فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

عودة إلى الأرض.. مزارعو إدلب وحماة يكافحون لإحياء بساتين الفستق الحلبي

أميمة محمد

الذهب الأحمر واجه الجفاف والآفات في غياب مزارعيه، بعض الأشجار نجت، وأخرى لم تصمد. بعد العودة يبدأ المزارعون رحلة إعادة النشاط والإنتاج إلى حقولهم

على أطراف مدينة كفرزيتا بريف حماة الشمالي، يقف عبد الله المصطفى بين شتلات الفستق الحلبي التي زرعها منذ أربعة أشهر تقريبًا. يلمس أغصانها الغضة بهدوء، وكأنه يلمس أنامل طفله الصغير، ويقول بصوت منخفض: “لابدّ من إحياء الأرض من جديد، حتى لو لن تبدأ بالإثمار قبل أن تصل لعمر عشر سنوات”.

يمتد بستان عبد الله على مساحة 85 دونمًا، منها 35 دونمًا غُرست بالفستق الحلبي منذ نحو أربعين عامًا. قبل عشر سنوات كان البستان يضم نحو 450 شجرة فستق مثمرة، أما اليوم فلم يبقَ سوى ستين شجرة، معظمها في حالة ضعيفة. يصفها عبد الله قائلاً: “الأشجار المتبقية مثل عجوز أنهكه المرض ويترقب موته”.

آثار الإهمال بعد الغياب

غياب المزارعين عن أراضيهم لعقدٍ كامل ترك أثرًا عميقًا على الأشجار. انتشرت الآفات والحشرات التي أضعفت الجذور، بينما تعرضت مساحات واسعة للقطع من قبل تجار الحطب وعناصر نظام الأسد. يقول عبدالله: “حتى الأشجار التي نجت من القطع لم تنجُ من الآفات، سنوات الإهمال كانت كافية لتفتك بحقلي”.

منذ عودته، يحاول عبد الله إحياء ما تبقى من أرضه. بدأ بزراعة شتلات فستق حلبي جديدة، اشتراها بسعر 1.5 دولار للغرسة الواحدة، إضافة إلى تكاليف الحفر التي تصل إلى دولار واحد لكل حفرة باستخدام آلة حفر، ونصف دولار لكل حفرة باليد.

أشجار فستق حلبي متضررة من الجفاف والآفات في ريف إدلب
أشجار فستق حلبي متضررة من الجفاف والآفات, مدينة مورك بريف حماة, 2025.

أما الري، فهو التحدي الأكبر، إذ يعتمد على صهاريج المياه التي تكلف نحو 20 دولارًا للصهريج الواحد بسعة 25 برميلًا. يشرح قائلًا: “قلة المياه والجفاف جعلت السقاية عملية مكلفة، لكنها الخيار الوحيد”.

الحقول بلا حياة

مشهد البستان تغيّر كثيرًا عن الماضي. الأشجار ضعيفة، التربة بلونها الباهت توحي ببداية تصحّر، يصف عبد الله. حتى الزراعات الأخرى لم تسلم، إذ تراجع إنتاجها بشكل ملحوظ. ويشير إلى أن حرائق افتعلت في جذور الأشجار لقتل فرص نمو فروع جديدة منها، إضافة إلى الغبار الناتج عن الدمار والأنقاض، ما زاد من صعوبة الزراعة والإنتاج.

يؤكد عبد الله أن إعادة زراعة الأشجار هي الطريق الوحيد أمامه. يقول: “الفستق الحلبي شجرة تحتاج صبرًا، لكن قيمتها الاقتصادية تجعلها تستحق الجهد. نحن نزرع اليوم من أجل الغد، إن لم نجنِ نحن فسيجني أطفالنا”.

رحلة العودة إلى الأرض

يعود مزارعون في قرى وبلدات ريفي إدلب وحماة، بخطى مثقلة، إلى أراضيهم المزروعة بالفستق الحلبي بعد سنوات طويلة من النزوح. كانت الأرض مصدر رزق لهم وموسم “الذهب الأحمر” كما يعرف في المنطقة، بينما باتت اليوم عبئًا عليهم، إذ تحتاج إلى عناية مضاعفة وتكاليف باهظة تفوق قدرة الأهالي الذين أرهقهم النزوح وأعباء ترميم منازلهم.

أبو أحمد، نازح عاد إلى قرية “لحايا” شمالي حماة، يتجول بين أشجار الفستق الحلبي في حقله، يتحسس الأوراق والأغصان ويتفقد الجذور بعناية. يفعل ذلك بشكل شبه يومي عقب عودته عام 2020 بعد سنوات من الغياب، إذ وجد حقله في حالة يرثى لها.

