فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

مختارة في حلب.. نموذج لمساهمة المرأة في القيادة المحلية

محمود عبد الرزاق

ظل منصب المختار في سوريا حكرًا على الرجال لعقود، إلى أن كسرت كارول جانجي هذا التقليد، لتأخذ دور مختارة حي في حلب وتنجح فيه

على طاولة مكتبها الصغير، تكدس كارول جوزيف جانجي، 46 عامًا، أوراقًا ثبوتية، شهادات ولادة، شهادات وفاة، سندات إقامة، وغيرها من الأوراق الخدمية، إضافة للخاتم الرسمي لتوقيع المعاملات التي تتطلب إمضاء مختار الحي.

تستقبل كارول، خريجة كلية الاقتصاد، سكان حي الهزازة وأحياء مجاورة، وتمارس دورها الذي ورثته عن والدها بعد أن شغل اللقب لأكثر من أربعين عامًا، في خطوة وصفتها بالجريئة لأنها كسرت من خلالها التقليد المألوف بتسليم هذه المهام لرجل وليس لسيدة.

منذ طفولتها كانت كارول ترافق والدها إلى مكتبه لتسيير معاملات الأهالي في حيي الحميدية والنيال، تقول: “كبرت وأنا أزور والدي في مكتبه. كنت أرى الناس يقصدونه يوميًًا”.

توضح أن تلك الزيارات المبكرة جعلتها تتعرف إلى طبيعة العلاقة بين المختار وأهالي الحي. كانت تراقب طريقة حديثه مع الناس وكيف يحاول حلّ مشكلاتهم أو مساعدتهم في معاملاتهم. وتشير إلى أنها كانت تشعر بالفخر عندما ترى الأهالي يثقون بوالدها ويلجؤون إليه في شؤونهم اليومية.

لأكثر من أربعة عقود شغل والد كارول هذا الكرسي، لكن عام 2013، شكل نقطة تحول في حياة العائلة. فقد مرض والدها واضطر لترك المنصب الذي أحبّه لأنه يقدم خدمات اجتماعية كبيرة للناس، كما أن سؤالًا كان يشغله، “مَن سيستلم المهمة بعدي، وهل سيعين تعيينا أم سينتخبه الأهالي؟”، هذا السؤال راوده لأن الأحداث الأمنية في سوريا كانت تشهد تحولًا كبيرًا بعد سنتين من انطلاق الثورة.

شارع في حي الهزازة بمدينة حلب
شارع في حي الهزازة بمدينة حلب

يعود نظام المخترة في سوريا إلى الإصلاحات الإدارية التي أدخلتها الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، جرى في تلك الفترة تنظيم إدارة الأحياء والقرى عبر تعيين أو انتخاب مختار يمثل السكان أمام السلطات المحلية.

وبعد قيام الدولة السورية وتنظيم قوانين الإدارة المحلية أصبح المختار ينتخب رسميًّا من سكان الحي أو القرية. لكن العامل الاجتماعي بقي له تأثيره، إذ مايزال أبناء بعض العائلات التي اشتهرت بالمخترة يحظون بفرص أكبر للفوز بسبب السمعة والعلاقات داخل المجتمع.

استمر هذا المنصب ضمن منظومة الإدارة المحلية ليبقى المختار حتى اليوم حلقة وصل أساسية بين المجتمع المحلي والدوائر الحكومية في الأحياء والبلدات السورية، وليلعب دورًا إداريًّا واجتماعيًّا في آن واحد.

في البداية، لم تكن فكرة أن تتولى كارول المنصب مطروحة، فالتقاليد الاجتماعية في الأحياء الشعبية كانت تعتبر المخترة عملًا خاصًّا بالرجال. تشير كارول إلى أن والدها نفسه رفض الفكرة عندما طُرحت عليه للمرة الأولى للسبب نفسه.

لكن الفكرة بقيت تراودها. كانت ترى والدها يستعيد ذكرياته مع سنوات العمل الطويلة، وتشعر برغبة في مواصلة الطريق الذي بدأه. وبعد سنوات من التفكير قررت التقدم رسميًّا للمنصب، وفعلًا عام 2017 انتخبت مختارة للحيّ. تقول: “قلت لنفسي، إن هذا العمل فيه خدمة للمجتمع، وإذا كان كذلك، فلا سبب يمنع امرأة من القيام به”.

