فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

سوق الحمام في أعزاز يهاجر إلى “واتس آب”

شغف البري

تحوّلت تجارة الحمام في أعزاز من الأسواق التقليدية إلى مزادات رقمية على واتس آب تجمع أكثر من ألف تاجر وهاوٍ في كل ليلة

داخل غرفته، في مدينة أعزاز، يجلس تاجر الحمام أبو محمود، محدّقًا في شاشة هاتفه، يترقب ساعته باستمرار وكأنه ينتظر حدثًا مصيريًّا، “بقي دقيقتين على بدء المزاد”، يتمتم بصوت خافت، وعيناه لا تفارقان إشعارات واتس آب المتسارعة.

“قهوة حمام” التي كانت ملتقى للهواة والتجار تحولت إلى مجموعات دردشة رقمية. يخبرنا أبو محمود: “كانت القهوة سابقًا مكانًا لعرض الحمام والنقاش حول أنواعه وأسعاره وميزاته وجهًا لوجه، لكن بعد ذلك أنشأنا مجموعة واتس آب للمزاد الإلكتروني، تضم مئات التجار والهواة، نعرض فيها الطيور بالصوت والصورة، ونبيعها دون الحاجة للقاء مباشر”.

لم يعد أبو محمود وأقرانه الذين يعتبرون مزاد الحمام مساحة لطلب الرزق بحاجة للوقوف تحت أشعة الشمس الحارقة صيفًا، ولا للتبلل بأمطار الشتاء، بعد أن تحول سوق الطيور من البيع التقليدي إلى فضاء رقمي، قد يتفوق على الأول بالتشويق والمنافسة، ولا يخلو من المخاطرة بسبب غياب الضمانات ووجود لملامح النصب والاحتيال أحيانًا.

المزاد الرقمي.. كل ليلة

عند تمام الساعة الثامنة من مساء كل يوم، يبدأ المزاد، ويستمر حتى منتصف الليل، يعرض التجار فيه الطيور من خلال تسجيل صوتي أو عبر صورة أو مقطع فيديو يتضمن تفاصيل جنسه، منشئه، وصفاته.

الانضمام لهذه المساحة الإلكترونية لا يتم بشكل اعتباطيّ، فهو يحتاج لتزكية أحد الأشخاص المعروفين في مناطقهم لضمان الجديّة والالتزام بشروطه وإتمام عملية البيع أو الشراء، وفي حال تخلف الشخص يتم التواصل مع الكفيل الذي رشّحه.

تعلو أصوات الباعة والراغبين بالشراء عندما يبدأ مالك الطير بعرض مايرغب ببيعه، ويبدأ المزاد بمشاركة الأعضاء بإعطاء السعر الذي يناسب كل هاوٍ، ثم تشتد المنافسة إلى أن يرسو المزاد على من يدفع السعر الأعلى أو المتوافق مع رغبة التاجر، وفي حال فشل البائع بالحصول على السعر المناسب يُعلن عن سحب الطير من المزاد.

“أسعار الطيور تتأثر بتغيرات الأسواق مثلها مثل أيّ سلعة” يقول أبو محمود الذي قدّر نسبة ارتفاع أسعار الحمام بأربعين بالمائة أخيرًا، وذلك نتيجة زيادة الطلب على الحمام الذي لم يعد محصورًا بالشمال السوري بعد فتح الطرق بين المحافظات السورية، الأمر الذي ساهم بدخول أنواع جديدة إلى ريف حلب الشمالي.

من الهواية إلى الإدمان

يمتنع أبو محمود عن عرض سبعين حمامة مفضلة عنده من أنواع مختلفة مثل “الزاجل، الأسود دنب، الكليطي، المرقّع والمكتّف”، يخصص جزءًا من وقته للعناية بها. يقول إنه لم يرغب ببيعها رغم العروض الجيدة التي قدمت له، فهي تمثل له أكثر من مجرد تجارة.

في حال نجاح عملية البيع مع أحد التجار المنضمين لمجموعة المزاد على تطبيق واتس آب التي تضم أبا محمود و ألفًا و ثلاثة وعشرين عضوًا آخرين من الهواة والتجار، يتم الاتفاق على مكان التسليم ضمن منطقة أعزاز في “قهوة حمام”، أما خارج المدينة فـ عن طريق الشحن الذي كان محصورًا قبل سقوط نظام الأسد بمدن الشمال السوري، منها: “مارع والباب وعفرين وإدلب”، بعد أن يتم سداد المبلغ إلكترونيًّا. أما الآن فأصبح الشحن لدول أخرى مثل لبنان والأردن وألمانيا، متاحًا، بحسب تجار تواصلنا معهم.

