فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

عرائس سوريات يعبرن الحدود التركية .. رحلة مليئة بالأوجاع ومشاعر الفقد 

تناقضات كثيرة في رحلة العرائس السوريات لتركيا، إذ تتحول البهجة  التي تصاحب طقوس الزواج الطبيعية لغصة والفرح لمأساة، فكل اللواتي عَبَرنَ الحدود التركية، بدأت رحلة حياتهن بطقوس وتجربة مريرة قد تكون الأصعب في حياتهن

وصلت العروس خولة، 16 عاماً، إلى مزرعة تقع على أطراف ولاية هاتاي التركية في العاشر من تشرين الثاني (نوفمبر)، نحو الساعة الحادية عشر ليلاً، ترتجف من شدة البرد وثيابها مبلولة بالماء والوحل، عوضاً عن فستان العروس الأبيض، بعد رحلة مسير استغرقت ثمان ساعات داخل المجاري المائية، ثلثيها في مجارير الصرف الصحي، بعد قرار عائلتها تزويجها من شاب سوري يقيم في تركيا.

رافقها في رحلتها، ثلاثة شبان، أحدهم قريبها، دخلوا وادي نهر العاصي في منطقة حير جاموس بريف سلقين غربي إدلب، وأثناء المسير في النهر داخل الأراضي التركية، كانوا يعبرون النهر عرضياً كلما عبرت دورية على طريقيّ الحراسة المجاورين للنهر والمرافقين لامتداد الوادي في العمق التركي، حتى يسيروا بمحاذاة الدورية، فيسترهم سفحه ولا تراهم، وذلك بتوجيه المهرب عبر الهاتف والذي كان يرصد المكان بالمنظار.

كانت خولة تصاب بالرعب كلما اضطرت ومن معها عبور النهر عرضاً، إذ كان الماء يغمرها حتى صدرها، وأقدامها مغروزة بالطين، في طقسٍ شتويٍ بارد، لكنها لم تتخيل أن الساعتين اللتين أمضتهما في عبور النهر كانتا الأسهل مقارنة بباقي الرحلة في مجارير الصرف الصحي، إذ تصف خولة المشهد بقولها: “وسط ظلام الليل والبرد والروائح الكريهة كانت المجارير ممتلئة بالوحل السائل، والمسير فيها يشبه السيرعلى الرمال المتحركة، أحياناً يعلق أحدنا ثم يتمسك بالحشائش والأشواك ليسحب نفسه، بات الأمر مقاومة من أجل النجاة، بضع ساعات وأنا أصارع من أجل الحياة”.

خولة واحدة من عرائس كثيرات تزوجن من شبانٍ سوريين يقيمون في تركيا، واضطررن لعبور الحدود بطرق غير شرعية عن طريق شبكات التهريب.

لكل عروس قصة تشترك مع خولة بالعذاب وتختلف بنوعه، فالطرق البرية ليست بأفضل حال، ومن لم تقاسي الماء والمجارير قاست اجتياز الجدار والأسلاك والمشي في الجبال الوعرة تحت رصاص حرس الحدود، أو السير في الأنفاق الضيقة التي غالباً ما تُوصلهن لدورية حدود منتظرة، بحسب ما تابعنا من قصص.

دفعت خولة 1200 دولار  ثمن رحلتها، رغم توفر أسعار أرخص، لكنها اختارت عبور الطريق المائي لتتجنب عبور الجدار،الذي بنته تركيا في عام 2018  على معظم امتداد الحدود مع سوريا بطول 711 كم، من أصل الحدود 911 كم من الحدود المشتركة بين البلدين، بهدف منع تسلل مقاتلين متطرفين من سوريا إلى أراضيها في المقام الأول، حسب قولها، وعلى المدنيين الهاربين إلى تركيا اجتياز الجدار الذي يرتفع نحو 4 أمتار وغالباً ما يكون يعتليه سلك شائك مسلح بأشياء حادة.

تكرار الرحلة المريرة

تعاد الرحلة ومعاناتها عدة مرات، في الغالب، حتى تنجح  واحدة من المحاولات، وفي كل محاولة فاشلة، تعتقل عروس أو أكثر مع العابرين وتنقلن إلى مركز أو مخفر حدودي، يجمع فيه السوريون، مع فقدان كل أساسيات الحياة من الطعام والأغطية، ويحشرون في غرف صغيرة، وخلال فترة الاحتجاز يتعرض الشبان للشتم والضرب، ثم يرحلون بعد يوم أو يومين عبر أحد المعابر التركية -السورية إلى داخل سوريا. 

