عادت آلاف العائلات إلى منازلها في منطقة عفرين بريف حلب الشمالي، عقب سقوط نظام الأسد وخروج الفصائل العسكرية، وعلّق الأهالي آمالاً كبيرة على الإدارة الجديدة للمنطقة، خاصة بعد إعادة دمج عفرين بمؤسسات وإدارات محافظة حلب. غير أن هذه الآمال سرعان ما تبخّرت مع إعلان إدارة المنطقة تشكيل لجنة اقتصادية لتسيير شؤون موسم الزيتون، بالتزامن مع إعادة تفعيل مكاتب اقتصادية كانت تابعة سابقاً لفصائل الجيش الوطني.
ورغم أن الإعلان الرسمي ركّز على تنظيم موسم الزيتون، إلا أن الهدف، وفق شهادات الأهالي، تجاوز المحصول الزراعي ليطال ملف العقارات وأملاك الغائبين والمغتربين. ويشير سكان محليون إلى أن إعادة تكليف مسؤولي اقتصاديات الفصائل السابقة بالإشراف على جني المحاصيل ترافق مع استمرار نفوذهم على المنازل والأراضي، ما أعاد مخاوف من تكريس الأمر الواقع الذي دفع كثيرين سابقاً للعزوف عن العودة.
وفي حديث لمجموعة من الصحفيين، قال الدكتور أحمد حاجي حسن، مدير مكتب المتابعة في إدارة منطقة عفرين، إن لجنة ردّ الحقوق سلّمت حتى الآن أكثر من 500 عقار و300 ألف شجرة زيتون إلى أصحابها، في إطار جهود إعادة الممتلكات المصادرة أو المستولى عليها.
وأوضح حاجي حسن أن الإدارة أصدرت تعاميم للحد من السرقات، شملت منع نقاط بيع الزيتون، إضافة إلى تقديم تسهيلات لعودة الأهالي، مثل اعتماد نظام الوكالة عبر الفيديو المباشر، الذي يتيح استلام العقارات عبر أقارب موجودين داخل المنطقة.
لكن عدداً من الأهالي أكدوا أن الإجراءات ما تزال معقّدة، وأن معاملة اللجان الاقتصادية تختلف من ناحية إلى أخرى، ما يجعل استعادة المنازل والأراضي تصطدم بعراقيل إدارية وممارسات انتقائية.
يقول “أبو جوان” من قرية ياخور التابعة لناحية معبطلي، لـ فوكس حلب، إنه عاد إلى قريته بعد سبع سنوات من التهجير، لكنه لم يتمكن من استعادة كامل ممتلكاته.
ويضيف أن خروج الفصائل من المنطقة جعله يعتقد أن أملاكه باتت بالكامل في حوزته، فاعتنى بأشجاره طوال العام، إلا أن مسؤولي المكتب الاقتصادي التابع لفصيل السلطان مراد عادوا قبيل موسم القطاف، وطالبوه بنصف الإنتاج بحجة إشرافهم السابق، مع تهديد بمصادرة المحصول كاملاً، إلى جانب مضايقات ومراقبة خلال العصر.
وعلى عكس حالة “أبو جوان”، مُنع آخرون من جني محاصيلهم كلياً بسبب ضياع أوراقهم. ففي ناحية بلبل، يروي “أبو صبري” من قرية سعرنجك لـ فوكس حلب “أن أرضه مسجلة باسم والده المتوفى، وأشقاؤه خارج البلاد، وبعد أسابيع من مراجعة محامٍ في حلب لاستكمال حصر الإرث والتوكيلات، فوجئ بورشة عمال تقوم بجني المحصول كاملاً”.
ويؤكد “أبو صبري” أن مراجعاته العديدة للجنة الاقتصادية في راجو لم تسفر عن نتيجة، في وقت فقد فيه كامل إنتاج الموسم، دون توضيح حول مصير المحصول أو الجهة التي استولت عليه أمام عينيه.
من جهته، قال “أبو صطيف”، مسؤول أحد المكاتب الفرعية التابعة للجنة الاقتصادية في عفرين، لـ فوكس حلب، إنهم أعادوا أكثر من 30 ألف شجرة ومئات المنازل لأصحابها، مع اعتماد بدائل مرنة في حال تعذر تقديم الأوراق الرسمية، مثل تصاريح المختار وشهادات الشهود.
وبدوره أكد مختار قرية قرزيحل، عبدو نجار، في حديث لـ فوكس حلب، أن الأهالي العائدين تمكنوا من استعادة ممتلكاتهم دون عوائق، حتى أولئك الذين عادوا قبل أسابيع فقط، مشيراً إلى تعاون المكتب الاقتصادي في منطقته.
ويشير جوان وهو أحد العائدين حديثاً، أنه استطاع جني محصول أشجاره رغم عدم اكتمال أوراقه، بعد تدخل المختار وتقديم شهود من القرية، مع تعهده باستكمال المستندات المطلوبة لاحقاً.
وتكشف هذه الشهادات عن فروقات واضحة في التعاطي مع ملف العقارات واسترداد الممتلكات بين نواحي عفرين، حيث تسود المرونة في مناطق، مقابل تعقيدات في مناطق أخرى. ويرى الأهالي أن استمرار هذا التباين وغياب معايير موحّدة وشفافة يعمّق فقدان الثقة بالإدارة، ويجعل ملف الملكيات الخاصة التحدي الأبرز أمام الراغبين بالعودة واستقرار العائدين.
