لم يكن محمد اليحيى، يتوقع أن تتحول رحلة عودته من زيارة أقاربه إلى حادث كاد يودي بحياة عائلته. كان يقود على طريق دمشق، حلب الدولي عندما باغته ضوء أبيض قوي من سيارة خرجت من إحدى الفتحات الجانبية قرب معرة النعمان.
يقول: “لم أرَ شيئًا لثوانٍ.. الضوء شلّ بصري تمامًا”. حاول تخفيف السرعة، لكن الانبهار المفاجئ دفعه إلى حافة الطريق قبل أن يستعيد السيطرة على المركبة وينجو بأعجوبة.
هذه التجربة دفعت محمد لتبديل ضوء سيارته وتركيب مصباح زينون شديد السطوع، معتقدًا أنّه ضرورة في ظل انتشار المركبات التي تستخدم أضواء مشابهة.
يعترف أن الأمر لم يكن مطمئناً، يقول: “أعرف أنني قد أزعج الآخرين.. تمامًا كما انزعجت أنا”، ولذلك ما يزال يحتفظ بمصباحه الأصلي، على أمل صدور قرار واضح يمنع استخدام أضواء الزينون في السيارات والدراجات وسائر المركبات.
صوت محمد ليس وحيدًا. فخلال الأيام الماضية، ارتفعت عشرات الأصوات عبر منصات التواصل مطالبة بحظر مصابيح الزينون، بالتزامن مع حملة إزالة تظليل الزجاج (الفيميه) التي شهدتها حلب في 10 تشرين الثاني الجاري.
وبينما تنتشر هذه الأضواء في شوارع المدن وعلى الطرق السريعة، يزداد القلق من الخطر الذي تسببه، والذي لا يظهر إلا في لحظة مباغتة قد تغيّر حياة سائق إلى الأبد.
يرى مختصون في كهرباء السيارات أن تركيب مصابيح الزينون في سيارات غير مجهزة بها من المصنع يؤدي إلى توزيع غير منتظم للضوء، ما يجعلها مصدر إزعاج وخطر على الآخرين أكثر من كونها وسيلة أمان.
صالح، صاحب ورشة صيانة سيارات في ريف إدلب، يقدّم توضيحًا تقنيًا لما يحدث عند استخدام مصابيح الزينون دون تجهيز مناسب. يقول صالح إن كثيرًا من السائقين لا يعرفون أن لون إضاءة المصابيح يُقاس بوحدة “الكلفن”، وهي مقياس لطبيعة لون الضوء وليس لقوته، فالإضاءة عند 4300 كلفن تكون بيضاء مائلة للصفرة ومريحة للعين، بينما تتحول عند 6000 و8000 كلفن إلى ضوء أبيض مزرق يسبب إبهارًا شديدًا للسائقين، خاصة عندما تتجاوز قدرة المصباح 55 واطاً.
“المشكلة تظهر بوضوح عند تركيب هذه المصابيح في سيارات تعمل أصلًا بـ مصابيح الهالوجين، وهي مصابيح أضعف تعتمد على خيط معدني داخل أنبوب مملوء بغاز الهالوجين، وقد صُمّمت عدساتها وعاكساتها لتناسب ضوءًا ناعمًا ومنتظمًا، على عكس الشعاع القوي والمباشر للزينون. لهذا عند تركيب الزينون في هذه السيارات، يتشتت الضوء ويرتفع مباشرة إلى مستوى نظر السائق المقابل” يقول صالح.
السيارات المزوّدة بالزينون من الشركة، ومعظمها “بحسب صالح” من طرازات ما بعد عام 2010، تأتي بعدسات بروجيكتور خاصة، تقصّ الشعاع وتوجّهه بدقة نحو الطريق، ما يمنع الإبهار. أما مجموعات التعديل الرخيصة المنتشرة في الأسواق، فلا توفر هذا الضبط، وتنتج ضوءًا مشتتًا يصعب النظر إليه.
يشير صالح إلى أن الدراجات النارية تشكل جزءًا بارزًا من مشكلة الإضاءة المبهرة، ولا سيما في المناطق الريفية ذات الطرق غير المزدوجة.
ومع محدودية الإنارة العامة، يلجأ عدد كبير من الشبان إلى تركيب مصابيح الزينون في دراجاتهم النارية، معتبرينها وسيلة للتزيين وإظهار القوة على الطريق. إلا أن هذه المصابيح، بسطوعها الحاد واتجاهها غير المنضبط، تتحول إلى مصدر خطر على السائقين القادمين في الاتجاه المقابل. يقول صالح: “أي ومضة غير مضبوطة قد تسبب عمى مؤقتًا لسائق قادم من الجهة المقابلة”.
