فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

قطن رأس العين.. موسم بلا أرباح 

محمد النايف

غياب الدعم الحكومي واحتكار التجار يرهقان مزارعي رأس العين في موسم القطن، وسط تكاليف إنتاج مرتفعة وحصار وظروف مناخية صعبة تهدد استمرارية المحصول

تحديات كبيرة يشهدها موسم القطن في مدينة رأس العين شمالي محافظة الحسكة، هذا العام، تُهدد المحصول الاستراتيجي الأهم الذي يعتمد عليه معظم سكان المنطقة كمصدر رئيسي للدخل.

تبدأ زراعة القطن في شهر نيسان من كل عام، وتستمر عمليات العناية بالمحصول طوال فصل الصيف، إلى حين موسم القطاف الذي ينطلق مع بداية شهر أيلول ويستمر حتى آخر تشرين الأول، وقد يختلف توقيته بين المناطق تبعًا للظروف الجوية.

ومع استمرار الحصار الذي فرضته قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على المدينة نهاية عام 2019، وجد المزارعون أنفسهم أمام صعوبات متزايدة، إذ مُنعوا، في الموسم الحالي، من نقل محاصيلهم نحو مناطق سيطرة الحكومة السورية، ما جعلهم تحت رحمة التجار الذين يحتكرون الأسعار ويفرضون شروطهم، وسط غياب أي دور رسمي لتسويق المحصول أو شراء الإنتاج.

تولى التجار، بغياب الدور الحكومي، مهمة تجميع الإنتاج ونقله إلى تركيا لبيعه أو إعادته لاحقًا إلى المناطق السورية الخارجة عن سيطرة قسد، في مسار تجاري غير منظم يفتح الباب أمام الاحتكار والتلاعب بالأسعار، ويزيد من الضغوط على المزارعين.

تخضع مدينة رأس العين، الواقعة على الشريط الحدودي المحاذي لتركيا، منذ عام 2019 لسيطرة فصائل الجيش الوطني السوري بإشراف تركي، التي أُلحقت أخيراً بوزارة الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة. 

حصاد موسم القطن في مدينة رأس العين بريف الحسكة، تشرين الأول 2025.
حصاد موسم القطن في مدينة رأس العين بريف الحسكة، تشرين الأول 2025.

منذ ست سنوات، تطوّق قوات قسد المدينة من جميع الجهات، ما يجعل معبر رأس العين الحدودي مع تركيا المنفذ الوحيد للحركة التجارية والزراعية، ويجعل المدينة خارج الإدارة المباشرة لحكومة دمشق.

تكاليف كبيرة، يدفعها زارعو القطن في رأس العين، يقدّرها المزارع أحمد العلي 38 عامًا، بـ أزيد من أرباح إنتاجه، ما يهدد سبل عيش آلاف الأسر الريفية.

أجور العمال إحدى الأعباء التي ترهق زارعي القطن في رأس العين، يقول العلي إن أجرة قطاف طن واحد من القطن تزيد عن 100 دولار، إضافة إلى ثمن الأسمدة والوقود والبذور.

يقدّر المزارع ياسين الجمعة تكلفة زراعة الدونم الواحد من القطن بنحو 125 دولارًا، تشمل ثمن الأسمدة والمبيدات وأجور العمالة، بينما يتفاوت إنتاج الدونم ما بين 200 و 400 كيلوغرام بحسب جودة التربة وتوفر مياه الري ونوعية البذار المستخدمة.

ويضيف الجمعة أن أسعار بيع الطن تتراوح بين 500 و575 دولارًا فقط، وهو مبلغ لا يغطي الحد الأدنى من النفقات، موضحًا أن معظم العائدات تذهب لتغطية التكاليف دون أن يحقق المزارع أي ربح. يعبر الجمعة عن قلقه من استمرار الخسائر، التي دفعت كثيرين إلى التفكير بتقليص المساحات المزروعة بالقطن أو تركها تمامًا.

لا تتوقف مشكلة المزارعين عند ارتفاع التكاليف، بل تشمل الظروف المناخية والبيئية القاسية. يوضح العلي أن موجات الحر الشديدة أثرت على جودة وإنتاج القطن، إذ تسببت درجات الحرارة المرتفعة خلال فترة الإزهار بتلف الأزهار الصغيرة وجفاف بعض اللوزات قبل نضجها، ما أدى إلى انخفاض ملحوظ في الإنتاج مقارنة بالمواسم المعتدلة مناخيًا.

حصاد موسم القطن في مدينة رأس العين بريف الحسكة، تشرين الأول 2025.
حصاد موسم القطن في مدينة رأس العين بريف الحسكة، تشرين الأول 2025.

كما أضاف أن الدودة الشوكية التهمت جزءًا من المحصول العام الماضي بسبب غياب المبيدات المناسبة، ما زاد من خسائر المزارعين ومخاوفهم من تكرار الخسارة هذا الموسم.

وفقًا لبيانات مديرية الزراعة في رأس العين، تسببت موجات الحر والآفات الحشرية بانخفاض إنتاجية القطن بنسبة تجاوزت 20 بالمئة هذا الموسم، ما عمّق أزمة المزارعين وأضعف قدرتهم على الصمود أمام التحديات الاقتصادية والمناخية المتلاحقة.

