فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

في ريف حماة.. مقابر مفتوحة لأشجار الفستق

حفار الساق ينهش جذور الأشجار، والمزارعون يقاومون الآفة وحدهم، بإمكانات شبه معدومة

في أحد حقول الفستق الحلبي بقرية البويضة شمالي حماة، يتنقل مصطفى قسوم، 33 عاماً، بين الأشجار، يبحث بدقة عن حشرات  “الكابنودس” أو حفار الساق التي تغزو موسم الفستق الحلبي هذا العام. يلتقطها بيديه ثم يجمعها في كيس كي يتمكن من التخلص منها نهائياً.

يعمل مصطفى بحراسة المزرعة منذ أكثر من شهرين، يقطع الأغصان المصابة، ويجمع الحشرات ثم يحرقها، وبعدها يرش الأشجار بالمبيدات الحشرية. مهمة يصفها المزارع بالشاقة، كون معظم أشجار الفستق الحلبي يابسة وحالتها سيئة بسبب الإهمال الذي تعرضت له خلال سنوات نزوح الأهالي عنها.

الكابنودس.. عدوّ الشجرة الأول في الربيع

خلال الأعوام الثلاثة الماضية انتشرت بين حقول أشجار الفستق الحلبي حشرة الكابنودس، وهي من أكثر الحشرات فتكاً بالأشجار، تنشط في الربيع وتضع ما بين 200 إلى 400 بيضة في التربة قرب جذر الشجرة، وبعد فقس البيوض تتجه اليرقات إلى الجذور لحفر الخشب والتغذي عليه ما يتسبب بجفاف الشجرة وموتها بالكامل إن لم تُكافح في الوقت المناسب.

في الحقل حيث يعمل مصطفى رغم إصابته في الحرب مرتين، يعتني بأكثر من 700 شجرة فستق، مزروعة في أرض تمتد على نحو 90 دونماً، ويتقاضى 150 دولاراً شهرياً أجرة عمله الذي يتركز حالياً على التخلص من الحشرات وسقاية الأشجار.

مزارع يرش أشجار فستق بالمبيدات الحشرية، قرية عطشان في ريف حماه، أيار 2025.
مزارع يرش أشجار فستق بالمبيدات الحشرية، قرية عطشان في ريف حماة، أيار 2025.

يقول: “منذ الفجر وحتى غروب الشمس أبدأ بضخ المياه الى الحقل لترطيب التربة ومنع فقس البيوض، بالاعتماد على الطاقة الشمسية، وليلاً أتولى حراسة الحقل وهي مهمة شاقة وخطيرة في أرض طرفية”.

يضيف مصطفى أن الخطر الأكبر هو انتشار بيوض الحشرة التي تصبح يرقات تغزو الحقول وتنخر ساق الشجرة حتى تتسبب بجفافها وهلاكها. تنبه مصطفى لوجود الحشرة مطلع شهر نيسان الفائت بعد زيارة مهندس زراعي إلى الحقل محذراً إياه والمزارعين  من خطر  انتشارها في عموم منطقة ريف حماة.

ويعد موسم الفستق الحلبي مصدر دخل أساسي للمزارعين إلا أن سنوات الحرب والنزوح والقصف حرمتهم من العناية بأشجارهم، وأسهمت بانتشار الحشرات الضارة التي تهدد آلاف الأشجار بالجفاف والموت في ظل محاولات حثيثة من المزارعين لإنقاذ مواسمهم وغياب الدعم الحكومي.

يوضح المهندس الزراعي محمد الحمدو آلية مكافحة الكابنودس. يقول “تتطلب تعاونًا جماعياً بين المزارعين في المنطقة ذاتها، إذ أن الرش الفردي لا يجدي نفعاً لأن الحشرات تعود من الحقول المجاورة التي لم تستخدم المبيدات بعد”، مشدداً على ضرورة جمع الحشرات البالغة وقتلها مع تكليس الأشجار وتنظيف الجذور وقلع الأشجار اليابسة لمنع تحولها إلى بؤر إصابة.