تجربة كارول جانجي في إدارة شؤون الأحياء المكلفة بإدارتها، تمثل قصة كسر القيود الاجتماعية، خاصة أنها لا تقتصر على إنجاز المعاملات الورقية، بل تتعامل مع احتياجات المجتمع اليومية، من متابعة الخدمات الأساسية، إلى حل النزاعات المحلية، لتكون بهذا الدور حلقة وصل حقيقية بين الأهالي والسلطات. كما أنها تثبت أن المرأة فاعل مؤثر يمكن أن يساهم بتغيير حياة المجتمع ويكسب ثقته.

بعد تسلمها المنصب بأشهر قليلة واجهت كارول خسارة عائلية قاسية، فبعد ثلاثة أشهر توفيت والدتها، ثم توفي والدها بعد ذلك بثلاثة أشهر أيضًا، لكن ما يواسيها، هو أن والدها كان فخورًا بها، وكان يكرر نصيحته لها بـ “أن تحافظ على التواضع وأن تكسب محبة الناس، لأن نجاح المختار يرتبط بثقة المجتمع به”.

مكتب مختارة حي الهزازة السيدة كارول جانجي
مكتب مختارة حي الهزازة السيدة كارول جانجي

مع مرور الوقت اكتشفت كارول أن طبيعة العمل تغيرت كثيرًا عما كانت عليه في زمن والدها. فبعد سنوات الحرب وتراجع الخدمات، لم يعد دور المختار مقتصرًا على الأوراق الرسمية، لأن الشكاوى المتعلقة بالمياه والكهرباء والصرف الصحي ازدادت كثيرًا، وصار معظم عملها هو نقل الشكاوى إلى الجهات المعنية ومتابعتها.

ورغم المخاوف التي رافقت تعيينها في هذا المنصب، تقول كارول، إن التجربة سارت بشكل مختلف عما توقعه البعض. فقد واجهت في البداية بعض الاستغراب، لكنها لاحظت أن هذا الموقف تغير تدريجيًّا بعد أن بدأ الأهالي يلمسون طريقة عملها. تشرح: “عندما رؤوا عملي وصدقي، تغيرت نظرتهم”.

تحاول كارول أن تدير علاقتها مع سكان الحي بروح عائلية، فهي تتعامل مع كبار السن كما لو كانوا من أفراد عائلتها، بينما تنظر إلى الأصغر سنًّا بروح قريبة من دور الأم أو الأخت. وترى أن هذا الأسلوب ساعدها على بناء علاقة ثقة مع المجتمع.

تعتبر كارول أن قرار الترشح لم يكن مجرد خطوة مهنية، بل كان مرتبطًا بذكرى والدها أيضًا. تقول:  “أكثر ما دفعني هو دمعة والدي عندما ترك المخترة. شعرت أن عليّ أن أحمل اسمه في المجتمع”، واليوم، عندما تسمع كلمات الثناء على والدها من الأهالي تشعر بأن جهودها لم تذهب سدىً.

قصة كارول تعكس أيضًا واقعًا أوسع يتعلق بمشاركة النساء في مواقع القيادة، فبحسب الناشطة المجتمعية أسماء المحمود، مازال حضور النساء في مواقع صنع القرار محدودًا. تقول: “إن النساء موجودات في الحياة العامة، لكن وصولهن إلى المواقع القيادية مايزال ضعيفًا، سواء في المؤسسات الحكومية أو في منظمات المجتمع المدني”.

وتشير إلى أن هذا الضعف يظهر بوضوح في التمثيل السياسي. ففي انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، فازت ست نساء فقط من أصل 122 عضوًا، وهو رقم ترى أنه يعكس تمثيلًا منخفضًا للغاية.

