فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

مياه بحيرة ميدانكي تتراجع.. والخسائر تنعكس على المزروعات في عفرين

خالد سلطان

غياب مياه الري القادمة من ميدانكي أخرج أراضٍ زراعية من الخدمة، وأضرّ بالزيتون و المزروعات البعلية على وجه الخصوص

تراجع إنتاج بستان عبدو إسماعيل في قرية ستارو شمالي مدينة عفرين، بعدما كان يشكّل مع أراضيه الزراعية مصدر رزقٍ أساسياً لأربع عائلات. يملك “إسماعيل” ثلاثة هكتارات من الأراضي، مزروعة بالخضار مثل الخيار والبندورة، إضافةً إلى القمح، ونحو 300 شجرة زيتون.

كانت زراعة العائلة تعتمد كلياً على قناة ريّ تتغذّى من بحيرة ميدانكي، لكن هذا الواقع تغيّر تدريجياً كما قال لـ فوكس حلب، مع تراجع ساعات ضخّ المياه منذ عامين، قبل أن تتوقف القناة بشكل كامل العام الماضي، ما أدى إلى عطش أشجار الزيتون وانخفاض إنتاجها إلى النصف، وعدم القدرة على زراعة سوى هكتار واحد فقط.

هذا الواقع أجبر العائلة على حفر بئر إرتوازي بتكلفة وصلت إلى 20 ألف دولار، لكنّ البئر لم يوفّر مياهًا كافية، ما أدى إلى توقف معظم أفراد العائلة عن العمل بعد فقدان الزراعة كوسيلة عيش.

قصة “عبدو” ليست حالة فردية، بل حالة تتكرّر في عشرات القرى المحيطة بمدينة عفرين، بعد أن قلّصت إدارة سد بحيرة ميدانكي الواقعة في ناحية شرّان فترات ضخ المياه عبر قنوات الري بشكل كبير، وصولاً إلى إيقافها بالكامل، بهدف الحفاظ على الكميات المتبقية لتأمين مياه الشرب لمدينتي عفرين وأعزاز.

هذا التوقف انعكس بشكل مباشر على المزروعات، إذ تضرّرت أكثر من مليوني شجرة زيتون، ومئات الآلاف من أشجار الفواكه، إضافةً إلى زراعات الخضار والمحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والشعير، وخروج آلاف الهكتارات من نطاق الأراضي المروية، بدءاً من قرية ميدانكي مروراً بمحيط مدينة عفرين، وصولاً إلى سهول باسوطة وغزاوية ودير بلوط جنوب جنديرس.

أدى هذا القرار إلى انخفاض حاد في إنتاجية المواسم الزراعية، وارتفاع كبير في تكاليف الزراعة، ما دفع آلاف العائلات إلى التوقف عن العمل في أراضيها.

في قرية قرزيحل، قال سعيد نجار لـ فوكس حلب إنه كان يملك 250 شجرة رمان و 150 شجرة زيتون، لكن توقف ضخ مياه قنوات الري أدى إلى جفاف أشجار الرمان بالكامل، ما اضطره لاقتلاعها وزراعة القمح البعلي بانتظار الأمطار، فيما بقيت أشجار الزيتون دون سقاية.

أما في قرية عين مجنون قرب الغزاوية جنوبي عفرين بنحو 20 كيلومتراً، فيروي “أبو عادل” لـ فوكس حلب  أن عائلته كانت تعتمد على بستان يضم نحو 700 شجرة فواكه متنوعة، لكن منذ عامين لم تصل مياه الري، ما أدى إلى اقتلاع أشجار الرمان بشكل كامل وتلف معظم الأشجار الأخرى.

وأضاف أن الموسم الماضي لم يحقق أي مردود، وأن نحو 20 شخصاً كانوا يعملون في الأرض فقدوا مصدر دخلهم، كما فشلت زراعة الفليفلة الصيفية بسبب غياب المياه، مشيراً إلى أن كثيراً من أهالي القرية بدؤوا بقطع الأشجار اليابسة وبيعها حطباً.