يضيف الحمدو أن إبقاء الشجرة رطبة في الفترة التي توجد فيها الحشرات البالغة يخفف من نسبة فقس البيوض بنسبة 90 بالمئة، فضلاً عن ضرورة تعقيم منطقة التربة المحيطة بجذور الشجرة بالمبيدات الحشرية باستخدام مادة الكلوربيريفوس (Chlorpyrifos) التي تقضي على الحشرات التي يصل لها الدواء، أما التي أمضت عاماً في الحفر داخل الجذر فمن الصعب التعامل معها.

يبذل مصطفى ومزارعون كثر في ريف حماة جهوداً مضاعفة يومياً لمكافحة حشرة حفار الساق، منهم من عاد من نزوحه إلى أرضه ووجد نفسه أمام كارثة تحتاج جهوداً وتعاوناً مشتركاً من المزارع المجاورة، فضلاً عن دفع تكاليف مادية ثمن الأدوية الزراعية والمبيدات الحشرية وأجور الفلاحة والسقاية.

وهكذا فعل مصطفى الذي عاد إلى العمل الزراعي تاركاً زوجته وأطفاله في مخيمات تجمع الكرامة التي أمضوا فيها سنوات، باحثاً عن مصدر دخل يعينه في معيشته في ظل شح فرص العمل.

أراضٍ منكوبة ومواسم ضائعة

بعد نزوحه لسبع سنوات، عاد أحمد الياسين مع عائلته إلى بلدته عطشان الواقعة في ريف حماة الشمالي الشرقي إثر سقوط نظام الأسد، ليجد أرضه المزروعة بأشجار الفستق الحلبي “خرابةً” على حد وصفه.

بقايا أشجار محروقة، وأغصان مقطوعة وجذوع تنخرها الحشرات. يقول: “الوضع في عموم أراضي البلدة مأساوي، أغلب الأشجار محروقة والسليم منها إما مصابٌ بالكابنودس حديثاً أو تيبست أغصانه نتيجة إصابة قديمة”.

حشرة حفار الساق
حشرة حفار الساق

هذه الآفات الحشرية تنذر بخراب وتراجع موسم الفستق الحلبي، مضيفاً أن بلدة عطشان والقرى المجاورة لها خسرت أكثر من 30 ألف دونم من الأراضي الزراعية المزروعة بأشجار الفستق والزيتون  في 2019 إثر حريق ضخم سببه قصف نظام الأسد من الحواجز العسكرية القريبة، ثم ظهرت حشرة الكابنودس التي لا تفرّق بين أنواع أشجار الفستق الحلبي الموجودة في ريف حماة، فهي تغزو الحقول كافة وتستبيح جميع الأنواع.

رغم خسارته، يعتبر أحمد نفسه أوفر حظاً من مزارعين آخرين تحولت حقولهم إلى مقابر لأشجار الفستق تحتاج سنوات لتتعافى. “خسرنا موسم الذهب” يقول أحمد، في إشارة إلى قيمة الفستق الحلبي الذي يعده كنزاً ثميناً لا غنى عنه لغالبية المزارعين.

يذكر أحمد أنواع الفستق الموجودة في المنطقة. يقول إن من بينها الفستق العاشوري والمراوحي والبياضي وغيرها، أفضلها رأس الخروف يليه ناب الجمل اللذان يعتبران أغلى أنواع الفستق، مشيراً إلى أن معظم أشجار ريف حماة من النوع العاشوري الذي يتميز بوفرة إنتاجه.

في حقل أحمد تيبست مئة شجرة فستق من بين نحو 500 شجرة غالبيتها اليوم مصابة بحشرة حفار الساق، ولا يتوقع أحمد إنتاجاً وفيراً  هذا العام، فالإنتاج قد لا يتعدى ثلاثة أطنان، بعد أن وصل إنتاجه عام 2012 إلى 15 طناً.

شجرة فستق حلبي متيبسة نتيجة الإصابة بحشرة الكابنودس، قرية عطشان في ريف حماه، أيار 2025.
شجرة فستق حلبي متيبسة نتيجة الإصابة بحشرة الكابنودس، قرية عطشان في ريف حماة، أيار 2025.

