فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

تراجع التمويل وإغلاق المستشفيات يضيق خيارات العلاج أمام سكان إدلب 

أميمة محمد

لم تعد رحلة العلاج في إدلب متاحة للجميع، مع تراجع الدعم وإغلاق عدد من المنشآت الطبية، وزيادة الضغط على المرافق المستمرة بالعمل

تضيق خيارات العلاج أمام مرضى في محافظة إدلب، في ظل محدودية الدعم وتوقف عمل عدد من المستشفيات عن الخدمة، ما أدى صعوبات متزايدة في الحصول على الرعاية اللازمة، خاصة لأصحاب الحالات الحرجة، بينما تشكل تكاليف العلاج في المستشفيات الخاصة عبئًا يفوق إمكانيات شريحة واسعة من السكان.

وأدى اعتماد شريحة واسعة من السكان على المستشفيات العامة في محافظة إدلب إلى ضغط متزايد يفوق قدرتها الاستيعابية ويحد من قدرة الكوادر الطبية على تقديم الرعاية المطلوبة بالكفاءة والسرعة اللازمة.

الطفلة بانة بزماوي، عام ونصف العام، من مدينة أريحا جنوبي إدلب، كانت إحدى ضحايا الضغط المتزايد، إذ فقدت حياتها مساء الأربعاء الماضي، بسبب عدم توفر سرير في قسم العناية القلبية، بحسب صفحات محلية تداولت الخبر.

فاطمة، نازحة من ريف إدلب الجنوبي تعيش رفقة عائلتها في مخيم قريب من بلدة الدانا شمالي إدلب، تخبرنا أن طفلها صلاح، ست سنوات، مصاب بضمور دماغي، إضافة إلى اضطراب استقلابي وضعف في عضلة القلب. ومنذ شخّص الطبيب مرضه حين كان بعمر خمسة أشهر، وهي تتنقل به في مستشفيات المنطقة.

تقول فاطمة إن طفلها كان يتلقى جلسات علاج فيزيائي منتظمة في مستشفى “شام” المختص بمعالجة الأطفال على أوتستراد مدينة سرمدا، إلى جانب إحالته مرتين إلى تركيا لاستكمال العلاج. ويحتاج صلاح اليوم إلى جلستين أسبوعيًّا من العلاج الفيزيائي، ما يفرض على والدته أحيانًا المبيت في المستشفى عند تدهور حالته.

بقاء فاطمة مهجرةً في المخيم لم يكن خيارًا، “بل ضرورة للاقتراب من المراكز الطبية”، حسب تعبيرها. لكن مع تراجع الخدمات الطبية، باتت وغيرها من مئات المرضى  يواجهون واقعًا أكثر قسوة. تقول: “تكاليف المستشفيات الخاصة تكسر الظهر، والمراكز التي كنا نقصدها إما أغلقت بسبب توقف الدعم أو اقتصرت خدماتها على استقبال الحالات الإسعافية”.

في ظل هذا الواقع، يجد المرضى أنفسهم أمام خيارات محدودة. يقول الطبيب منذر الرماح، المسؤول الإداري في مستشفى شام للأطفال، إن المرضى سيضطرون للاعتماد على المستشفيات الخاصة، “لأن مستشفى شام كان يغطي أعدادًا لا يمكن استيعابها في المستشفيات التي ما تزال مستمرة بالعمل في المنطقة”.

يقول الطبيب الرماح: “إن تكلفة العلاج في القطاع الخاص مرتفعة جدًّا، إذ تصل إلى نحو 250 دولارًا يوميًّا في قسم العناية المشددة، و50 دولارًا في الجناح العادي، وهي مبالغ تفوق قدرة معظم السكان”.

وكان مستشفى “شام للأطفال” يخدم نحو 4000 مستفيد شهريًّا، بطاقة استيعابية تصل إلى 60 سريرًا في الجناح، و20 سرير عناية مركزة، و12 حاضنة لحديثي الولادة، إضافة إلى أقسام الإسعاف والأشعة والمخبر والعلاج الفيزيائي، وكان يستقطب مرضى من إدلب وحلب وحماة وحتى دمشق”.

