“العودة إلى حياتنا المدمرة”، يصف إياد العمر حال سوريين عادوا إلى تركيا بعد عودتهم من إجازة الزلزال في سوريا. الزلزال الذي دمّر مئات آلاف البيوت والمحلّات وأخذ حياة عشرات آلاف السكان في ولايات تركيا الجنوبية، وصعّب الحياة على من بقي فيها، خاصة السوريين الذي وجدوا أنفسهم أمام زلازل أخرى لا تنتهي بانتهاء الهزات الأرضية، من البحث عن مأوى وعمل، وارتفاع أسعار المعيشة، وتفاقم النظرة العنصرية تجاههم، يضاف إليها الشعور بالخوف والقلق من الترحيل.
وكانت الحكومة التركية قد سمحت في الثلاثين من أيار الماضي بعودة اللاجئين في الولايات المتضررة إلى أراضيها عبر المعابر الحدودية من الإجازة الاستثنائية التي منحتهم إياها وحددت مدتها بين 3 إلى 6 أشهر. وفي الوقت الذي تشهد فيه المعابر يومياً دخول مئات العائدين قرر آخرون البقاء في سوريا، وما يزال قسم منهم متردداً بين العودة إلى تركيا قبل انقضاء مدة الإجازة، أو إكمال حياته في بلده.
الهاجس الأكبر الذي رافق العائدون إلى تركيا والمترددون بالعودة ممن لم يحسموا قرارهم بعد، كان البحث عن مأوى، بعد أن تسبب الزلزال بدمار واسع في الأبنية السكنية قدّرته السلطات التركية بأكثر من 3 ملايين منزلاً، نحو 400 ألف منها تضرّر بشدّة، ما يستدعي هدمها بشكلٍ عاجل.
الأضرار الكبيرة التي لحقت بالمنازل في جنوب تركيا، خلقت أزمة سكن حقيقية للمواطنين الأتراك أنفسهم، لكنها وضعت اللاجئين أمام مشكلة معقدة يحكمها الارتفاع الكبير الذي طرأ على الإيجارات وقلة المنازل والأولوية في إشغالها من قبل الأتراك أنفسهم أو أقربائهم.
إياد العمر، لاجئ سوري من إدلب، تصدّع منزله في إنطاكية بسبب الزلزال، فقام بإخلائه فوراً، وأقام مع عائلته في إحدى الخيام، قبل أن يسافر إلى قريته في جبل الزاوية مع بدء الإجازة الاستثنائية، وعند عودته مجدداً قبل أيام إلى تركيا، اصطدم بواقع مرير.
ويقول إياد: “قررت الإقامة في مدينة الريحانية، فأنطاكية مدمّرة بالكامل وليس فيها خدمات، لكن الصادم أن إيجارات المنازل تضاعفت بعد الزلزال بسبب زيادة الطلب عليها، حيث كان إيجار المنزل لا يزيد عن 4 آلاف ليرة سابقاً، أما اليوم يتراوح بين 7-20 ألف ليرة تركية في بعض الولايات”.
وتضاعفت إيجارات المنازل وسطياً في تركيا بعد الزلزال إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف، بحسب من تحدثنا معهم، وتتفاوت بين ولاية وأخرى، إذ وصلت إلى الضعف في ولاية كيليس على سبيل المثال ويتراوح بدل الإيجار فيها بين 3 إلى 8 آلاف، بينما زادت عن ضعفين في ولاية مرسين بمتوسط بين 5 إلى 15 ألف، تسبب ذلك، إضافة لتداعيات الزلزال، انهيار الليرة التركية، والحملات العنصرية ضد السوريين في بعض الولايات.
ويقول أبو عمر، يسكن ولاية كيليس، إنه تفاجأ وهو في إجازته إلى سوريا برسالة من صاحب المنزل يطلب فيها منه البحث عن سكن جديد بمجرّد انتهاء عقده في الأول من حزيران الماضي، وإن جميع محاولاته بتجديد العقد معه عند عودته باءت بالفشل.
ويضيف أبو عمر أن مشكلته لم تكن في رفع بدل الإيجار، يقول “عرضت عليه ضعف السعر الذي أدفعه، لكنه أخبرني أنه بحاجة إلى المنزل لتسكين عائلة صديق له قادم من مرعش وتعرض منزله للدمار.
