قبل أن تشتد أشعة الشمس فوق بلدة كللي بريف إدلب الشمالي، تنحني الأيدي لقطف بتلات الوردة الدمشقية بعناية، وتملأ بها أكياساً شفافة سرعان ما تتلون باللون الوردي الزاهي.
ساعات الصباح الباكر تعد التوقيت الأفضل لقطاف الوردة والحفاظ على جودتها وتركيزها العطري. حيث يتجه أبو أسامة، أحد مزارعي البلدة، إلى حقله رفقة أفرادٍ من عائلته وعدد من العمال والعاملات، للبدء بقطاف موسمه.
يتنقل أبو أسامة بين صفوف شجيرات الوردة الدمشقية في حقله، إذ يمتلك أحد أكبر مشاتل البلدة، والذي يمتدّ على مساحة ثلاثة هكتارات أقام فيها منظومة طاقة شمسية لاستخراج المياه وتأمينها لري محصوله، يشير بيده ليرسم حدود حقله المزروع بالورد متباهياً بحجمه ومساحته الحالية، يقول “قبل سنوات كانت ثلاثة دونمات فقط، اليوم لدي ثلاثين دونماً”.
تمتد شجيرات الوردة الدمشقية أو “الوردة الشامية” وهو الاسم الأكثر تداولاً لها في إدلب، على مساحات زراعية واسعة من بلدة كللي في مشهدٌ لم يكن مألوفاً في البلدة قبل ست سنوات، حين وصلت أولى شتلات الوردة الدمشقية مع أحد المهجرين من داريا بريف دمشق.

يقول مزارعون في البلدة تحدثنا معهم، إن زراعتها بدأت بـ “تجربة صغيرة لم تتجاوز نصف دونم فقط، قبل أن تحتل اليوم نحو ثلاثين هكتاراً”، لتزاحم محاصيل زراعية موسمية مثل الباذنجان والكوسا والخيار، وتصبح أحد أهم المحاصيل المعتمدة من قبل المزارعين.
أبو أسامة الذي يترأس، إلى جانب عمله في الزراعة، جمعية الفلاحين في بلدة كللي، ويشرف على العمل في الحقول، يخبرنا أن البلدة كانت تعتمد على المحاصيل التقليدية مثل الحنطة والشعير والعدس والحمص والجلبان، لكن مع تراجع مكاسبها الاقتصادية توجه المزارعون نحو زراعات بديلة أكثر جدوى وأقل تكلفة مثل المحاصيل العطرية.
لم يكن الإقبال على زراعة الورد في كللي بحثاً عن الجمال، بل عن بديلاً اقتصادياً لمحاصيل تقليدية خلّفت خسائر متراكمة بسبب الجفاف والصقيع والإصابات الفطرية، فالكمّون والحبة السوداء، وهما من الزراعات التي اعتمد عليها الريف لعقود، باتا يجلبان الخسائر أكثر من الرزق.
يجري أبو أسامة مقارنة بين إنتاج الوردة الشامية والمحاصيل التقليدية، يقول “يصل إنتاج الدونم إلى نحو أربعة أطنان سنوياً في الظروف الجيدة، وترتبط الأرباح بحركة السوق وأسعار التصريف”، ويضيف أن “الموسم الحالي حقق عائداً جيداً للمزارعين، ويقُدّر متوسط الربح بنحو 500 دولار للدونم الواحد خلال العام”.

