فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

العملة السورية المرتقبة.. هل تستعيد أصفارها وقيمتها؟

حسن حسين

الحاجة والرغبة تحكمان ترقّب استبدال الأوراق النقدية للعملة السورية بعد سقوط نظام الأسد، للتخلص من صور رموز الأخير وسهولة التداول وتبسيط المعاملات اليومية، واستعادة الثقة

مشهد الحقائب الجلدية الملفوفة حول الكتف، أو تلك التي تستقر على الخصر أو بالقرب من الصدر، ، أكياس من النايلون الأسود أو حزمة ملفوفة بـ “مطاطة بنية” في اليد، جيوب منتفخة تشترى خصوصاً لحمل النقود، حقائب النساء التي فرغت من أشيائها التقليدية لصالح رزم نقود من فئات مختلفة، لا تتآلف في مكان واحد لصعوبة التعامل معها، بات من أكثر المشاهد التي يألفها السوريون في مدنهم.

طرحت مسألة استبدال العملة السورية في أواخر العام الماضي 2024، بعد أيام من سقوط نظام الأسد، لانخفاض قيمتها، ولـ تبسيط المعاملات اليومية في الأسواق والتي ترهق كاهل أطراف المعاملات النقدية اليومية من زبائن وبائعين وتجار.

يعد استبدال العملة، بحسب الدكتور عبدو حمادة مدرس في كلية الاقتصاد بجامعة حلب، إجراء فنياً يهدف إلى تغيير القيمة الاسمية (وهو الرقم المطبوع على العملة) للعملة بحذف عدد من الأصفار مع الحفاظ على قيمتها الحقيقية (القدرة الشرائية للعملة).

ويرجع الدكتور حمادة الهدف من هذه العملية إلى “تبسيط التعاملات المالية، تحسين صورة العملة وزيادة الثقة بها، تقليل تكاليف التعامل والطباعة، تحسين كفاءة النظام المالي، وإرسال إشارة إيجابية للمستثمرين حول التزام الحكومة بالإصلاح الاقتصادي”.

ترتبط آلية التنفيذ بعدة خطوات تبدأ بالتخطيط، الإعلان والتوعية، إصدار العملة الجديدة، فترة التداول المزدوج، وأخيراً سحب العملة القديمة، بحسب الدكتور حمادة.

“لا لتخزينها”، يقول أشخاص تحدثنا معهم يعتمدون أساليب متنوعة لحمل ما لا يتجاوز قيمته 100 دولار أمريكي، لكن فقط لتسيير المعاملات النقدية اليومية البسيطة.

يجلس ضياء العلي محاسب في شركة مبيعات مواد غذائية خاصة في دمشق بين كومتين من النقود  رفقة  عاملين أمام كل واحد منهم آلة لعدّ النقود. نصف ساعة أمضوها لإحصاء مبلغ لا يتجاوز 30 مليون ليرة سورية (ما يعادل 2,600 دولار أمريكي بسعر تصريف 11,500 ليرة لكل دولار).

يقول العلي “مهمة عدّ النقود باتت العبء الأكبر يومياً، تمثل جهداً ووقتاً ضائعا بلا جدوى، إذ لا يقتصر الأمر على عدّ العملة إنما على تلف جزء كبير من الإصدارات القديمة التي لا يمكن عدها على الآلات وإنما يدوياً”.

يضاف إلى ذلك، بحسب العلي، “ضرورة تصريف كل تلك المبالغ يومياً للدولار الأمريكي مخافة تخبطات سعر الصرف، وما يرافقه من خسائر التصريف بين سعري الشراء والمبيع للدولار”.

غير بعيد عن الشركة التي يعمل ضياء العلي محاسباً ضمنها، يكرر أبو خالد، العائد من الشمال السوري إلى بيته في الحجر الأسود، عدّ نقود لفاتورة اشتراها من أحد المتاجر. يقول “عند شراء أبسط احتياجات المنزل أضطر لدفع رقم كبير وأكرر عملية العد عدة مرات للتأكد من صحة المبلغ”.

أرقام بلا قيمة والميزان بديل آلة عد النقود

تعلم أبو خالد طريقة جديدة لعدّ النقود، عبر وزنها، بعد أن رأى أحد أصحاب المحلات التجارية ينفذها، فـ “حفظ الوزن أسهل من العدّ”، على حدّ قوله.

يشرح أبو خالد أن “وزن رزمة نقود مكونة من مئة قطعة من فئة خمسة آلاف سورية يساوي 98 غراماً، 100 غرام هو وزن رزمة نقود مكونة من مئة قطعة من فئة ألفي ليرة، 97 غرام هو وزن رزمة نقود مكونة من مئة قطعة من فئة ألف ليرة”. ورغم ارتفاع احتمالية الخطأ إلا أن “قيمة أي خطأ لا تساوي الوقت الضائع بعدّ رزمة كاملة من النقود”، على حدّ قوله.