أحمد يحو، كشاش وتاجر حمام في مدينة أعزاز أعجب بتجربة المزاد الإلكتروني لسهولة الوصول، فهو يوفر عليه تعب قطع المسافات الطويلة لشراء أنواع متوفرة عند بعض التجار والتعرف عليها. لذلك حاول توسيع تجربته بفتح مزاد إلكتروني في منصة تيك توك، لكنها محاولة لم تكلل بالنجاح لصعوبة معرفة الأفراد والتعرف عليهم أو الوثوق بهم.

“في بعض الليالي لا أتمكن من فتح المزاد بسبب انشغالي ببعض الالتزامات فتنهال عليّ الاتصالات من الأعضاء مطالبين إيّاي بعرض الطيور قبل أن تقفل المجموعة” يقول أحمد، ثم يعدد أنواع الحمام التي يتم عرضها، مثل الحمام البلدي، والزاجل الذي يعرض بكثرة في السنوات الثلاث الأخيرة لقوته وذكائه وسعره المناسب الذي يتراوح بين ثلاثة دولارات إلى ألف دولار، بحسب الصنف والنوع.

كما يَعرض بعض التجار أنواعًا من الطيور يتجاوز سعرها ألفي دولار  مثل البايملي والمسود الأزرق، والمسود الأحمر والأصفر. لكنّ أعلى سعر دفع لزوج حمام عند أحمد ضمن المزاد لم يتجاوز سعره مئة دولار أمريكي.

الأسعار تحلق مع الطيور

رغم قسوة الظروف الاقتصادية شمالي سوريا، إلا أن حب الحمام لدى بعض الهواة يدفعهم لتضحيات لا تخطر على بال. يروي أحمد، أن بعض مربي الحمام لا يترددون ببيع ممتلكاتهم أو حتى أدوات منازلهم من أجل شراء طير نال إعجابهم.

أحمد كان حاضرًا في أحد المزادات على بيع أحد التجار لطير بسعر ألفٍ و خمسمائة  دولار. كانت تلك الحمامة من سلالة نادرة تسمى مشمشية، وهي ذات بذور سورية قديمة لم يبقَ منها سوى القليل.

أما خلف الجاسم، يعرّف عن نفسه بهاوي حمام، يتحدث عن طير بيع في أحد المزادات التي حضرها بسعر خيالي وصل إلى سبعة عشر ألف دولار، لكنه لا يرى في هذه الأرقام غرابة، فكما يوضح “الحميماتية، لا يتركون هذه الهواية إلا عندما تنتهي الحياة. إنها هوس لا يُشفى منه”.

ولخلف علاقة خاصة مع إحدى طيوره من نوع الزاجل، يقول إنها نجت من مأساة بعدما التهمت قطة والدتها وهي فرخ صغير. ومنذ ذلك الحين، يعاملها كابنته، يطعمها ويرعاها يوميًّا، بينما تبادله الطمأنينة والود، تجلس في حضنه بلا خوف، وكأنها تدرك حجم العاطفة التي تُمنح لها.

أما محمد شعبان، خياط في مدينة أعزاز يبلغ من العمر سبعة و عشرين عامًا، فيرى أن هذه الهواية تنتقل عبر الأجيال وتتوارثها العائلات أبًا عن جدّ. والده كان “حميماتيًّا” وقد ورث عنه الشغف ذاته. يملك اليوم نحو مئة طير، لكنه يعترف بأنه لا يتمنى لابنه أن يسلك هذا الطريق. “الهواية تسرق الوقت وتُلهي عن العمل والعائلة والدراسة”، حتى أن مربي الحمام قد يمر بمواقف لا يتمالك فيها نفسه، يقول بحزم مستذكرًا حادثة فقد فيها أعصابه وأطلق النار على جاره بسبب إزعاجه المتكرر لطيوره بالتصفير والصراخ.