وتتميز شجيرات الوردة الدمشقية بأنها ذات تكاليف منخفضة على المدى الطويل، إذ تتركز النفقات الأساسية في مرحلة الزراعة الأولى عند غرس الشتلات والجذور، بينما تستمر النبتة بالإنتاج لسنوات متتالية دون الحاجة إلى إعادة زراعتها في كل موسم، ما جعلهم يستعيضون بها عن المزروعات التقليدية التي خذلتهم موسماً بعد آخر.
“إنها كريمة معطاءة طيلة العام” هكذا يصف مزارعو الوردة الشامية شجيراتهم، فهي نبتةٌ مستدامة، جذورها تثبت في الأرض وتنمو عاماً بعد عام دون إعادة زراعتها، يشرح أبو أسامة دورة إنتاجها. يقول: “تبدأ عملية التقليم والزراعة بين منتصف شهري كانون الأول وكانون الثاني، ثم يبدأ الإنتاج منتصف شهر نيسان ويستمر إلى بداية شهر حزيران. هنا، تأخذ الشجيرات فترة استراحة مؤقتة تمتد إلى شهر آب ثم تعود مجدداً للإنتاج”. ويضيف أنه في الشتاء حين تتوقف البراعم عن التفتح، يمكن بيع شتلاتها بأسعار جيدة.
ترجع أصول الورد الدمشقية، (Rosa damascena) وفق مؤرخو علم النبات إلى التلقيح الخلطي بين وردة غالية ووردة مسكية، نقلها التجار العرب إلى حدائق دمشق المروية، مما أعطى الصنف اسمها الشائع، واستخدمت أزهارها في إنتاج العطور والزيوت العطرية وماء الورد والمنتجات الغذائية.
واكتسبت الوردة الدمشقية في سوريا أهمية عالمية وأدرجت الممارسات والحرف المرتبطة بها على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2019، في اعتراف دولي بقيمتها الثقافية والمعرفية المتوارثة عبر الأجيال.

وتعد بلدة المراح في القلمون أهم وأقدم منطقة متخصصة بزراعة الورد الدمشقي والموطن الأبرز لهذا المحصول التراثي، معظم أهلها يعملون بزراعة الورد ويهتمون به وينتجون منه الزيت العطري وماء الورد و المربى وشراب الورد، في حين تنتشر زراعتها بدرجات متفاوتة في ريف حلب.
تختلف الوردة الدمشقية في المراح عن باقي الأصناف في سوريا، يوضح المزارع محمد الخطيب، وهو رئيس المجلس المحلي في البلدة أن الصنف الموجود في المراح يختلف عن الموجود في إدلب من ناحية الشكل واللون والرائحة، ويتفوق عليه بتركيزه العطري القوي الذي ميزه عن باقي الأصناف في جميع المناطق السورية الأخرى. رغم ذلك؛ انتقلت زراعة الوردة الدمشقية إلى إدلب مع أصحابها خلال سنوات النزوح، وأزهرت في حقول قراها بعد عودتهم.
ولسنوات طويلة بقيت الوردة حبيسة الأسواق المحلية قبل سقوط نظام الأسد، إذ تبدلت خريطة تسويقها بعد فتح الطرق بين المحافظات السورية. يوضح أحد المزارعين الذين تحدثنا إليهم أن تسويق الوردة الشامية كان مقتصراً على الأسواق المحلية في الدانا ومعرة مصرين، وبأسعار متدنية بسبب عزلة المنطقة وصعوبة الوصول إلى أسواق خارجية أو إلى المحافظات السورية الأخرى.

تبدّل المشهد اليوم، إذ بات الإنتاج يُسوّق إلى حماة وحلب واللاذقية وطرطوس، كما وصلت بعض الطلبات إلى ألمانيا عبر مشاغل في معرة مصرين تقوم بتجهيزه وتعبئته للتصدير. بحسب أبي أسامة الذي لخص رحلة الوردة الدمشقية بأنها “جاءت مع النازحين في أكياس التهجير، وباتت اليوم تُشحن إلى ألمانيا”.
لم يقتصر التوسع في زراعة الوردة الدمشقية في بلدة كللي على زيادة المساحات المزروعة، بل امتد للتفكير في استثمار المحصول وتصنيعه محلياً. إذ، وبحسب أبي أسامة، ثمة مشروع قيد الإنجاز لإنشاء معمل لتقطير الورد بدعم من منظمة التنمية السورية وبالتعاون مع اتحاد الفلاحين، بهدف تحويل الوردة الدمشقية إلى منتجات ذات قيمة تسويقية عالية. متوقعاً أن يوفر المعمل للمزارعين سوقاً بديلاً عن بيع محصولهم بأسعار يفرضها التجار، عبر تصنيع ماء الورد والزيوت العطرية وغيرها من المنتجات التي تحقق عائداً اقتصادياً أفضل.
التوسع والانتشار الذي حققته الوردة في كللي شجّع مزارعون في البلدة إلى اعتمادها زراعة أساسية في حقولهم، من بينهم المزارع صالح طالب الذي بدأ قبل سنوات بزراعة 300 متر مربع من أرضه، ووسّعها اليوم إلى ثلاثة دونمات مزروعة بشجيرات الورد إلى جانب خضروات متنوعة. يقول إن “هذا المحصول لا يعرف الهدر، فإن لم يُبع طازجاً، يُجفف ويُستخدم في صناعة الزهورات أو منتجات أخرى”.

