فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

جامعة إدلب: للذكور فقط.. وأحياناً للإناث فقط

رغم أن جامعة إدلب الحالية حديثة العهد، إلا أن القائمين عليها مارسوا التمييز على أساس الجنس على فروع وكليات أخرى سبقت كلية الإعلام والعلوم السياسية

“كلما مررت من أمام مبنى كلية الإعلام والعلوم السياسية في حي الشيخ ثلث بإدلب أشعر بالضيق وغصة في الحلق. كان من المفترض أن أكون داخل إحدى قاعات هذا المبنى، محققة حلمي بدراسة الصحافة، لكنه في الوقت الحالي ممنوعاً علي وعلى جميع الإناث، وخُصص للذكور فقط”.

بهذه الكلمات عبّرت مها، 24 عاماً، عن شعور الخيبة الذي أصابها وإناث كثيرات من قرار تخصيص كلية الإعلام والسياسية للذكور فقط، والذي رافق إعلان رئيس جامعة إدلب أحمد أبو حجر عن افتتاح الكلية في 20 أيلول (سبتمبر) الماضي ضمن ندوة جمعت صحفيين وصحفيات، مخالفاً بهذا الإقصاء عنوان الندوة: “نحو إعلام ثوري ومعاصر”.

تقول مها: “صحيح أني تخرجت العام الماضي من معهد إعداد المدرسين إلا أن دراسة الإعلام لم تغادر تفكيري وخاصة بعد افتتاح كلية الإعلام والعلوم السياسية هذا العام، لكن هذا القرار مخيب للآمال، إذ أن الصحفيات السوريات أثبتن قدرتهنّ على المساهمة في إيصال الحقيقة للعالم ونقل واقع الشمال السوري رغم قسوة الظروف”.

سناء العلي، واحدة من الصحفيات اللواتي علقن آمالاً كبيرة حين علمت بافتتاح الكلية، إذ كانت تطمح هي الأخرى بدراسة الإعلام أكاديمياً، لكنها أصيبت أيضاً بالخيبة جراء قرار إقصاء الإناث، تقول: “أعرف الكثير من السيدات والفتيات كُنَّ ينتظرن هذه الفرصة لعدم قدرتهن على السفر إلى جامعة حلب الحرة في منطقة إعزاز”.

حين أُعلن عن افتتاح الكلية أثناء الندوة المذكورة آنفاً، لم يكشف عن نية الجامعة تخصيص الكلية “للذكور فقط” أمام جميع من كانوا حاضرين من صحفيين وصحفيات، إنما طرح الموضوع وجرى مناقشته مع بعض الصحفيين أثناء فترة الاستراحة، بحسب صحفي حضر الندوة، فضل عدم ذكر اسمه، لكن حين نُشرَ خبر الافتتاح على الصفحة الرسمية لجامعة إدلب على فيسبوك، أُرفقت عبارة “للذكور فقط” ضمن الخبر.

مع افتتاح كلية الإعلام والعلوم السياسية بإدلب، أصبح هناك أربعة كليات تدرس الإعلام في الشمال السوري؛ كليتين عامتين في جامعتي إدلب وحلب الحرة، واثنتين خاصتين؛ الجامعة الدولية للعلوم والنهضة في مدينة إعزاز بريف حلب الشمالي، وجامعة باشاك شاهير في مدينة الباب بريف حلب الشرقي.

لكن هناك مئات من الفتيات في إدلب غير قادرات على تحمل تكاليف الجامعات الخاصة، عدا مصاريف السفر من مدينة لمدينة بشكل يومي. وهذا حال إيمان، 19 عاماً، إذ كانت تفكر بدراسة الإعلام في جامعة خاصة لولا ضعف الأحوال المادية وارتفاع الأقساط فيها، كما توضح، إذ  استبشرت خيراً عندما سمعت بقرار افتتاح كلية الإعلام إلا أنها فوجئت بإقصاء الإناث.

تقول إيمان: “بسبب المجتمع الذكوري لن أستطيع دراسة الإعلام أو حتى تحقيق رغبة أمي بدراسة العلوم السياسية”.

بعد حصول إيمان على الشهادة الثانوية في هذا العام توجهت لدراسة العلوم الإدارية والمصرفية في إدلب بعد أن حرمها قرار الإقصاء الدراسة بالفرع الذي تحبّ.

رغم أن جامعة إدلب الحالية الحديثة العهد، تأسست عام 2015، إلا أن القائمين عليها مارسوا التمييز على أساس الجنس على فروع وكليات أخرى سبقت كلية الإعلام والعلوم السياسية، إذ إن كلية الهندسة الميكانيكية وكلية الهندسة المدنية وكلية الهندسة الكهربائية والالكترونية وكلية العلوم الصحية طوارئ والمعهد التقاني للتجهيزات الطبية والمعهد التقاني الهندسي هي أيضاً (للذكور فقط).

في المقابل خُصص من الفرع العلمي في كلية التربية اختصاصين للإناث فقط (التربية معلم صف والتربية إرشاد نفسي) بينما لم يكن التسجيل متاحاً للذكور من الفرع العلمي في هذين الاختصاصين.