خاضت هبة، 19 عاماًَ، من ريف حلب الجنوبي، خمس محاولات حتى نجحت في الرحلة الأخيرة بالوصول إلى تركيا، وفي كل مرة كانت تعيد رحلتها من نقطة الصفر، تقول: “جربت كل الطرق، وكانت كل محاولة تستغرق مني يومين أو أكثر، وكنت أفشل أحياناً قبل مرحلة عبور الجدار، بعد انتظار ليلة كاملة بقربه، وفي رحلة أخرى كان الفشل ينتظرني بعد تخطي الجدار، وأبشع رحلة كانت بعد تحمل ليلة برد واجتياز النهر والجدار والزحف نحو 300 متر، لغياب الضباب الذي يمنع الرؤية في الأراضي التركية ما جعلنا مكشوفين لحرس الحدود”.

تروي هبة أجواء عودتها إلى سوريا بعد فشل إحدى محاولاتها الدخول لتركيا مع المجموعة التي كانت رفقتها: “تركني الدليل، أحد أفراد عصابة التهريب، رفقة ثلاثة نساء في غرفة واحدة داخل أراضي قرية بريف سلقين، لمدة ست ساعات، مدعياً أن المهرب سيأتي إلينا، وبعد أن يأسنا من قدوم أحد مشينا نحو 12 كيلو متر للوصول لمدينة سلقين”.

حين تكون نهاية رحلة تهريب الفشل، يصبح التنسيق بين أفراد عصابة التهريب ضعيفاً، وبتحرينا عن السبب تبين أنه بعد منع تحرير الشام لعمليات التهريب، بداية شهر أيلول (سبتمبر) من عام 2021، وتوقيف مكاتب ترخيصه وتغريم المهرب الذي يُضبط مبالغاً مالية تصل لـ 2500 دولاراً، بات المهربون يخافون من الوجود والتنقل على الحدود، بحسب المهرب طارق، وغالباً مايتركون الناس ويهربون بمجرد فشل الرحلة، كما حصل مع هبة، وخصوصاً أن المرافق للمجموعة “دليل” وأجره قليل في العصابة.

عادة ما يكون المسافر لتركيا هارباً من حياة الحرب. بعض الذين لا يحالفهم الحظ بنجاح الرحلة ويتأذون منها يستسلمون، لكن العرائس مُضطرات لإعادة المحاولة، مرة تلو الأخرى، حتى تنجح واحدة منها، مهما كانت تكاليفها، لأن البديل هو فسخ الزواج، وهذا ما لا يودّه أغلب أهالي العرائس، بسبب صعوبة الحياة في الداخل على كل الأصعدة، واعتبار ذوي العرائس أن نصيب الفتاة بالزواج هو فرصة لخلاصها.

يقول والد هبة: “كانت أيام صعبة علي، وشنططة ابنتي على الحدود، ومعاملة المهربين التي لا تناسب الفتيات، لكن كل ما فكرت بفسخ الزواج أخاف أن أظلمها، فهي فرصتها للحياة، ولسنا بظروف تحتمل تأجيل زواج الفتيات”. 

حتى أهل العريس لا يرغبون بفسخ الزواج حتى لو تعطلت رحلة التهريب مراراً، وانتظار العريس لأشهر طويلة، والسبب هو أن الزواج بسوريات من الداخل غالباً ما يكون مرتبط بصلة قرابة أو خطيب ذهب للعمل بتركيا لتأمين حياته، ولصعوبات أخرى في الزواج من السوريات المقيمات بتركيا.

احتمالية التعرض للتعنيف أو التحرش أثناء الرحلة

قد لا يتسنى لأهل العروس إيجاد أحد الأقرباء- الشبان المسافرين لتركيا، مثل ما حدث مع خولة، ويضطر الأهل لإرسالها مع شبكات التهريب وحدها، ظناً منهم أنها رحلة ساعات وستنتهي، ولكن الواقع يكون مختلفاً ومزعجاً، إذ التقينا أكثر من فتاة أجبرها ظرفها لقبول هذا الخيار.

وهذا ما جرى مع سهام، 18 عاماً، التي خرجت من بيت أهلها مساء يوم رحلتها، إذ أخبر المهرب ذويها أنها خلال ساعات الليل ستدخل تركيا، وكانت عائلتها تتواصل معها عبر الهاتف، لتتفاجأ بنقلها إلى منزلٍ يقع في الجبل، في منطقة الدرية، بريف دركوش غربي إدلب، وأدخلوها غرفة فيها نساء أخريات، وفي الغرفة المجاورة لهن، كان يوجد ثلاثة شبان، وقضت في هذه الغرفة ليلتين وفي اليوم الثالث نُقلت سهام لبيت آخر في المنطقة ذاتها وتضاءل عدد المجموعة وبقيت مع عروسين وشابين، وكان البيت أصغر.