ليست مشكلة أبي عمر فردية، إذ تكررت مثل هذه الحوادث لسوريين كثر طلب منهم إخلاء المنازل التي يستأجرونها لإسكان آخرين، يقول محمود أبو أيمن من ولاية “كركخان”، إن السنوات التسع التي أمضاها في المنزل الذي يستأجره لم تفلح بثني صاحب المنزل عن قراره بإخراجه، ويضيف “هي عائلات ونحن كذلك، أين سنذهب، خاصة وأن عدد المنازل في الولاية التي لم تتضرر لا تتجاوز ربع ما كانت عليه قبل الزلزال، فقررت السكن في خيمة”.
وتنحصر خيارات السوريين للبحث عن مأوى في أماكن محددة، بحسب القيود المفروضة عليهم بالسماح لهم السكن في أحياء محددة فرضتها الحكومة التركية، وهي غالباً مغلقة لعدم وجود منازل فارغة، ويحق للاجئ نقل قيده ضمن الحي الذي يسكنه وفي أفضل الأحوال إلى حي آخر بإيجارات مرتفعة.
يشرح أبو عمر هذه الفكرة، يقول “في كيليس يسمح للاجئ بالتنقل ضمن الحي الذي يعيشه ما يحكم أصحاب المنازل بالإيجارات دون سقف محدد، أو إلى حي بيش آفلار، إذ لا يقل إيجار أي منزل فيه عن 10 آلاف ليرة، الحال نفسه في ولاية غازي عينتاب، إذ يسمح فقط بنقل القيد إلى حي الإبراهيملي والذي يتراوح إيجار المنزل فيه بين 20 إلى 25 ألف ليرة تركية، أو الرضوخ للأسعار التي يفرضها أصحاب المنازل التي يسكنونها”.
وفي الوقت الذي رفعت فيه الحكومة التركية الحدّ الأدنى من الأجور إلى 11400 ليرة تركية، إلا أن متوسط ما يحصل عليه العمّال السوريون، خارج مؤسسات الدولة التركية، لا يزيد عن سبعة آلاف ليرة تركية، لا تكفيه لاستئجار منزل، بحسب أبي عمر.
الأزمة الخانقة على السكن رافقها أزمة في الحصول على فرصة عمل، ودمار في المحلّات التجارية التركية أو السورية وخسارتهم لبضائعها ومقتنياتها. يقول أبو وحيد، إن معاناته كانت مضاعفة، إذ كان يقطن مع عائلته في ولاية كهرمان مرعش، وتسبّب الزلزال بوفاة زوجته وأطفاله، إضافةً إلى دمار منزله ومحل الهواتف المحمولة الذي كان مصدر رزقه.
ويتساءل أبو وحيد “من أين سأبدأ؟، لقد دُمرت حياتي بالكامل، ويجب أن أبدأ من تحت الصفر وليس من الصفر، حاولت البحث عن عمل في سوريا فلم أجد شيئاً مناسباً، فقررت العودة إلى تركيا، لكني خسرت كل بضاعتي، لذلك سأحاول الاستدانة من أصدقائي لأفتح محلاً جديداً”.
ولبيان تكلفة استئجار منزل أو محل تجاري جديد، إن وجدا ضمن القيد ذاته، تواصلنا مع سوريين في ولايات مختلفة في كيليس، غازي عينتاب، الريحانية، اسطنبول، مرسين، وتراوحت التكلفة للسكن بين 80 إلى 100 ألف ليرة تركية بالحد الأدنى يتوجب على الشخص دفعها في الشهر الأول.
توضح الأرقام التي حصلنا عليها وجوب دفع قيمة الإيجار ثلاث مرّات، إيجار المنزل والكومسيون والتأمين والذي يأخذ كل منهما إيجار شهر، ويتفاوت متوسط الكلفة للبيت المتوسط بين 15 في كيليس و 20 ألف في عينتاب ومرسين والريحانية و30 ألف في اسطنبول، وتتضاعف هذه الأرقام في البيوت الجيدة. يضاف إليها بين 40 ألف إلى 80 ألف ليرة ثمن أساس مستعمل، 5 آلاف لفتح عدادات الماء و الكهرباء والغاز والإنترنت، و5 آلاف تكلفة الإصلاحات فيه.