خسارة المبالغ الصغيرة في كل عملية حسابية عند الشراء، مشكلة أخرى نقلها من تحدثنا إليهم، جراء عملية تقريب السعر إلى أقرب خمسمائة أو ألف ليرة. تقول آمنة المحمود، سيدة تعيش في السبينة بريف دمشق، أن تقريب السعر يكون دائماً لصالح البائع لا المشتري.

وتشرح ذلك بأن “ناتج أي عملية حسابية بين 100 و450 ليرة يتم احتسابها 500 ليرة تلقائياً وإذا كان الناتج يتراوح بين 600 و 950 ليرة يتم احتسابها 1000 ليرة”.

ويمتد تقريب المبالغ ليطال الأسعار أيضاً إذ يمكن ملاحظة أن جل الأسعار باتت مقتصرة على فئتي الـ 500 والـ 1000 ليرة ومضاعفاتهما، فلا حاجة لأجزائهما مع غياب شبه كلي للفئات النقدية من 50 و100 و200 ليرة من التداول، بحسب زياد الصالح، صاحب محل تجاري في دمشق.

تكاليف إعادة الطباعة

تتراوح  تكلفة طباعة ورقة نقدية ما بين 5 إلى 15 سنتاً للورقة النقدية الواحدة، وذلك تبعاً للمواصفات التقنية والفنية. يوضح الجدول التالي التكلفة التقديرية الدنيا والعليا لاستبدال الفئات النقدية الحالية:

العملة الحاليةالعملة الجديدةتكلفة الطباعة الدنيا
5 سنتات
تكلفة الطباعة العليا
15 سنتاً
تعادل من قيمة الورقة النقدية القديمة عند الحدود الدنياتعادل من قيمة الورقة النقدية الجديدة عند الحدود الدنيا
5005SYP            5.75SYP        17.25115%345%
100010SYP            5.75SYP        17.2558%173%
200020SYP            5.75SYP        17.2529%86%
500050SYP            5.75SYP        17.2512%35%

يظهر الجدول أن الجدوى الاقتصادية تزيد كلما ارتفعت قيمة الأوراق النقدية، وأن تكلفة قيمة الورقة النقدية الجديدة، أيّاً كانت قيمتها أعلى من القديمة. 

بناء على ذلك، وعلى سبيل المثال، تتراوح  تكلفة طباعة ورقة 50 ليرة جديدة (بديل ورقة 5000 ليرة حالية) بين 5.75 و 17.25 ليرة جديدة (575 و 1725 ليرة سورية حالية) وهي تعادل ما بين 11.5% و 34.5%  من قيمتها الشرائية وذلك يعني أن طباعة ما قيمته دولار واحد يكلف 26.5 سنتاً في الحدود الدنيا و 79.35 سنتاً في الحدود العليا، وذلك يجعل طباعة أوراق نقدية أصغر من 50 ليرة يكلف أكثر من قيمتها الشرائية.

آمال ومخاوف

تزايد الأنباء عن قرب استبدال العملة، عبر حذف صفرين منها، ونشر معلومات عنها تباعاً يضع سكان في سوريا بين أمل في تحسن اقتصادي وتسهيل المعاملات وبين مخاوف من اضطرابات استبدال العملة.

يرى ضياء وأبو خالد وغيرهم  أن استبدال العملة السورية يسهل معاملاتهم اليومية ويخفض الوقت اللازم لإجرائها والحفاظ على القيمة الحقيقة لمقتنياتهم النقدية، بينما تمثل نقطة الحفاظ على القيمة الحقيقية للنقود مخاوف عامة من القدرة على الحفاظ على القيمة الحقيقية للنقود التي يمتلكها السكان.

من داخل أحد مكاتب الصرافة في دمشق، يوضح الصراف محمد الأحمد (35 عاماً)  أن المكاتب “تعيش على هامش الخطأ في العدّ”. ويضيف: ‘الفرق بين 11,500 و11,550 ليرة للدولار قد يعني خسارة مئات الآلاف عند تحويل مبالغ كبيرة. العملة الجديدة ستمنحنا دقة أعلى وتقلل هامش الخطأ البشري الذي يكلفنا كثيراً.

المخيف في استبدال العملة، بحسب الصراف الأحمد “أن الفترة الانتقالية قد تشهد فوضى في تحديد الأسعار، ونحن كصرافين سنكون في مواجهة مباشرة مع حيرة الناس”.