ورغم تمديد عمله أخيرًا لشهر واحد بدعم من وزارة الصحة مع تخفيض الرواتب، إلا أن المشكلة الأساسية، بحسب الطبيب الرماح، تكمن في غياب دعم المنظمات، وعدم قدرة الوزارة على تغطية رواتب الكوادر الطبية.

يؤكد الطبيب الرمّاح أن تراجع الدعم انعكس بشكل مباشر على قدرة المستشفيات الأخرى، منها مستشفى إدلب الجامعي، الذي لا يغطي سوى 10% من احتياجات إدلب، في وقت تعمل فيه بعض النقاط الطبية بشكل تطوعي دون أجر، كما هو الحال في مستشفى تفتناز الذي توقف دعمه أخيرًا.

من جهته، يكشف أحد العاملين في منظمة سامز “فضل عدم ذكر اسمه”، أن توقف مستشفى المحافظة منذ مايقارب ستة أشهر، أدى أيضًا إلى “كارثة حقيقية”، بعد نقل بعض أقسامه إلى المستشفى الجامعي وإغلاق أقسام أخرى، نتيجة عدم توفر مبنى بديل يستوعبها.

يقول إن الضغط على المستشفى الجامعي ازداد بشكل كبير، حتى أن حالات الإسعاف باتت تنتظر أكثر من نصف ساعة لتلقي الرعاية، ما يفاقم من خطورة الوضع الصحي.

وفي بلدة التح بريف إدلب الشرقي، خرج مستشفى الرحمن المختص بأمراض النساء والأطفال عن الخدمة منذ نصف شهر تقريبًا، واقتصر عمله على استقبال الحالات الطارئة فقط، وهو المستشفى  الوحيد الذي يقدّم خدمات من هذا النوع في منطقة معرة النعمان وريفها الشرقي وخان شيخون، ما جعله مقصدًا لأهالي المنطقة، قبل أن يتوقف دعمه.

يؤكد “أبو أحمد” أحد أهالي البلدة، أن المرضى بعد توقف المستشفى عن استقبال الحالات الاعتيادية، مثل الولادات وحواضن الأطفال، يضطرون للتوجّه إلى مدينة إدلب وقطع مسافة لاتقل عن 40 كيلومترًا للحصول على الرعاية الطبية، في ظل ظروف معيشية قاسية يواجهها السكان.

بالتوازي مع مستجدات الواقع الصحي هذه، أعلنت مديرية الصحة عن إعادة تنظيم العمل الطبي في منطقة باب الهوى، من خلال دمج عدة مستشفيات في المنطقة، منها سرمدا والدانا، ضمن كيان موحد تحت اسم “مستشفى باب الهوى الوطني”.

وبحسب الدكتور “إبراهيم الويس”، رئيس دائرة المنشآت الصحية، لم تعد هناك تسميات منفصلة مثل: “شام الداخلية، شام الجراحي، شام الأطفال، أو سكن أو مستشفى باب الهوى، وجميعها ستعمل ضمن إدارة واحدة تحت مسمى مستشفى باب الهوى الوطني”.

هذه الخطوة تهدف بحسب الدكتور “الويس” إلى تنظيم أفضل للعمل وتقديم الخدمات الصحية بالقدرة الاستيعابية نفسها، مشيرًا إلى أن قسم الأطفال يعمل حاليًّا بشكل طبيعي، بينما يجري تجهيز بقية الأقسام تمهيدًا لبدء العمل الكامل خلال أسبوع.

بين وعود إعادة التنظيم، وواقع تراجع الدعم، يبقى المرضى في إدلب عالقين بين نظام صحي يترنح، و تكلفة علاج لا تُحتمل، في وقت ما تزال فيه فاطمة وذوو مرضى آخرون ينتظرون أن يتمكن مرضاهم من الحصول على علاج مناسب.