تأخر السفر، أغضب أهل سهام وتعرضت لتوبيخ من قبل والدها على الهاتف، ثم تحدث مع أحد الشبان من هاتفها وأوصاه بها.

في البداية أظهر الشاب لطفاً ورعاية لها، ثم مالبث أن بدأ يرسل لها على الهاتف كلاماً غزلياً، على حد قولها: “كان يمثل دور الراعي، لكنه تحول إلى متحرش، وكنت في حالة نفسية مرهقة، ما جعلني أغضب وأوبخه أمام الجميع، ثم أخبرت أهلي الغاضبين أصلاً من التأخير، فقرروا إعادتي للبيت، لكن المهرب رفض إعطائهم العنوان، وفي نهاية الرحلة الفاشلة أُرسلت مع أحد الأشخاص بدراجةٍ نارية، عبر طريقٍ جبلي لإحدى القرى، ليستلمني أهلي هناك”.

يعتمد المهربون على بيوت صغيرة متوزعة في المزارع أو الجبال المتاخمة للحدود، كمأوى سري للزبائن، وغالباً ما يكون غير مجهز للسكن، يوزعون فيه الراغبين في الدخول إلى تركيا كمرحلة أولى، حتى يستطيعون تأمين الطريق، ولا يسمح لأحد بإعطاء عنوانه لشخص خارج المجموعة، تخوفاً من الجهات الحاكمة واحتمالية اعتقالهم، بحسب أحد المهربين.

ما جعل سهام تقع ما بين مماطلة المهربين بعدم إعطائهم العنوان وتوبيخ أهلها الذين يودون استعادتها، وكان لهذا الرحلة أثر سلبي على حالتها النفسية، كما تروي لنا، إذ لم تكن ترغب بأن يكون في تفاصيل وداع أهلها وزواجها أي خلافات أو إساءة لها، حسب تعبيرها.

مواقف مخجلة وأخرى مرعبة

في منزل قديم شبه مهجور، مكون من غرفتين، يقع على تلة في منطقة خربة الجوز، بريف جسر الشغور غربي إدلب، أمضت العروس مريم، 16 عاماً، ليلتين بصحبة مجموعة من رفاق الرحلة، وكان المشرف على حراسة المكان رجل خمسيني، عرفت مريم فيما بعد أنه صاحب المكان، ويعمل مع المهربين، كما تروي لنا.

في الليلة الأولى أرادت مريم الخروج لدورة المياه، خارج المنزل، كان شعورها بالخوف وعدم الأمان يسيطر عليها، إذ تقول: “كنت أنظر للرجل الحارس من لوح الكرتون المركب للباب، بدل الزجاج، وهو يجلس على (تنكة زيت) قرب نار، وشعرت بالخوف والخجل أثناء عبوري من أمامه”.

في صباح يوم المسير على ضفة نهر العاصي، وضع المهربون المجموعة على طوافة صُنعت من عبوات بلاستيكية فارغة، ربطت مع بعضها البعض، لتأخذ شكل المربع، ليتمكنوا من عبور النهر، يجرها أحد أعضاء شبكة التهريب سباحةً.

تقول مريم: “خلع المهرب ثيابه أمامنا وبقي بلباس داخلي ونزل للماء، رغم إحراجي لكن قلت مضطر، إلا أن المخجل كان طريقة وضعنا على الطوافة، إذ جعلونا نستلقي فوق الطوافة على بطوننا، أربعة نساء، ما جعلني أشعر بالحرج والخوف من السقوط، وكانت أقدامي غارقة بالماء حتى ركبتي خارج الطوافة”.

بعد عبور الجدار، والسير في تلال الأراضي التركية، استشعر حرس الحدود  حركة المجموعة، وراحوا يستكشفون المكان ويطلقون الرصاص، تقول مريم: “أخبرنا الدليل أن نستلقي بين الصخور حتى لا يجدونا، كان الضباب كثيف ولا أستطيع الرؤية، وأنا مستلقية سمعت نباح كلابهم البوليسية تهجم باتجاهي، كلما كان يقترب الكلب كان رعبي يزداد حتى وصلني وصار ينبح فوقي، لا أنسى أبداً هذا الموقف المرعب”.

