لم تتوقع سناء، اسم مستعار لسيدة أربعينية تنحدر من مدينة معرة النعمان جنوبي إدلب، أن يسبقها اللصوص إلى منزلها الذي عادت إليه أخيراً من رحلة نزوحها في مخيمات الشمال السوري.
تقول سناء “اقتحموا المنزل وسرقوا المال والهاتف وحقيبة فيها كل أوراقنا الرسمية. قدّمنا بلاغًا، وجاءت الشرطة، لكن لم يظهر أي جديد حتى الآن. لم أعد أستطيع حتى شراء ربطة خبز”. المبلغ المسروق كان يمثل أمل العائلة في بدء حياة مستقرة بعد سنوات من النزوح، إلا أن الحادثة أعادتها إلى نقطة الصفر، على حد قولها.
أثرت حادثة السرقة بشكل مباشر على عائلة سناء، التي تعيل طفلها المصاب بالسرطان وزوجها المصاب بشلل في ساقه. منذ الحادثة، باتت تخشى مغادرة منزلها المتواضع الذي اشترته الأسرة قبل نحو شهرين، بعد أن عاد زوجها من لبنان وتمكّن من تجهيزه بما تيسّر.
كانت سناء قد اقترضت من أقاربها في لبنان أربعة آلاف دولار، أنفقت منها جزءًا بسيطًا واحتفظت بالباقي ليشتري زوجها سيارة يعمل بها لتأمين مصدر دخل للعائلة. إلا أن السرقة بددت كل ما ادخرته في لحظة واحدة، لتجد نفسها مطالبة بسداد الدين في وقت تتزايد فيه تكاليف علاج ابنها وأعباء الحياة اليومية، ما أعاد الأسرة إلى نقطة الصفر من جديد.
ما جرى مع سناء ليس حادثة فردية، بل يعكس تزايد عمليات السرقة في ريف إدلب، حيث يعيش العائدون بعد سنوات النزوح تحت وطأة الفقر والخوف من السرقات المتكررة.
على بُعد كيلومترات قليلة من معرة النعمان، تخوض خديجة، 38 عامًا، نازحة من مدينة سراقب، معركتها الخاصة مع الفقر بعد أن فقدت عائلتها مصدر رزقها الوحيد.
تلبس في يديها قفازين رقيقين بلون أزرق. على طرفها الأيمن يرقد كيسين من الفليفلة الحمراء. تستعد بمساعدة شقيقتها للبدء بعملية غسل حبات الفليفلة واستخراج البذور منها ثم تجفيفها، لتأمين دخل بسيط.
تقول خديجة وهي تتابع عملها بصوت مرتجف: “اضطررت إلى البحث عن أي عمل أساعد به زوجي بعد أن سُرقت دراجته النارية وهاتفه المحمول بينما كان يحرس أحد بساتين التين في بلدة البارة بريف إدلب الجنوبي. خسرنا كل ما نملك، وكان ذلك بمثابة ضربة قاسية لنا”.
تشرح كيف أنها تعمل منذ بداية موسم الخضروات الصيفية في تنظيف وتجفيف الفليفلة داخل بيتها أو في بيوت الجيران لقاء أجور متواضعة بالكاد تغطي إيجار المنزل. بالنسبة لها، لم تكن السرقة مجرد فقدان أداة نقل، بل انتزاعًا لوسيلة الحياة اليومية.
خلال جولة ميدانية في المنطقة الممتدة من معرة حرمة جنوبي إدلب وصولًا إلى قرى جبل شحشبو ومشارف قلعة المضيق المتصلة بجبل الزاوية، تبيّن أن معظم تلك القرى تفتقر إلى وجود حواجز أو دوريات أمنية، ما يجعلها عرضة لعمليات السرقة المتكررة.