ويوفّر موسم قطاف الوردة الدمشقية فرص عمل لعشرات العائلات في المنطقة، رجال ونساء وأطفال يتحركون بين الصفوف الوردية بخفّة وخبرة اكتسبوها من عملهم الذي اعتادوه في كل موسم.
تتعالى بين العمّال والعاملات، بين الحين والآخر، ضحكةٌ عابرة وأحاديث غير مفهومة، ثم يعود الجميع إلى انحنائهم فوق الشجيرات. في هذا المكان، تبدو الوردة الشامية محصولاً اقتصادياً لأصحابه من جهة، وفرصة عملٍ موسمية لعشرات العائلات من جهة أخرى. ويشارك في كل ورشة نحو 15 إلى 25 عاملاً وعاملةً في القطاف، إضافة إلى عمال للتقليم والتعشيب يعملون لأربع ساعات يومياً، مقابل أجرة لا تتجاوز 12 ألف ليرة سورية للساعة الواحدة أي أقل من دولارٍ واحد.
تمد أم محمد، إحدى عاملات قطاف الوردة الدمشقية، يدها إلى بتلات الورد بخفة اعتادتها خلال عملها في مواسم متتالية لإعالة أسرتها المكونة من ستة أطفال. تقول إن “التعامل مع الورد ممتع رغم صعوبته، فهو يحتاج إلى عناية ورفق أكثر من العمل الزراعي في قطف البندورة والباذنجان أو المحاصيل الأخرى”.
على مقربة منها تحاول أم سليمان أن توفق بين عملها في الحقل وأمومتها، أحياناً تحمل طفلها الرضيع بيدٍ وتقطف باليد الأخرى، وتارة تضعه على الأرض فوق قطعة قماش خصصتها له، تلهيه بأي شيء تجده أمامها ريثما تملأ الكيس. تقول إنها تضطر لجلبه معها في حين تترك بقية أطفالها الأكبر سناً في الخيمة.

أما يوسف، 11 عاماً، فيتنقل بصمت بين الشجيرات، يتولى نقل أكياس الورد من المشتل إلى المساحة المفتوحة بجانب أبي أسامة، يكوّمها فوق بعضها البعض يساعده شاب أكبر منه بسنوات. يشير بيديه إليه أنه ملأ الكيس وبحاجة لأخر، تصل إشاراته إلى رفاق العمل دون أن يلفظ أي كلمة، فهو فتى أصم يعمل بلا توقف.
في الطريق إلى كللي يلفت نظرك حقول الوردة الدمشقية المنتشرة بكثافة، شجيرات قزمية صغيرة، تتمايل مع نسمات الهواء التي تحمل عطرها الفواح وتصبح دليلك للحقل دون الحاجة للسؤال إن لم تكن من أهل البلدة.
في حقول كللي لم تعد الوردة الدمشقية مجرد زهرةٍ تُقطف في موسم الربيع، بل تحولت إلى حكاية كاملة عن زراعة بديلة كانت تقتصر على وجود خجول في حدائق المنازل ومشاتل ورد الزينة في إدلب قبل أن تتحول إلى موسم اقتصادي.