يشكل موسم القطن مصدر رزق لعدد كبير من سكان رأس العين، إذ يعمل فيه رجال ونساء من مختلف الفئات منذ مرحلة الزراعة مرورًا بالري والعناية وحتى القطاف.

وتعد فترة القطاف من أكثر المواسم نشاطًا، إذ تتعاون الأسر في جني المحصول قبل انخفاض جودته، ويحتاج كل دونم إلى نحو 40 دولارًا كتكلفة للقطاف، بينما يتمكن العامل النشيط من جمع طن واحد خلال أسبوع كامل مقابل أجر يقارب 125 دولارًا، ما يعكس اعتماد المنطقة على الجهد اليدوي في ظل غياب الآليات الحديثة.

يشتري التجار طن القطن من المزارعين بسعر يتراوح بين 500 إلى 575 دولارًا، وهو ما يعتبره عبد الرحمن مسلم، مزارع في رأس العين، احتكاراً. يقول “محصول القطن جيد هذا العام، لكن الأسعار قليلة جدًا بسبب احتكار التجار، لا أحد يشتري منا بسعر مناسب. نطالب الحكومة السورية بتسعيرة عادلة تتجاوز 1200 دولار للطن لتعويض خسائرنا وضمان استمرار الزراعة”.

حصاد موسم القطن في مدينة رأس العين بريف الحسكة، تشرين الأول 2025.
حصاد موسم القطن في مدينة رأس العين بريف الحسكة، تشرين الأول 2025.

ويضيف مسلم أن الإنتاج تحسن هذا العام، إذ وصل، لنحو 300 كيلوغرام للدونم الواحد، إلا أن الأسعار المنخفضة والحصار وارتفاع تكاليف الجمارك والنقل جعلت المزارعين يبيعون محاصيلهم بخسارة رغم جهودهم الكبيرة، مؤكدًا الحاجة إلى دعم حكومي فعلي ومراقبة جودة البذور والمبيدات لضمان استدامة الزراعة.

من جانبه، يوضح خليفة حاج حمود، التاجر وصاحب المحلجة الوحيدة في المنطقة، أن انخفاض الأسعار لا يعود فقط للسوق المحلية، بل أيضًا إلى تراجع أسعار القطن في البورصة العالمية وركود الأسواق خلال العامين الماضيين.

يقول: “نحن مضطرون لتصدير القطن عبر طرق طويلة تمر بالأراضي التركية ثم إلى الداخل السوري مجددًا بسبب إغلاق المعابر، ما يزيد من تكاليف النقل والرسوم الجمركية. لذلك لا يمكننا شراء القطن بأسعار مرتفعة رغم جودة الإنتاج”.

ويؤكد حاج حمود أن التجار يواجهون صعوبات في تصريف الإنتاج نتيجة غياب القنوات الرسمية وتقييد حركة التصدير، ويرى أن الحل يكمن في توحيد المعابر وتنشيط حركة التصدير الرسمية لتخفيف الأعباء عن المزارعين والتجار معًا وإعادة القطن إلى مكانته كمحصول استراتيجي في المنطقة.

عمر الحمود، رئيس مكتب الزراعة في المجلس المحلي برأس العين، يقول إن مساحة الأراضي المزروعة بالقطن هذا العام بلغت نحو 80 ألف دونم، بإنتاج وسطي يقارب 300 كيلوغرام للدونم الواحد، وهو نصف ما كان يُنتج قبل سنوات الحرب عام 2011.

يعزو الحمود التراجع إلى الحصار، غلاء مستلزمات الإنتاج، وندرة المحروقات التي تدخل عبر طرق التهريب بأسعار مرتفعة تصل إلى 200 دولار للبرميل، ما أدى إلى تراجع النشاط الزراعي وانخفاض إنتاج المحاصيل.

حصاد موسم القطن في مدينة رأس العين بريف الحسكة، تشرين الأول 2025.
حصاد موسم القطن في مدينة رأس العين بريف الحسكة، تشرين الأول 2025.

ويطالب الحمود الحكومة السورية بالتدخل العاجل لشراء المحصول بأسعار منصفة ودعم مستلزمات الإنتاج الزراعي، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى عزوف عدد كبير من الفلاحين عن زراعة القطن مستقبلاً، ما يهدد استدامة هذا القطاع الحيوي الذي يشكل مصدر رزق لآلاف الأسر الريفية.

تعد محافظة الحسكة من أبرز مناطق إنتاج القطن في سوريا، تليها الرقة ودير الزور، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا كبيرًا في الإنتاج نتيجة الظروف الأمنية، الحصار، وارتفاع تكاليف الزراعة بشكل غير مسبوق.

يؤكد مزارعون، تحدثنا إليهم، أن استمرار هذه الأوضاع سيؤدي إلى خروج مساحات واسعة من الأراضي عن الخدمة الزراعية وتحول الفلاحين إلى محاصيل بعلية أقل تكلفة، ما يعني خسارة محصول استراتيجي يشكل أحد أعمدة الاقتصاد المحلي وتعتمد عليه آلاف الأسر في معيشتها.

يشير مزارعون إلى أن إنقاذ موسم القطن يتطلب دعمًا حكوميًا عاجلًا، فتح المعابر لتسهيل تصريف المحصول، وضمان أسعار عادلة تعيد التوازن للقطاع الزراعي، الذي يُعد عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.