يلتزم الأهالي منازلهم ولا يغادرونها إلا للضرورة خشية التعرض للسرقة. يقولون أن غياب الأمان وتكرار عمليات السرقة لا يقلان خطورة عن الجوع والمرض، مطالبين الجهات المسؤولة بتكثيف الدوريات واتخاذ إجراءات فعالة لحماية ممتلكاتهم.
في المقابل، تتركز النقاط الأمنية والمخافر في المدن الكبرى مثل كفرنبل ومعرة النعمان وسراقب، وهي مناطق تشهد بدورها ارتفاعًا في معدلات السرقات بالتزامن مع تزايد عودة النازحين إليها.
منذ أيام، ألقت الجهات الأمنية في سراقب القبض على أربعة لصوص اعترفوا بسرقة نحو 50 دراجة نارية، إضافة إلى سيارة من نوع “بورتر” وعدد من أجهزة الاستقبال (صحون الدش) والراوترات.
ووفقًا لما نشر على منصات التواصل، يستقبل مخفر سراقب شكاوى السكان وبلاغاتهم من مختلف القرى المجاورة. غير أن هذه الإجراءات لم تُنهِ مخاوف الأهالي، إذ تتكرر حوادث السرقة في معظم بلدات ريف إدلب الجنوبي.
محمود الطويل، أحد العائدين حديثًا إلى بلدته معرة حرمة، يروي: “تركت دراجتي النارية أمام منزل شقيقي ودخلت لزيارته لبضع دقائق، وعندما خرجت لم أجد شيئًا. اختفت الدراجة خلال لحظات وكأنها تبخّرت في الهواء”.
قصص مشابهة تتكرر يوميًا، حتى بات السكان ينظرون إلى دراجاتهم النارية التي يعتمدون عليها بشكل أساسي في تنقلاتهم للوصول لأماكن عملهم كغنيمة سهلة المنال بالنسبة للصوص، أكثر من كونها أداة رزق يعتمدون عليها في مواجهة الظروف القاسية.
لفهم أوسع لحجم السرقات والتجاوزات الأمنية ولنسبة توزع مخافر الشرطة في هذه القرى، حاولنا التواصل مع قيادة الأمن الداخلي في إدلب عن طريق مكتب العلاقات الإعلامية في وزارة الإعلام، للحصول على معلومات حول عدد البلاغات المقدّمة في مراكز الشرطة خلال فترة محددة، لكننا لم نتلقَّ أي رد حتى لحظة إعداد هذا التقرير. في المقابل، اكتفى رئيس مخفر شرطة كفرنبل بالقول إن “الوضع الأمني جيد جدًا”، دون تقديم أي تفاصيل إضافية.
مختار بلدة معرة حرمة قال إن حوادث السرقة التي طالت ممتلكات المدنيين زادت في الأشهر الأخيرة. يقدّر المختار عدد حوادث سرقة الدراجات النارية في القرية منذ بدء عودة المهجرين وحتى اليوم بنحو عشرة حوادث، مشيرًا إلى أن البلدة ومحيطها تخلو تمامًا من وجود مركز شرطة أو نقطة أمنية. ويضيف: “إن وجود مخفر ودوريات أمنية تقوم بجولات منتظمة كفيل بالحد من السرقات وردع المجرمين قبل ارتكاب الجريمة”.
تعكس حوادث السرقة المتكررة في ريف إدلب حالة القلق المستمر التي يعيشها السكان على ممتلكاتهم، وتكشف حجم الصعوبات التي يواجهها العائدون بعد سنوات من النزوح. فهؤلاء الذين رجعوا إلى بيوت مهدّمة بحثًا عن حياة مستقرة، وجدوا أنفسهم أمام معركة جديدة مع الخوف وغياب الخدمات وفرص العمل.
وبينما يحاول الأهالي ترميم ما تبقّى من حياتهم بعد الحرب، تظلّ حوادث السرقة خطرًا يوميًا يهددهم، ومؤشرًا واضحًا على حاجة المنطقة إلى حلول عاجلة تحدّ من السرقات.