“الحمام للغني وليس للفقير” هذه المقولة متداولة بين هواة الحمام ومربيه. فأسعار بعض الأنواع المرتفعة تجعل الهواية حكرًا على الميسورين، فيما يستعد الهاوي الحقيقي ليفعل المستحيل من أجل طير يُعجبه، ولو اضطر للاقتراض أو البيع.

ومع أن غالبية الهواة يمارسون هذه الهواية في أوقات فراغهم، إلا أن الاهتمام بها يتطلب انضباطًا يوميًّا؛ طعام، ماء، ورعاية صحية، ما يجعل من الصعب على البعض الاستمرار فيها عند انشغالهم بعمل أو ظروف معيشية متقلبة. يقول محمد الذي يمضي معظم وقته بالاهتمام بطيوره: “أبيع الطيور عندما تكبر في السن أو تمرض، وأظن أن الجيل الجديد لن يحمل هذا الشغف، فاهتماماته باتت مختلفة تمامًا”.

غياب الضمانات.. والكفالة لا تكفي

في عالم البيع والشراء الرقمي، لا تتجاوز معرفة الشركاء حدود الشاشة، يصبح “الضامن البشري” الكفيل لتطابق العرض مع الواقع أو لالتزام المشتري وجميع الأطراف بالشروط المعلنة عند عملية العرض والبيع، سواء بدفع المبلغ أو تسليم الطير الذي يحمل المواصفات نفسها.

لكن رغم هذه الكفالات، يعترف أحمد يحو بأن العالم الرقمي بلا ضمانات فعلية “يبقى الالتزام بالكلمة من الأسس الجوهرية ضمن عملنا كتجار، وأي إخلال يفقد التاجر مصداقيته، ويضعف مكانته أمام المشاركين، ونقوم بحذفه من المزاد لعدم التعامل معه مستقبلًا” لكنه يقرّ بأن هذا النظام لا يمنع حدوث الاحتيال، فالثقة تبقى في حالة اختبار دائم.

ويتفق كلٌّ من محمد شعبان وأبي محمود، من المشاركين في مجموعة المزاد، على أن الكفالة لا تكفي. “أحيانًا نقطع مسافات طويلة لنكتشف أن الحمامة المعروضة ليست حقيقية أو مريضة أو ليست للطرف الذي عرضها أساسًا”، يقول محمد، الذي يفضل الأسواق التقليدية على المزادات الرقمية، خاصة بعد تجاربه مع صور “احترافية، معدّلة” أظهرت الحمام أجمل مما هو في الواقع.

ولم يسلم خلف الجاسم هو الآخر من هذه التحديات. يتحدث عن مناورات في المزاد، إذ يعمد بعض الأعضاء إلى رفع الأسعار بأرقام وهمية لدفع الآخرين نحو مزايدات أعلى. “الطير أحيانًا لا يأخذ حقه، وأحيانًا يُباع بأضعاف قيمته بسبب الحماسة”، يضيف.

ورغم السلبيات، يرى التجار أن التجربة الرقمية منحتهم فرصًا لتوسيع السوق واكتساب خبرة أوسع. فالمزاد الإلكتروني يُشبه لعبة الحظ أحيانًا. أحد التجار اشترى طيرًا بـثلاثمئة ليرة تركية، ليكتشف لاحقًا أنه يساوي ألفًا و خمسمئة ليرة، وعلى النقيض، وقعت حادثة مأساوية في أحد المزادات حين نشب خلاف بين اثنين على طير بدأ بسعر مئة ليرة وانتهى عند ألف و خمسمئة ليرة، وانتهى النزاع بإطلاق نار ومقتل أحد الطرفين وسط دهشة الحضور.

لكن ليس كل ما في المزاد سلبي. يقول أحد المشاركين إنه اشترى حمامة من شخص غريب، ولدى لقائه به اكتشف أنه شخص كان على خلاف قديم معه، وانتهى اللقاء بالمصافحة وتصفية القلوب. “المزادات أحيانًا تصالح الناس كما تفرّقهم”، يختم ضاحكًا.

مع انتقال تجارة الطيور من الأسطح والساحات إلى شاشات الهواتف ومجموعات الدردشة تزداد فرص بيع الطيور وتشتدّ المنافسة، وبين البيع والشراء، تبقى هذه الهواية عالمًا خاصًا لا يفهمه إلا من عاشه أو يعيشه.