخطر، ينتهي المطاف بالأطفال في أقسام التغذية العلاجية.
الطفلة قمر، ذات الثمانية أشهر، واحدة من الحالات التي وصلت إلى جناح سوء التغذية الحاد في مستشفى الأطفال بحلب، كانت والدتها تجلس على الأرض قرب باب العيادة، تضم طفلتها بين ذراعيها وتراقب حركة الداخلين والخارجين بقلق بانتظار سرير شاغر.
ازدحام القسم بالحالات الحرجة دفع الأطباء لإخبارها بأن وضع طفلتها لا يحتمل الانتظار، وأن عليها نقلها إلى مستشفى خاص إن استطاعت، لكن الأم التي لم تكن تملك تكاليف العلاج. بقيت لساعات طويلة أمام القسم على أمل خروج طفل آخر وترك مكان شاغر لـ قمر.
بعد ساعات من الانتظار، دخلت قمر إلى جناح التغذية العلاجية لتبدأ رحلة علاج استمرت أيامًا داخل المستشفى، قبل أن تُستكمل لاحقًا عبر زيارات متابعة دورية للعيادة. “ماني مصدقة بنتي عايشة بعد الي صار معها” تقول والدة الطفلة.
الأطباء العاملون في مراكز التغذية العلاجية بمناطق مختلفة من شمال سوريا يلاحظون نمطًا مشابهًا من الأطفال الذين يصلون وهم يشتكون من الوذمة ومضاعفات سوء التغذية الحاد. ففي مستشفى كللي بمحافظة إدلب، يقول الطبيب محمد المصطفى، اختصاصي الأطفال والتغذية العلاجية إن نحو 5 بالمئة من الأطفال الذين يراجعون المستشفى يشتكون من سوء التغذية، فيما تظهر أعراض الوذمة بدرجات متفاوتة لدى نحو ربع هؤلاء الأطفال.
يحتاج الأطفال المصابون بسوء التغذية الحاد إلى بروتوكولات علاجية دقيقة، لأن أجسادهم تكون في حالة هشاشة شديدة، بحسب الطبيب محمد. يبدأ العلاج عادة باستخدام الحليب العلاجي المخصص لمرحلة الاستقرار المعروف باسم F-75، ويراقب الطفل بشكل دوري خوفاً من دخوله بحالة صدمة، بسبب ارتفاع نسبة البروتين فيه والذي يفتقده الجسم، ثم يُنقل الطفل تدريجيًا إلى F-100 بعد تحسن حالته، مع مراقبة مستمرة للسوائل والسكر والوظائف الحيوية.
الجوع الذي عرفه السوريون خلال سنوات الحرب لم يعد دائمًا واضحًا للعين المجردة. أحيانًا لا يأتي على شكل طفل نحيل أو جسد هزيل، بل يرتدي وجهًا مستديرًا وخدين ممتلئين يوحيان بالشبع والعافية.
ورغم الجهود التي تبذلها فرق التغذية، تواجه العيادات ضغطًا متزايدًا مع ازدياد أعداد الحالات وتوقف دعم المنظمات عن الكثير من المنشآت الطبية وعيادات التغذية بالإضافة لارتفاع معدلات الفقر.
في مستشفيات ومراكز حلب وإدلب، وبعد نهاية يوم طويل داخل عيادات التغذية تغادر الأمهات وهن يحملن أطفالًا يخوضون معركة صامتة مع نقص الوعي والرعاية والغذاء، لم يعد الجوع دائمًا يشبه الهزال، أحيانًا يرتدي وجه القمر.