أما في الكليات الهندسية، فقد خُصصت الهندسة الميكانيكية والهندسة المدنية والهندسة الكهربائية والإلكترونيات للذكور فقط، بينما سُمح للإناث دراسة الهندسة الزراعية والهندسة المعمارية والهندسة المعلوماتية.

في السابق كانت الجامعات الحكومية لا تتبع سياسة التخصيص لأي فرع جامعي، وفي إدلب مهندسات من شتى الاختصاصات.

فاطمة العثمان، 29عاماً، من جسر الشغور، خريجة هندسة ميكانيكية من جامعة تشرين في اللاذقية، كان عدد طلاب دفعتها 100 طالب و20 طالبة. تقول لفوكس حلب: “في كلية الميكانيك التي درست بها عشرة اختصاصات، منها: القوى الميكانيكية والأسس الكهربائية والإنتاج والتصميم وغيرها، ورغم أن اختصاصي  فتح لي مجالات عمل واسعة، لكنها لم تكن ضمن اختصاصي”.

وأضافت: “حاولت عدة مرات التقدم لمناصب معينة، لكن كان دائماً ما يأتيني الرد بالرفض لأنني أنثى، وعملت منذ عام 2017 حتى تاريخ اليوم بمناصب مختلفة ووظائف إدارية ومنسقة مبادرة وإدارة المشاريع، وكذلك مسؤولة مراقبة وتقييم”.

وترى فاطمة أن الكثير من المناطق في الشمال السوري بحاجة لمهندسات إناث في هذا المجال، وترفض حصره للذكور فقط، إذ أن هذا الاختصاص يقوي المهارات التقنية والإدارية ويفتح فرصاً جيدة للعمل وتتمنى أن تتاح الفرصة للإناث لدراسته أيضاً، كما تطمح بتولي مناصب تناسب اختصاصها الهندسيّ.

المعضلة ذاتها واجهتها يافا الحموي، حين قررت إكمال دراستها في الطب البيطري، والذي انقطعت عنه في السنة الثالثة في كلية الطب البيطري بمدينة حماة، التابعة لجامعة البعث.

حاولت يافا التقدم لكلية الطب البيطري في جامعة إدلب، واتصلت برئاسة الجامعة آنذاك ليجيبها أحد المسؤولين: “الذكور عندنا ما عم يسجلوا بهالفرع حتى يسجلوا الإناث، وممنوع تسجيل الإناث فيه”، بحسب ما روته لنا.

تقول يافا: “فوجئت بقرار منع الإناث، وكان الأمر شديد الغرابة، إذ إن الجامعات السورية أتاحت الدراسة فيه سابقاّ، وهو حلم حُرمتُ من إكماله وقد أبلغتُ المسؤول حينها أنه حقٌ أتمسك به وسـأسعى للحصول عليه”.

لكن في مفاضلة هذا العام سمحت جامعة إدلب للإناث بدراسة الطب البيطري وهي خطوة وصفتها يافا بالإيجابية رغم خسارتها لفرصة الدراسة في الأعوام السابقة، وقرارها بإكمال تعليمها خارج سوريا، تقول: “مضى على افتتاح جامعة إدلب سبعة أعوام، كان من المفترض أن أكون قد تخرجت من الجامعة وأمارس عملي في سوريا بالاختصاص الذي أحب”.

حتى الذكور لم تسلم من التمييز على أساس الجنس بجامعة إدلب، إذ منعتهم من دراسة اختصاصين في كلية التربية مثل (معلم صف وإرشاد نفسي) وذلك لحملة شهادة الفرع العلمي تحديداً، وبموجب المفاضلات العامة الصادرة عن جامعة إدلب.

وهذا ما حصل مع أحمد، 31 عاماً، حين قرر الالتحاق بجامعة إدلب، إذ كان يرغب بدراسة الإرشاد النفسي لكنه فوجئ أنه مخصص للإناث فقط من الفرع العلمي، حسب ما ورد في المفاضلة العامة، ما دفعه للتفكير في دراسة فرع آخر.

هذا الإقصاء “غير عادل” لكلا الجنسين وهو “إجراء تمييزي مبني على أساس الجنس”، كما يقول محمود أبو راس، طالب ماجستير صحافة في المدرسة العليا للصحافة والتواصل بباريس، في حديثه لـ”فوكس حلب”، ويرى أنه من الضروري تسليط الضوء على هذه الإجراءات التي تحدث بجامعة إدلب، وخصوصاً ما حدث مؤخراً من إقصاء للإناث من كلية الإعلام والعلوم السياسية، حسب تعبيره.

حاولنا التواصل مع المكتب الإعلامي لجامعة إدلب في الحادي عشر من الشهر الماضي، لمعرفة أسباب هذه السياسة المتّبعة في تخصيص أفرع معينة للإناث وأخرى للذكور، وما هي الخيارات المتاحة أمام الطلاب والطالبات المنقطعين الذين وصلوا لسنوات معينة ولا يستطيعون إكمال دراستهم بسبب تخصيص جنس معين، إلا أننا لم نحصل على رد حتى اللحظة.

مقال بقلم

سوسن الحسين