يروي قائلاً: “بعد سنة من انطلاق الثورة وما تبعها من تصعيد عام 2012 تركنا قريتنا قسرًا، وعندما عدنا كانت نصف الأشجار في حقلي قد يبست. بدأنا بتقليم الأشجار وتخليصها من اليابس، وعمدنا إلى رش الأدوية وإضافة الأسمدة. لكن الضرر كان كبيرًا، الجذور أصابتها حشرة الكابنودس والثاقبة وتسببت بموت عدد من الأشجار، إضافة إلى ما تعرضت له أشجار أخرى من قطع وسلب”.

يمتلك أبو أحمد خمسين دونمًا مزروعة بـ 750 شجرة فستق، قُطع منها نحو 150 شجرة. وكانت أرضه تنتج قبل الحرب عشرة أطنان من الفستق، بينما لا يتجاوز إنتاجها اليوم طنًا واحدًا بالكاد يغطي جزءًا من نفقات العناية بها.

يوضح: “تكلفة الدونم الواحد تصل إلى مئة دولار سنويًا بين سقاية وفلاحة وأدوية وأسمدة، كما يبلغ سعر صهريج الماء الواحد 150 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل 15 دولار، ويختلف ذلك حسب بعد البئر عن الأرض”.

تحديات مشتركة

 مئات المزارعين في ريفي حماة وإدلب يواجهون المشكلة ذاتها التي يواجهها عبد الله وأبو أحمد، وربما كان حال أبي أحمد أفضل من غيره بكثير، إذ عاد قبل خمس سنوات من سقوط نظام الأسد. يقول: “استدركت أرضي بأعجوبة وإلا كنت لن أجد أشجارًا منتجة هذا العام”.

شجرة فستق حلبي متيبسة بسبب حشرة الكابنودس في ريف مدينة إدلب
شجرة فستق حلبي متيبسة بسبب حشرة الكابنودس، مدينة مورك بريف حماة، 2025.

رغم أن سعر الكيلوغرام الواحد من الفستق ارتفع هذا العام إلى أكثر من أربعة دولارات مقارنة بدولارين في العام الماضي، بحسب أبي أحمد، ومع ذلك فإن ضعف المحصول لم ينقذ المزارعين. إذ يرى من التقينا بهم أن: “نجاح الفستق أهم من سعره، لكنه بحاجة إلى خدمة وعناية بعد سنوات طويلة من الإهمال، ولا إمكانيات لدى أصحاب الأرض لتركيب شبكات طاقة شمسية لتشغيل مضخات المياه”.

بيع قطعة أرض لإنقاذ ماتبقى

تتكرر المشكلات مع مزارعين آخرين، وربما كان ما حدث مع أبي خالد، مزارع من قرية المصاصنة شمالي طيبة الإمام قاسيًا جدًا.

فبعد رحلة نزوح دامت أكثر من عقد من الزمن، عاد ليجد أرضه متعبة وأشجارها بحاجة إلى عناية مضاعفة. يقول: “الأرض استنزفت طاقتنا وجيوبنا، ولم نعد قادرين على تحمّل التكاليف الكبيرة لإعادتها كما كانت”.

اضطر أبو خالد إلى بيع 15 دونمًا، أي أكثر من نصف أرضه، ليتمكن من خدمة الجزء المتبقي وإعادة إحياء ما نجا من أشجار الفستق. يوضح أبو خالد أن تكاليف السقاية والمبيدات والأسمدة فاقت قدرته على الاحتمال، وأن المزارعين بحاجة ماسة إلى دعم حكومي في توفير الأدوية الزراعية ومكافحة الآفات الحشرية، حتى تستعيد هذه البساتين عافيتها وتعود لتكون مصدر رزق كما في السابق.

موسم ضعيف

في خان شيخون، يروي وسيم النجم، نازح عاد عام 2022 وصاحب غربال وقشارة فستق حلبي، أن الموسم هذا العام كان “معدومًا”. يقول: “لم أقم بتشغيل القشارة هذا العام، فلم تتوفر كميات مناسبة، بينما العام الماضي قشرت أكثر من ثلاثة أطنان”.

يشير وسيم إلى أن نحو 20 بالمائة من الحقول ضُربت بحشرة الثاقبة، وأن غياب المكافحة ساهم في تفشي الآفات، بينما أسهم قطع الأشجار من قبل قوات نظام الأسد وانتشار الأمراض في تدهور الإنتاج. 

يعلق وسيم بحسرة: “الإنتاج ضعيف جدًا بسبب شح الأمطار والجفاف”، ويكرر ما قاله أبو أحمد عن حاجة المزارعين لأنظمة طاقة شمسية لضخ المياه. ويختم: “نجاح الفستق بحاجة إلى رعاية”.