من دُمر محله التجاري أيضاً كانت مصيبته أكبر، حيث سيضطر لاستئجار محل، عدا تكلفة شراء البضاعة وبعض الإثاث، وبالتالي من لم يكن يملك رأس مال كاف، عزف عن الفكرة، وقرر العمل في أحد الورشات أو المعامل.
المبالغ الواجب دفعها تعني قضم راتب سنة كاملة لتأمين موطئ قدم للعائلة السورية قبل البدء بالبحث عن تأمين تكلفة الإيجار الشهرية، وإيجاد مخارج للخوف والقلق من العنصرية والترحيل.
تقول ابتسام التي نجت مع عائلتها بأعجوبة من الزلزال، إن أطفالها أصيبوا بحالة هلع، مما عاشوه في تلك الليلة، وتفاقمت حالتهم النفسية أكثر بسبب الهزات الارتدادية، فقررت السفر في إجازة الزلزال لعند أهلها في حماه. وتضيف “أمضيت 3 أشهر في بيت أهلي، ثم قررت العودة إلى تركيا، حيث بقي زوجي هناك، وبعد أيام من وصولنا عاد الخوف مجدداً لأطفالي، بعدما حصلت عدة هزات ارتدادية في الأيام الماضية، ولا اعلم ماذا سنفعل؟، وأخشى أن تتأزم حالة أطفالي النفسية”.
ما يزيد مأساة السوريين العائدين، هو الغلاء الفاحش الذي شهدته تركيا، بعد انهيار الليرة التركية عقب انتهاء الانتخابات الرئاسية، وبالتالي تفاقمت حالتهم المعيشية المنهارة أصلاً.
ابتسام تحدثت كذلك عن مشكلة أخرى، اصطدم بها من عاد من إجازة الزلزال، وهي العنصرية التي تتفاقم ضد السوريين يوماً بعد يوم، ووصلت لدرجة رفض أغلب الأتراك تأجيرهم أي منزل، إضافةً إلى معاناة الأطفال من التأقلم من جديد، مع المدرسة التي انتقلوا إليها لإكمال تعليمهم، بعد دمار مدرستهم السابقة.
أمام مشكلات السكن والخوف وارتفاع تكاليف المعيشة فضّل سوريون البقاء في مناطقهم أملاً بإيجاد فرصة عمل. عبد الوهاب ملندي تحدث عن الأسباب التي جعلته يقرر عدم العودة إلى تركيا مجدداً، وعلى رأسها غلاء إيجارات المنازل هناك، حيث كان إيجار بيته قبل الزلزال ألفي ليرة تركية، أما اليوم استفسر من أصدقائه عن أسعار الإيجارات، وعلِم أن أجرة أسوأ منزل لا تقل عن 8 آلاف ليرة، وليست لديه القدرة على دفع هذا المبلغ.
يضيف ملندي: “وضع السوريين لم يعد مستقراً، لاسيما بعد توعد أردوغان بترحيل مليون سوري عقب فوزه بالانتخابات، إضافةً إلى تفاقم العنصرية ضد اللاجئين وغلاء المعيشة، وصعوبة تأمين عمل، لاسيما بعدما دمّر الزلزال الورشة التي كنت أعمل بها، لذلك قررت العمل مع والدي في الزراعة بمنطقة سهل الروج بريف إدلب”.
أن تجد عملاً في الشمال السوري مشكلة أخرى، لكن من فضّل البقاء سيضاف إلى مئات آلاف العاطلين عن العمل والباحثين عن لقمة العيش، يقول أبو عمر، “هنا ويل، في إشارة لتركيا، وهناك ويل” لكنّ العودة إلى سوريا أكثر صعوبة عليه، إذ خبر خلال الأشهر الثلاث التي أمضاها ارتفاع الأسعار والمشكلات الأمنية والقصف، إضافة لقلة فرص العمل”.
يعيش في تركيا ضمن الحماية المؤقتة، 3 ملايين و 381 ألفًا و 429 شخصاً، وفق آخر إحصائية ذكرها وزير الداخلية التركية السابق سليمان صويلو، في حين بلغ عدد العائدين من تركيا إلى بلدهم عقب الزلزال، أكثر من 63 ألف شخص، حيث دخلوا عبر المعابر الأربعة باب الهوى وجرابلس وباب السلامة وتل أبيض.
