فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

أعزاز… المدينة التي لم تُغلق بابها في وجه أحد

ديمة سعيد

قبل الحرب كانت مدينة صغيرة وربما هامشية، وبعد الحرب صارت نقطة التقاء، احتضنت التعدد واختبرت معنى التعايش اليومي

ليست مجرّد حدود جغرافية على الخريطة السورية، أو بقعة مأهولة بالسكان، بل مدينة مدّت ذراعيها لتحتضن آلاف المهجّرين. بين أزقتها تسمع حكايات أناس جاؤوا من أماكن مختلفة، حاملين لهجاتهم ومأكولاتهم وملابسهم وعاداتهم، فجمعت داخل بيوتها خليطًا من الأعراف والتقاليد، وتحوّلت جدرانها إلى أكتاف يستند إليها من فقد كل شيء.. إنها مدينة أعزاز شمال غربي مدينة حلب.

مدينة الفرص الثانية

شهدت أعزاز تحولات عمرانية وسكانية كبيرة خلال سنوات الثورة السورية، فازدهرت بُناها التحتية وكثرت فيها المصانع والشركات، وانتشرت فيها الجامعات والمدارس، لا سيما مع موجات النزوح القادمة من أرياف إدلب وحمص وحماة وحلب ومناطق سوريّة متعددة.

“المدينة لم تكن فقط ملاذًا مؤقتًا، بل كانت نقطة انطلاق لحياة جديدة: التعليم، العمل، والأمل” يقول مهجرون يستعدون للعودة لمدنهم بعد انتهاء العام الدراسيّ مباشرة، وآخرون افتتحوا مشاريعهم يرون أن بقاءهم في المدينة أنسب من عودتهم لقرى انتشلت من الموت حديثًا.

من بين هذه القصص تبرز حكاية المهندس الميكانيكي أبو محمد، والد الشاب محمد عثمان، من بلدة منغ بريف حلب الشمالي بدأت الفكرة بسؤال عابر من أحد المعارف عن إمكانية تركيب مصاعد كهربائية، لتتحوّل لاحقًا إلى مشروع متكامل حمل اسم “تكنو” المتخصصة بالمصاعد الكهربائية.

استفاد أبو محمد من شبكة علاقاته الواسعة ومن موقع أعزاز القريب من معبر باب السلامة والتي تبعد خمسة كيلومترات فقط عن الحدود التركية، فاستورد المعدات والأجهزة اللازمة من تركيا وأسس شركته.

“بعد زيارتنا للبلدة عقب غياب دام ثماني سنوات، صدمنا بالخراب الذي خلفه نظام الأسد، فقررنا إبقاء الشركة في أعزاز والعمل على التوسع منها نحو محافظات سورية أخرى، على أمل أن تُكتب لبلدتنا الأم عودة الحياة بشكل أفضل” يقول محمد.

الغربة تذوب ببطء

قبل الثورة، كانت أعزاز مغلقة بطبيعتها الجغرافية والاجتماعية، بحكم موقعها الحدودي شمال غربي حلب، على بعد 48 كيلومترًا. لكن موجات التهجير غيرت هذه الصورة جذريًّا، فسرعان ما صار المهجرون جزءاً من نسيجها الاجتماعي وتفاعلوا مع سكانها بعفوية.

“بين الواقع ولهفة العودة يبقى حب أعزاز رابطًا لا ينقطع” تقول الطالبة الجامعية شذا شهاب، المهجّرة من مدينة تل رفعت شمالي مدينة حلب، عندما كانت في الرابعة عشرة من عمرها.

تُحدثنا عن أعزاز التي بدت في البداية باردة وغريبة، وجوه سكانها مختلفة، عن الهواء الذي كان يلفحها بالغربة التي خفّت وطأتها بمرور الوقت وبدأت ملامح الألفة تتسلل عبر وجوه الجيران الذين باتوا يشبهون العائلة، وغدت ترى في المدينة بيتًا دافئًا. “سأعود إلى مدينتي، حاملةً في داخلي مدينة أخرى اسمها أعزاز، لن تغيب عن ذهني مهما تبدلت الأيام” تخبرنا شذا.

من العزلة إلى التنوع

تتذكر لمى شيخ سعيد، ابنة المدينة، عن طفولتها في أزقة أعزاز حين كانت الوجوه مألوفة وكأن الجميع عائلة واحدة. تقول إن ارتباط السكان في السابق كان يقتصر على حلب وبعض المعارف من الأكراد المجاورين، أما اليوم، فقد باتت تعرف بلدات لم تسمع بها من قبل، وتخالط عائلات بملامح ولهجات وعادات مختلفة.

في البداية، ساد الحذر بين السكان الأصليين والمهجّرين، لكن بفعل التقاء الطرق خلال قضاء الالتزامات اليومية في الأسواق والجامعات السبعة الموجودة في المدينة، ومنها جامعة حلب، جامعة غازي عنتاب، وغيرها من المؤسسات التعليمية، إضافة إلى وجود من ثلاثين إلى أربعين منظمة تنموية، كلها ساعدت في تسريع وتيرة الانفتاح والاندماج بين أبناء المدينة الذين بلغ عددهم نحو 55 ألف نسمة، بينما وصل عدد المهجرين إلى 190 ألفاً، بحسب إحصاءات المجلس المحلي في أعزاز.