أسعار الفستق اليابس هذا الموسم تراوحت بين 8 و 10 دولارات لكل كيلوغرام واحد، بحسب جودة الحبوب وحجمها، فالأراضي التي رويت بالماء بانتظام تنتج حبوبًا أفضل وتباع بسعر أعلى مقارنة بالأراضي قليلة السقاية، لكن ضعف الكميات جعل ارتفاع السعر عن العام الماضي بلا جدوى.

شهادات رسمية

في تصريح خاص لمديرية الزراعة في إدلب، تبلغ المساحة المزروعة بالفستق الحلبي نحو 10,500 هكتاراً، أي ما يعادل 13 بالمائة من إجمالي المساحات المزروعة في سوريا، بعدد يقارب 1.6 مليون شجرة، تنتج سنويًا ما يقارب 16,500 طناً من الفستق الحلبي.

غير أن هذه الأرقام لم تبقَ على حالها، فبحسب الشهادات الميدانية وصور الأقمار الصناعية، تعرضت بساتين الفستق في ريف إدلب الجنوبي مثل كفرنبل ومحيطها إلى عمليات حرق واقتلاع وقطع ممنهج للأشجار خلال فترة سيطرة نظام الأسد، بنسبة تجاوزت 80 إلى 90 بالمائة، فتحولت بلدات مثل تل حزارين وكفرنبل ومعرتحرمة وبسقلا وحاس إلى ما يشبه “الأرض السليخ” الخالية من الأشجار.

ذات صلة:

محصول الفستق الحلبي في حماة يجنى بالمزادات

في ريف حماة.. مقابر مفتوحة لأشجار الفستق

“الفستق الحلبي” ذهب سوريا الأحمر الضائع

توضح المديرية أن المساحة الإجمالية لمنطقة كفرنبل وحدها تبلغ 22,900 هكتار، منها نحو 13,000 هكتار مزروعة بالأشجار المثمرة، يشكل الزيتون النسبة الأكبر منها، بينما تتوزع زراعات التين والكرمة والفستق الحلبي بنسب أقل بحسب طبيعة الأرض.

ولم تتوقف المشاكل عند هذا الحد، فبحسب شهادات عدة، مارس النظام تضييقًا ممنهجًا على من حاول البقاء في قراهم لسنوات طويلة قبل انسحابه، إذ كانت فلاحة الأرض بحاجة إلى موافقات أمنية معقدة، وأي مزارع يخدم أرضًا لا تعود ملكيتها له كان معرضًا للاستجواب والسجن.

شهادات أخرى أكدت أن قلة قليلة من المدنيين تمكنوا من العناية بأراضيهم، فيما تحولت بقية الأراضي إلى بؤر للاشتعال بسبب الأعشاب اليابسة وغياب الحراثة.

 كما لجأ مسؤولون في مؤسسات نظام الأسد إلى “تضمين المواسم” عبر جمعيات ومزادات علنية، كان ظاهرها خدمة المستثمرين ماديًّا لكن فائدتها الأكبر تعود إلى المسؤولين، فمن يضمن الأرض لا يهتم بالحفاظ على الأغصان والأشجار، وكل همه جني المحصول، بحسب ما شرح لنا مزارعون التقيناهم.

شجرة فستق حلبي مصابة بحشرة الكابنودس في ريف مدينة إدلب
شجرة فستق حلبي مصابة بحشرة الكابنودس، مدينة مورك بريف حماة، 2025.

في كفرسجنة وخان شيخون مثلًا، تولى مسؤول يُعرف باسم “أبو أسد” إدارة هذا القطاع، ولم يكن يسمح بحراثة الأرض أو رش المبيدات إلا بشروط، مانحًا المزارع يومًا واحدًا فقط للدخول إلى أرضه مقابل اقتطاع نصف الإنتاج لحسابه الخاص.

 محاولة لإنقاذ الحقول

قال المهندس الزراعي علي عبدالله الصالح، الموظف السابق في مكتب الفستق الحلبي بحماة: “أشجار الفستق تعرضت خلال سنوات التهجير لأضرار مختلفة، أدت إلى موت أعداد كبيرة منها، نتيجة عدم قدرة المزارعين على الوصول لأراضيهم وما تبعه من قطع مباشر للأشجار”.

وأضاف: “أخطر ما واجه أشجار الفستق هو آفة الكابنودس، حشرة تضع بيوضها في جذور الأشجار فتتسبب بموتها بعد فترة. غياب المزارع سمح لهذه الحشرة بالانتشار، رغم أن الفستق مقاوم بطبيعته إن لقي العناية اللازمة”.