هذه حال غالبية حقول الفستق في حماة فنزوح الأهالي وترك الحقول دون عناية فضلاً عن الإهمال الذي تعرضت له الأراضي الزراعية خلال السنوات الماضية  جعلها تخسر كثيراً من إنتاجها. يتوقع مزارعون كثر ممن التقيناهم ألا تزيد نسبة الإنتاج هذا العام عن 10% مقارنة بمواسمهم قبل النزوح.

يوضح المهندس حمدو خصوصية شجرة الفستق الحلبي التي تحتاج إلى قرابة سبع سنوات بعد زراعتها كي تبدأ بإنتاج الثمار ويصفها بالأشجار الحساسة التي تعيش في التربة الحمراء وتحتاج إلى رعاية واهتمام كبيرين.

ويضيف “تُحرث الأرض من سبع إلى عشر مرات خلال العام وفي سنوات الجفاف مثل هذا العام لا يمكن الاعتماد على مياه الأمطار، إنما يجب سقاية الأشجار باستمرار من خلال مرشات أو بالطريقة التقليدية، وهي حفر برك صغيرة حول ساق الشجرة وملؤها بالماء بين الحين والآخر”.

يخبرنا أحمد أن تكاليف نقل المياه من مسافات بعيدة دفعته للتفكير بحفر بئر ماءٍ في أرضه، مع تركيب منظومة طاقة شمسية تؤمن الكهرباء لضخ المياه، في وقت يعجز فيه مزارعون كثر اليوم عن العناية بحقولهم بسبب صعوبة تأمين تكاليف المياه والحراثة والمبيدات، تاركين أشجار الفستق عرضة للحشرات والجفاف.

آفات بشرية

يبلغ عدد الأشجار الكلي للفستق الحلبي في سورية نحو 9.7 ملايين شجرة، بمساحة إجمالية تصل الى 60500 هكتار، موزعة على 6 محافظات هي حلب، حماة، حمص، ريف دمشق، والسويداء في حين تتوزع باقي المساحات في الحسكة والرقة والغاب ودير الزور، بحسب إحصائية وزارة زراعة نظام الأسد العام الماضي.

تعرضت حقول الفستق الحلبي في ريف حماة وأرياف إدلب وحلب إلى سرقة ونهب مقننة خلال السنوات الماضية، بفعل مراسيم أصدرها نظام الأسد لاستثمار الحقول خلال فترة نزوح السكان من مدنهم وبلداتهم.

وكان نظام الأسد قد طرح أراض يملكها مزارعون نازحون في مزادات علنية للموالين له، مستغلاً غياب أصحابها وعدم قدرتهم على إثبات ملكيتهم، وكان على المالك الحاضر أن يدفع الرشاوى ويحدّث أوراقه باستمرار لمنع إدراج أرضه ضمن المزاد.

ثمار فستق حلبي، قرية عطشان في ريف حماه، أيار 2025.
ثمار فستق حلبي، قرية عطشان في ريف حماة، أيار 2025.

عائلة أبو خالد، واحدةٌ من عوائل كثر تعرضت أرضها للنهب والسرقة خلال فترة نزوحهم. تخبرنا أم خالد أنها بعد عودتها إلى قرية التمانعة تمكنت وزوجها من إنقاذ أرضها، فأكثر من 60 شجرة فستق تضررت من حشرة حفار الساق من أصل 400 شجرة وقد بدأت الإصابة تتفشى منذ خمسة أعوام مع تفاقم حالة النزوح الجماعي وترك الأراضي. تقول إن زوجها لا يعرف عملاً غير الزراعة وأرضهم هي مصدر رزقهم الوحيد.

 عدوى لا ترحم

يقول أبو خالد بصوت حزين: “الشجرة أغلى من الولد بالنسبة للمزارع، عندي أشجار عمرها أكثر من 40 عاماً اضطررت لقطع جزء منها لإنقاذ ما تبقى، كما أني أعالج الحقل يومياً لكن جاري لا يعالج فتعود العدوى إلى أشجاري”.

ويضيف أن كل 30 دونماً من الأرض تحتاج نحو ألف دولار سنوياً ثمن مبيدات حشرية وأدوية، وهذا خارج قدرته المادية وقدرة غالبية المزارعين في المنطقة، طالباً من الحكومة مساعدتهم بتأمين مبيدات حشرية لمكافحة الآفة وإنقاذ موسم بات على حافة الانهيار.