تسكت لمى قليلًا ثم تكمل “إن الحرب رغم مآسيها فتحت أمامنا بابًا لاكتشاف عالم جديد”. تملك لمى صديقات من مدن ولهجات مختلفة عرفناها على أكلات لم تتذوقها من قبل، هنا استحضرت طبق مدينتها الذي يحمل اسم “الكيمشون” المصنوع من البرغل واللحم والبهارات والذي يعتبره الأهالي رمزاً لهوية المدينة. هذا التمازج الثقافي منح لمى نظرة أوسع على سوريا بكل اختلافاتها وتنوعها.

الذاكرة لا تشيخ

أبناء أعزاز الذين غادروها نتيجة ظروف الحرب والقصف والتهجير مازال قلبهم معلقًا بها أيضًا. بدر الدين تلجبيني، الباحث في تاريخ المدينة، سبعيني استقر في تركيا منذ ثلاثة عشر عامًا، يتحدث عنها كما عرف عنها قديمًا “بلدة زراعية تزينها أشجار الزيتون والكرز التي تملأ بساتينها، وتُعرف بمحاصيلها من القمح والبقوليات والخضار التي تباع في أسواقها المحليّة”، كما اشتهرت بتربية الماعز والأغنام والأبقار، لذلك عرف عنها إنتاج جبن الماعز. يصف مجتمعها القديم بالمحافظ، إذ تقلّ مشاركة النساء في الحياة العامة، وتحكم العادات والتقاليد تفاصيل الحياة اليومية.

تغيّر النسيج السكاني نتيجة التهجير جلب معه أنماط حياة جديدة، فظهر أسلوب الحياة الأكثر انفتاحًا، وبدأت العائلات تقصد المقاهي بعد أن كانت تقتصر على الرجال فقط، وافتُتحت الأسواق الجديدة على الطراز الحلبي. كل ذلك أضفى على المدينة نبضًا اجتماعيًّا وثقافيًّا مختلفًا، جمع بين الأصالة والتجدد.

أعزاز.. تاريخ، أثر، وهوية

يحدّثنا بدر الدين عن العشائر الكبرى التي صنعت الملامح الاجتماعية للمدينة، مثل عشائر العجيل، الجيسات، النعيم، بني خالد، البوخميس، طي، الدمالخة، والتركمان وعشائر أخرى، فهي بُنية سكانية خليط من عرب وكرد وتركمان.

وتحمل المدينة إرثًا تاريخيًّا عريقًا، إذ وردت قديمًا باسم “هازاز” حين دخلها الآشوريون، ثم “تل أعزاز”، واستقر اسمها أخيرًا على “أعزاز” أو “عزاز” أو “إعزاز”. وتحتضن معالم تاريخية بارزة، مثل الجامع العمري (الجامع الكبير حاليًّا) الذي بُني عام 120 هجري، وقلعة أعزاز التي يعود تاريخها إلى نحو ألفي عام، إلى جانب عدد من معاصر الزيتون مثل معصرة السقيط، وآل الطويل، ودربالة، ما يعكس أهمية أعزاز الاقتصادية وارتباطها العميق بجذورها الزراعية.

اندماج ثقافي وهوية جديدة

في الجانب المجتمعي، يوضح عبد الكريم ليله، الباحث والمحاضر في علم الاجتماع بجامعة حلب، فرع أعزاز، أن التغيرات الديموغرافية الناتجة عن موجات التهجير أسهمت في خلق تفاعل اجتماعي ملحوظ. فبرزت مظاهر الاندماج عبر الزواج بين السكان الأصليين والوافدين، ومشاركة المهجرين في سوق العمل.

“لكن هذا التعايش لم يخلُ من التحديات” يؤكد ليله، فقد شكّلت الفروقات الثقافية والاجتماعية أحيانًا عائقًا أمام الاندماج السلس، لأن المجتمع السوري ذو طبيعة غنيّة بالتنوع الثقافي سواء على صعيد العادات اليومية أو المظهر العام واللباس، وكذلك التفكير.

أما الجانب النفسي فيلفت ليله إلى أن المهجرين غالبًا ما يتعرضون لضغوط نفسية نتيجة الظروف القسرية التي دفعتهم للنزوح، والتي قد تؤدي إلى توترات أو خلافات بين الأفراد تتصاعد أحيانًا إلى نزاعات بين جماعات تنتمي لمناطق مختلفة.

ويرى ليله، الذي استقر في مدينة أعزاز منذ خمس سنوات، أن التحولات في نمط العلاقات الاجتماعية والعادات اليومية كانت أمرًا حتميًّا نتيجة التأثير المتبادل بين السكان الأصليين والوافدين الذي غيّر نسبيًّا في العادات والسلوكيات اليومية، في عملية تُعرف بـ”العدوى الاجتماعية”، حيث تأثر كل طرف بالآخر بدرجات متفاوتة، حسب حجم التفاعل ودور الأفراد في المجتمع.

يوضح ليله، أن ملامح هوية مجتمعية جديدة بدأت تتشكّل في أعزاز ومناطق الشمال السوري عامة، نتيجة سنوات النزوح الطويلة. لكنها ما تزال هوية غير مكتملة، خصوصًا مع بدء عودة بعض المهجرين إلى مدنهم الأصلية بعد تحريرها، ما يُدخل المجتمع السوري مرحلة جديدة من التحولات التي قد تعيد رسم معالم الهوية العامة وفق معطيات الواقع المستجد.

لم تكن المدينة محطة عبور، بل هي اليوم مثالٌ لتجارب التعايش وإعادة البناء الاجتماعي والاقتصادي. تبقى التحديات قائمة، غير أن قدرة المدينة على احتضان التنوع وتجاوز الصعوبات تشكل نموذجًا يُحتذى به في مواجهة أزمات اللجوء والتهجير.