وتابع: “خسرنا أشجارًا عمرها أكثر من سبعين عامًا، بعضها كان ينتج أكثر من ستين كيلوغرامًا للشجرة الواحدة. كذلك تم قطع مئات أشجار الزيتون والفستق، ما أدى إلى خسائر اقتصادية كبيرة ما زالت آثارها مستمرة”.

إنقاذ ما تبقى من الأشجار المصابة ممكن، بحسب الصالح الذي أكد أن ذلك يتم عبر مكافحة الآفات وتعاون المزارعين، بينما الأشجار الميتة لا بد من استئصالها وزرع غراس جديدة مكانها. يقدّر الصالح تكلفة إعادة زراعة الدونم الواحد بما يقارب مائتي دولار، والغرسة تحتاج من 7 إلى 10 سنوات حتى تدخل طور التبشير والإنتاج.

وأشار إلى أن الجفاف أثر على حجم الثمار وطعمها وجودتها، ما يستدعي إدخال نظم ري حديثة مثل الري بالتنقيط لضمان إنتاج مستقر. يقول: “شجرة الفستق شجرة ذهبية، ذات قيمة اقتصادية وغذائية وتصديرية كبيرة”، ويدعو المزارعين إلى إعادة زراعتها واختيار غراس جيدة والعناية بها، فهي استثمار طويل الأمد ومصدر رزق لا يعوض.

تقديرات حديثة

عادل هواش، مدير مكتب الفستق الحلبي في وزارة الزراعة السورية، قال لفوكس حلب إن الموسم الحالي ضعيف مقارنة بالسنوات السابقة نتيجة تقلص المساحات المزروعة بسبب سياسة نظام الأسد التي اعتمدت الحرق والقطع الممنهج لأشجار الفستق الحلبي ما أدى لتدني الإنتاجية.

يخبرنا هواش أن انخفاض معدل الأمطار الموسم الماضي، إلى جانب التغيرات المناخية، أثر على البساتين البعلية. وزاد الأمر سوءًا ضعف إمكانيات المزارعين بعد 14 عامًا من التهجير، فضلًا عن القوانين الجائرة التي سمحت لتجار الأزمات بالاستيلاء على أراضي المهجرين دون تقديم أي خدمة، بل سرقة المحصول وتكسير الأغصان أثناء القطاف دون مبالاة.

محاولة استخراج حشرة الكابنودس من شجرة فستق حلب متضررة في ريف مدينة إدلب
محاولة استخراج حشرة الكابنودس من شجرة فستق حلبي متضررة، مدينة مورك بريف حماة، 2025.

تتمثل أبرز التحديات اليوم برأي هواش في ضعف الإمكانيات المادية للمزارع، وعدم قدرته على ري بساتينه أو تقديم الأسمدة اللازمة ومكافحة الآفات، خاصة في ظل موجات الجفاف وانتشار الأمراض.

وأوضح إلى أن التقديرات الأولية تشير إلى إنتاج 18,273 طنًا من الفستق الحلبي في ريفي حماة وإدلب هذا الموسم، 2025، مقابل 35,933 طنًا في موسم 2024، أي بانخفاض يقارب 17,660 طنًا. 

يعمل مكتب الفستق الحلبي اليوم على رفع الخطط والمقترحات التي تخص إعادة تأهيل الحقول ودعم هذه الشجرة الى وزارة الزراعة، كما يجري المكتب جولات ميدانية في مناطق الإنتاج للاطلاع على الحالة العامة للأشجار بشكل دوري وتقديم الإرشادات الفنية للمزارعين، ونقل احتياج المزارعين الضرورية لوزارة الزراعة.

وتحدث عن تعاون بالشراكة البحثية بين وزارة الزراعة ومنظمة الأغذية العالمية FAO لدراسة سلسلة قيمة الفستق الحلبي، وتحديد نقاط الضعف وأولويات التدخل لإحيائها.

وختم بالقول: “الرؤية المستقبلية للحفاظ على الفستق الحلبي تكمن في إعطاء هذا المحصول أولوية في خطط الدعم، من خلال توفير غراس جيدة، وأسمدة، ووسائل ري، أو قروض ميسرة للمزارعين، ودعم خطط المكافحة الجماعية للآفات. فالفستق الحلبي ليس مجرد محصول محلي، بل مصدر دخل استراتيجي ومورد مهم من العملة الصعبة عبر التصدير”.

تتقاطع شهادات المزارعين العائدين في ريفي إدلب وحماة عند نقطة واحدة: التمسك بالأرض رغم كل شيء. يواصل هؤلاء رعاية أراضيهم المثقلة بالإهمال وخسارة الأشجار، على أمل أن تستعيد حقول الفستق الحلبي عافيتها يومًا ما، وتعود كما كانت مصدر رزق لهم ولعائلاتهم.