يعتبر سكان التقيناهم في قرية باتبو بريف حلب الغربي أن الانبهار المفاجئ بضوء دراجة نارية مجهزة بمصابيح زينون قد يكون أشد خطورة أحيانًا من سيارات كبيرة، نظرًا لانخفاض مستوى المصابيح واصطدامها المباشر بمستوى نظر السائق.
هذا مالم يدركه “أنور”، شاب عشريني من ريف إدلب، فهو لا يرى في مصابيح الزينون الزرقاء شديدة السطوع سوى وسيلة لتمييز دراجته عن غيرها، إذا زينها بشريط ضوئي على جانبي الهيكل يضيء أثناء الحركة، كما غطّى المقعد بالجلد الأسود مع خطوط حمراء لإضافة لمسة شبابية.
ركّب هذه الزينة لأن المغامرة خلال جولات الليل مع أصدقائه كانت هدفه الأول، ولم يكن يفكر بسلامة الآخرين، رغم أنه كان يسمع شتائم واعتراضات من السائقين والمارة كلما مرّ بالقرب منهم.
يروي أنور أنه في إحدى الليالي على طريق ضيق بين قريتين، أوقفه سائق سيارة قادم من الاتجاه المقابل وطلب منه إطفاء الضوء فورًا بعد أن أصابه الوهج بالعمى المؤقت.
يعترف اليوم أنه لم يكن يعرف شيئًا عن الكلفن ولا عن عدسات البروجيكتور، ولا عن الفرق بين الهالوجين والزينون، فكل ما كان يعنيه هو شكل الدراجة والانطباع الذي تتركه بين أصدقائه. “لم أكن أقصد إيذاء أحد.. كنت أظن أن الأمر مجرد زينة”، يقول أنور.
أمام تزايد الشكاوى وحوادث الطرق المرتبطة بالإضاءة المبهرة، لم يعد الجدل مقتصرًا على منصات التواصل أو ورش الصيانة. فالجهات المعنية تحمّل مصابيح الزينون جزءًا من مسؤولية الحوادث الحاصلة على الطرق.
وفي ردّها على أسئلة فوكس حلب، تكشف إدارة المرور جانبًا من الصورة الرسمية والإجراءات المتخذة للحد من المخاطر. وبحسب رئيس فرع مرور دمشق، العقيد فراس إسماعيل، فإن “تركيب مصابيح الزينون يُعد من أشد المخالفات خطورة”، مشيرًا إلى أن هذه الأضواء القوية تسبب حوادث كارثية نتيجة إبهار السائقين المقابلين وفقدانهم القدرة المؤقتة على الرؤية.
ويؤكد إسماعيل أن عددًا كبيرًا من الحوادث المسجلة ارتبط باستخدام هذه المصابيح، رغم عدم وجود إحصائية دقيقة بعددها. ويضيف أن القوانين لا تسمح بتركيب مصابيح الزينون أو أي تعديل في أنظمة الإضاءة دون موافقة مسبقة من إدارة المرور، مشددًا على أن المخالفة تستوجب حجز المركبة ودفع غرامة مالية حتى إزالة المصابيح المخالفة.
وتتابع إدارة المرور، بحسب إسماعيل، رصد هذه الظاهرة عبر دوريات مكثفة على الطرق السريعة وبين المحافظات، بالتعاون مع مباحث المرور، لما تشكله من خطر كبير على مستخدمي الطريق.
كما تستعد الإدارة لإطلاق حملات توعية عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتحذير السائقين من مخاطر الأضواء المبهرة، لاسيما داخل المدن، إذ تؤدي إلى اضطراب الرؤية وتزيد من احتمالات الاصطدام.
منصات التواصل الاجتماعي ضجت بتعليقات مستخدمي الطرق الذين طالبوا بإصدار قرار يحظر هذه الأضواء المبهرة، معتبرة إياها خطرًا على السلامة العامة. وأشار بعض المعلقين إلى ضرورة أن يشمل القرار الجميع دون استثناء، بما في ذلك الأمنيون وموظفو المرور وأي شخص يستخدم الطريق، لضمان العدالة والالتزام الكامل بالقوانين، وعدم منح أي فئة امتيازًا على حساب سلامة الآخرين.