ترجع المحمود ذلك إلى عوامل عدة، أبرزها العادات والتقاليد الاجتماعية التي ما تزال تضيق على عمل المرأة، إضافة إلى تأثير الكتل والتحالفات الانتخابية. تفسر: “إن المجتمع مايزال في كثير من الأحيان ينظر بحذر إلى وجود المرأة في مواقع صنع القرار، بسبب أعراف اجتماعية راسخة”.

ومع ذلك فإن النماذج الفردية الناجحة يمكن أن تسهم في تغيير هذه النظرة تدريجيًّا، وهذا ما أثبتته تجربة كارول التي تشجع النساء على التعلم وتطوير مهاراتهن والمشاركة في الحياة العامة. تقول: “كما أن المرأة قادرة على تربية إنسان، فهي أيضًا قادرة على المساهمة ببناء مجتمع”.

وهذا ما أكدته الباحثة الاجتماعية حليمة العلي، التي ترى أن تجربة كارول تمثل نموذجًا مصغرًا لدور المرأة السورية المتنامي في مختلف المجالات، فقد لعبت دورًا محوريًّا في الحفاظ على تماسك المجتمع، وقد تعزز هذا الدور بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة. تقول: “المرأة السورية كانت دائمًا ركيزة أساسية في المجتمع، لكن الظروف الصعبة جعلت حضورها أكثر تأثيرًا، فهي اليوم ليست مجرد مشاركة في الحياة العامة، بل صمام أمان وعامل استقرار في محيطها الاجتماعي”.

وترى العلي أن تحولات المجتمع السوري دفعت بالمرأة إلى أدوار أوسع، لا سيما في المجال الاقتصادي. وأوضحت أن كثيرًا من النساء انتقلن من إدارة شؤون المنزل إلى الانخراط في الإنتاج والعمل. توضح: “لم تعد المرأة تكتفي بإدارة ميزانية الأسرة، بل أصبحت محركًا اقتصاديًّا عبر إطلاق مشاريع منزلية صغيرة، وإدارة مبادرات محلية، إضافة إلى دخول مهن كانت في التقاليد حكرًا على الرجال”.

مكتب مختارة حي الهزازة السيدة كارول جانجي
مكتب مختارة حي الهزازة السيدة كارول جانجي

وفي الجانب الاجتماعي والتربوي، تشير العلي إلى أن المرأة تسلمت مسؤوليات مضاعفة داخل الأسرة والمجتمع، خاصة في ظل غياب أو تشتت العديد من العائلات. تقول: “في كثير من الحالات أصبحت المرأة تقوم بدور الأب والأم معًا، ليس فقط في الرعاية اليومية، بل أيضًا في الحفاظ على الهوية الاجتماعية للأسرة والإصرار على تعليم الأبناء رغم التحديات”.

كما برز حضور النساء بشكل لافت في العمل الإنساني والمبادرات المحلية، إذ تشارك كثيرات في فرق الاستجابة الطارئة والتمريض، إلى جانب إطلاق مبادرات للدعم النفسي وتمكين النساء عبر تعليم المهن والحرف. وتوضح العلي أن “المرأة أصبحت العمود الفقري لكثير من الأنشطة التطوعية والمبادرات المجتمعية”.

وبحسب العلي، يظهر تأثير المرأة السورية أيضًا في قطاعات متعددة، ففي مجال التعليم أسهمت في قيادة الكوادر التربوية والحفاظ على استمرارية العملية التعليمية، بينما لعبت دورًا بارزًا في القطاع الصحي من خلال العمل في النقاط الطبية والتمريض. كما شهدت السنوات الأخيرة زيادة في حضور النساء ضمن المجالس المحلية ومنظمات المجتمع المدني.

وتختم العلي حديثها بالقول: “المرأة السورية اليوم لا تنتظر التمكين كمنحة، بل تصنعه بنفسها. فهي المعلمة والمسعفة والمهندسة والأم في آن واحد، وتسهم يوميًّا في إعادة بناء المجتمع”. 

من الممكن أن تكون قصة كارول جانجي نموذج عن التحولات التي يشهدها المجتمع المحلي السوري، وحضورًا نسائيًا يجب أن يكون فعالاً بشكل أفضل في العمل المجتمعي المحلي.