وفي قرية قيبار شرقي عفرين، قال حسن نعسو لـ فوكس حلب إنه يملك 10 هكتارات من الأراضي الزراعية، وكان يزرعها سابقاً بالخضار والبطاطا والقمح، لكن انقطاع مياه القناة دفعه إلى حفر بئر ارتوازي بكلفة تجاوزت 25 ألف دولار، شملت معدات الطاقة الشمسية.

ورغم ذلك، لم يتمكن إلا من زراعة نصف المساحة، و بالاعتماد على الزراعة الصيفية فقط، نتيجة انخفاض منسوب المياه وقلة الأمطار، ما اضطره لإرسال بعض أبنائه للعمل خارج القرية.

التأثير الأكبر بدا واضحاً على الأشجار المثمرة لا سيما الزيتون، الذي يُعد المحصول الأهم في عفرين. فقد أدى انقطاع مياه الري، إلى جانب قلة الهطولات المطرية، إلى انخفاض إنتاج الزيتون وزيت الزيتون إلى مستويات غير مسبوقة، وارتفاع تكاليف الري عبر الآبار الأرتوازية، التي جفّ عدد كبير منها بسبب الحفر العشوائي.

في قرية بابليت غربي عفرين، قال أحمد حسن لـ فوكس حلب إن عائلته تملك 290 شجرة زيتون يتجاوز عمرها 60 عاماً، وكانت الشجرة الواحدة تنتج سابقاً “شوالاً ونصف الشوال في الموسم الواحد”، لكن منذ توقف قناة الري قبل ثلاث سنوات بدأت الإنتاجية بالتراجع، ولم تنتج الشجرة في الموسم الماضي سوى “نصف شوال”. وأضاف أن محاولات الري عبر صهاريج المياه لم تكن مجدية بسبب تكلفتها العالية وعدم كفايتها لاحتياجات الأشجار.

لم تقتصر آثار تراجع المزروعات على الحقول فقط، بل امتدت إلى القطاعات المرتبطة بها، مثل معاصر الزيتون ومعامل البيرين وصناعة الصابون في عفرين. يقول “أبو رشيد” وهو صاحب معصرة زيتون في ناحية معبطلي لـ فوكس حلب إنه باع العام الماضي نحو 2000 طن من بقايا عصر الزيتون لمعامل البيرين، بينما لم تتجاوز الكمية هذا العام 900 طناً، ما يعكس حجم التراجع الكبير في إنتاج الزيتون.

من جهته، أوضح المهندس إبراهيم شيخ إبراهيم، أحد الكوادر التي أشرفت على بناء سد 17 نيسان وقنوات الري، والمسؤول السابق عن الموارد المائية في عفرين لـ فوكس حلب أن أسباب انخفاض مخزون بحيرة ميدانكي تعود إلى “قلة الهطولات المطرية خلال السنوات الماضية، وجفاف الينابيع، واعتماد طرق الري التقليدية التي تهدر كميات كبيرة من المياه، إضافةً إلى تصريف كميات كبيرة من مياه السد خلال أعوام سابقة”.

وأكد أن وقف ضخ المياه في صيف 2025 جاء نتيجة وصول منسوب البحيرة إلى الحد الأدنى، مع إعطاء الأولوية لمياه الشرب، ما انعكس مباشرةً على المزروعات والإنتاج الزراعي. وأضاف أن الحفر العشوائي للآبار أسهم في انخفاض منسوب المياه الجوفية وجفاف العديد منها، محذراً من أن استمرار شح المياه يهدد مستقبل الزراعة في عفرين بشكل عام.

اليوم يظهر التراجع كبيراً في بحيرة ميدانكي التي تبلغ مساحتها 14 كيلو متر مربعاً، وتتغذّى من نهر عفرين والينابيع والأودية التي تصل البحيرة، وتوفّر مياه الشرب لأكثر من 200 ألف نسمة في منطقتي أعزا ز وعفرين، وتروي نحو 30 ألف هكتار من الأراضي الزراعية.