تغيب، بنظر علي الموسى، الرؤية الواضحة لما قد تكون عليه الفئات الجديدة التي لم يعلن عنها صراحة إلى الآن، رغم أن حاكم مصرف سوريا المركزي د. عبد القادر الحُصرية أوضح في تصريح لوكالة الأنباء السورية سانا أن العملة الجديدة ستصدر بست فئات مختلفة، لتلبية احتياجات التداول اليومية بكفاءة أكبر، وستتراوح هذه الفئات بين الصغيرة والمتوسطة والكبيرة لضمان سهولة التعامل النقدي في الأسواق.

يتساءل الموسى ما إن “كانت  مليون ليرة سورية والتي ستصبح قيمتها بعد الاستبدال عشرة آلاف ليرة قادرة على شراء الكمية نفسها من المواد أو السلع”. يقول الموسى إنه “يخشى من استغلال التجار حين استبدال العملة وخسارتنا لجزء من المقتنيات النقدية جراء ذلك”.

تلك المخاوف أجاب عنها حُصرية في مقابلة تلفزيونية بأن تغيير العملة يقتصر فقط على القيمة الاسمية للعملة بهدف تبسيط المعاملات، يقول “نحن واعين لكل شيء ونحاول تخفيف المخاطر المرافقة لإصدار العملة الجديدة”.

إصدار العملة

ينظم قانون النقد الأساسي رقم (23/2002) عملية إصدار العملة في سوريا ويتولى تلك المهمة المصرف المركزي، إذ يمنح القانون الحالي الشرعية لإقرار استبدال العملة في المادة رقم 16. ويترك القانون الكيفية والآليات للسلطة النقدية دون تحديد واضح سوى لمدة الاستبدال التي لا يجب أن لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد عن خمس سنوات في المادتين رقم 19 و20 من القانون.

تمر عملية الاستبدال بحسب حُصرية بثلاث مراحل: قبل الاستبدال وما تتضمنه من عملية دراسة وتخطيط ومرحلة التعايش التي تتضمن إصدار العملة وبدء الاستبدال.

خلال الأشهر الست ّ الأولى  يكون الاستبدال عبر المصرف المركزي، و تنتهي مرحلة الاستبدال التام بعد خمس سنوات من الإصدار الجديد، إذ يكون خلالها المصرف المركزي ملزماً باستبدال العملة القديمة.

بحسب النشرات التقنية الصادرة عن المصرف المركزي، فإن العملة الجديدة ستتضمن تقنيات أمان متطورة يصعب تزويرها، كما أنها ستُطبع على مواد متينة تتحمل التداول لفترات أطول، ما سيقلل من مشكلة تلف الأوراق النقدية التي يشكو منها التجار والمواطنون اليوم. ونشر حُصرية عبر منصة لينكدإن أن العملة الجديدة تحتوي على تقنيات بريل التي تمكّن ذوي الإعاقة من التعامل بها و بكل سهولة.

مناطق تغيب عنها الليرة السورية إلى الآن

تغيب الليرة السورية بصورتها الحالية عن التعاملات اليومية في الشمال السوري الذي يعتمد بشكل أساسي على الليرة التركية، منذ تموز 2020،  مع بقاء مراكز البريد التركي PTT  كوسيلة رئيسة لإدخال رواتب المنظمات الإنسانية إلى سوريا، خاصة مع عدم تفعيل نظام سويفت المصرفي بشكل فعلي رغم رفع العقوبات عن سوريا جزئياً.

يتساءل محمد لطفي، موظف في منظمة إنسانية تعمل في إدلب، عن إمكانية التعامل بالليرة السورية الجديدة مع الاعتماد الحالي الكلي على الليرة التركية. يقول لطفي: أنا ملزم إلى الآن باستلام راتبي بالليرة التركية عبر PTT ولا نملك تصوراً واضحاً حول ما ستؤول إليه معاملاتنا النقدية مع الإصدار الجديد لليرة السورية وحتى عن مصير أو مستقبل مراكز الـ PTT التي أرهقتنا خلال الأعوام الماضية.

بعد أزيد من عقد من الزمن على بدء تردي قيمة الليرة السورية يجد سوريون أنفسهم أمام اختبار جديد، بين أن يكون استبدال العملة مجرد تغيير للشكل الخارجي، أو أن يكون بوابة لعقد اقتصادي جديد.

لا تكمن الإجابة في الورقة النقدية الجديدة، بل في القدرة على تحويل هذا الإجراء الفني إلى ثقة حقيقية، تستعيد بها الليرة السورية ليس فقط أصفارها المفقودة، بل وقيمتها.