قبل الزفاف بشهرين تقريباً، تقضي العروس وقتها بالتجول في الأسواق رفقة عريسها ووالدتهما لشراء “جهاز العروس” من مستحضرات للتجميل وثياب جديدة، ويعيش العروسان تفاصيل يملؤها الشعور بالسعادة والأمان، من دون خوف أو إحراج، على عكس ما عاشته سهام وعرائس كثر في رحلة الزواج العابر للحدود. 

لا حل في الوقت الراهن

قبل انتشار وباء كورونا، كانت الطريقة الرسمية لدخول العروس، عن طريق لم الشمل، وبعد تثبيت الزواج رسمياً يحق للزوج تقديم طلب لم شمل زوجته بالقانون، لكن لم الشمل توقف في عام 2020، بحسب إيناس نجار، مديرة الاتصال باللجنة السورية التركية المشتركة، بما يخص شؤون اللاجئين.

تقول النجار” قرار تعطيل لم الشمل، لم يكن أثره على العرائس فقط، بل على الأطفال وعوائل فُرِقَ شملها أيضاً، إذ أن بعض الأحزاب التركية العنصرية، تستغل ملف اللاجئين وتتعامل معه كملف سياسي، وخصوصاً في الفترة الأخيرة مع اقتراب موعد الانتخابات في تركيا، مع أن ملف “لم الشمل” ملف إنساني بحت”. 

وترى النجار أن هناك صعوبة في إيجاد حل لمسألة “لم الشمل”، في الوقت الحالي، إذ يوجد لديهم قوائم بأطفال صغيرة لم يستطيعوا إدخالهم للأراضي التركية، فالوضع السياسي حساس جداً، والملف سيبقى عالقاً لحين انتهاء فترة الانتخابات، أي بعد ستة أشهر، حسب قولها.  

غصة في القلب وطقوس غائبة

في أحد مخيمات قاح شمالي إدلب، زرت عروساً تتجهز لرحلة الزفاف إلى تركيا، باركت للسيدة الأرملة -والدة عائشة، محاولاً فتح بابٍ للحديث معها، وسألتها عن رأيها بهذا الزواج، لم تنطق بكلمة واحدة، لكن عيناها امتلأت بالدموع، مقاومة البكاء أمام ابنتها، وما كان منها سوى أن تركتني وخرجت من الخيمة.

علَّقت عائشة على الموقف: “أمي سعيدة من أجلي، لكنها تخاف من التهريب، وهي متأثرة لأنه في يوم عقد قراني، ليلة أمس،  لم يحضر العريس وأهله، واكتفى بالتحدث معنا عبر الهاتف  فقط، ولم يوجد أحد من أقربائه سوى عمته وابن عمه”.

كانت عائشة متماسكة وتعيش بهجة العروس، وتُطمئن نفسها بأن كل شيء سيكون على مايرام، حتى أنها ذكرت أن رحلة عبورها ستكون سهلة وسريعة، ولن تعاني أبداً، كما سمعت من العرائس اللواتي التقيتهن، وأُخْبِرن الكلام(المطمئن عن سهولة الرحلة) نفسه، قبل أن تُفاجئهن حقيقة الرحلة، باركت لها مرة أخرى، ولم أخبرها شيئاً عن المصير المنتظر.

خولة قالت أن غياب العريس في عقد القران كان تأثيره عليها بسيطاً، لأنها كانت بوسط أهلها وصديقاتها، أما الزفاف في تركيا فهو الذي كان مؤلماً لفقدهم، تقول: “في عرسي بتركيا افتقدت أهلي كثيراً، لأنني زُفِفتُ من بيتٍ غير بيتنا وأمي غائبة، لم أتخيل أن تبدأ حياتي الزوجية بطريقة موجعة، لن أنسى رحلة المجرور ما حييت، وقلتها لزوجي صراحة؛ لو كنت أعلم بما سألقى ماتزوجت، ولو بقيت عزباء طيلة عمري”.

تناقضات كثيرة في رحلة العرائس السوريات لتركيا، إذ تتحول البهجة  التي تصاحب طقوس الزواج الطبيعية لغصة والفرح لمأساة، فكل اللواتي عَبَرنَ الحدود التركية، بدأت رحلة حياتهن بطقوس وتجربة مريرة قد تكون الأصعب في حياتهن، وبعد الوصول لتركيا والزواج ستبدأ معاناة جديدة تخص الأوراق الرسمية مثل بطاقة الإقامة المؤقتة الـ”كملك” وغيرها من الإجراءات الأخرى.

مقال بقلم

اسامة الشامي