يدخل الصيد البري في تكوين ذاكرة عائلات في ريف إدلب، يولونه أهمية تفوق اعتنائهم، أحياناً، بعائلاتهم. سلاح الصيد المستخدم أحد أبناء العائلة ويشغل مكاناً في صدر المنزل أو أحد صناديقه رفقة عبوات “الخرطوش”، أما الحديث عن رحلات الصيد ومغامراته فيحضر هو الآخر في افتتاحيات الحديث والسهرة مع رفاق الرحلة القدامى الجدد، ومن مختلف الأعمار، كذلك المشاجرات الأسرية اليومية بين الصيادين وزوجاتهم وأبنائهم حول من يتصدر سلّم الأولويات.

لم يكن يمرّ يوم في بيتنا دون أن يحضن والدي، رحمه الله، سلاح الصيد خاصته “الجفت”، يمسحه، يفككه، يعيد تركيبه، يطمئن أنه لن يخذله في رحلة الصيد الجديدة أمام رفاقه.

لرحلات الصيد في بيتنا أيضاً حضور يومي شكّلت وعينا والقصص التي حفظناها عن ظهر قلب، قصص لا تخلو من التشويق والطرائف، يعيد صيادون في مدينتي كفرنبل تداولها، يرتّب فيها أهمية الصيادين وأنواع الأسلحة والخرطوش المستخدم، كذلك أسعارها وجديدها، والأهم من ذلك مواسم الصيد البري في كل شهر والمناطق التي سيقصدونها في رحلات تزعج الزوجات لغياب أزواجهن وانشغالهم عن بيوتهم وأعمالهم، لتبدأ مشاحنات طويلة تنتهي بخروج والدي مع ساعات الفجر إلى رفاق الصيد تاركاً لوالدتي غصة تفرغها بالصراخ والدعاء.

ليس الصيد البري مهنة يعيش أصحابها على ما يصطادوه، غالباً كانت رحلات الصيد “لا تأتي بهمها”، يأكل الصيادون ما يصطادوه في طريقهم، وفي أفضل الأحوال تكون النتيجة أرنباً أو بعض عصافير على مائدة العشاء المكتظة بالأولاد الذين يطربون للحكايات أكثر من تلذذهم بطعم الطريدة.

كان ذلك، قبل أن يهجّر الصيادون رفقة عائلاتهم إلى أماكن جديدة في ريف إدلب الشمالي الذي امتلأ بالوافدين حتى ضاقت المساحة حتى على الطيور، إضافة لتناقص المساحة غابت الأشجار التي قطع القسم الأكبر منها للتدفئة، واستحالة الوصول إلى “السيحة” مكان الصيد المفضل لصيادين باحثين عن الأوز والبط في مصب نهر قويق بريف حلب الجنوبي بعد سيطرة النظام عليها.

شغف يعيش في الذاكرة وتقتله الصعوبات

ما تزال هواية الصيد تسكن حياة أحمد الدندوش، صياد يطلق عليه أصدقاؤه لقب “أبو الديك”، وسط ما يعيشه من نزوح أوصله إلى مخيم باريشا في ريف إدلب.

حين تحدثنا إلى “أبو الديك” كان أرنباً برياً، اصطاده من بساتين حارم التي قصدها فجراً باحثاً عن طريدة أو طائر، وليمة عشاء تلك الليلة.

يفتت بيديه لحم الأرنب الذي طهته زوجته وهو يتحدث بوجه عاد له ألق الأيام الماضية عن شغفه/م برحلات الصيد، رغم التهجير والفقر والبطالة، السمات الأبرز لحياة الأهالي في ريف إدلب.

و لـ “أبو الديك” حكاية يرويها عنه الصيادة ويخبرنا بها، الحكاية وثقها ابن عم له في فيديو وجد مكاناً له على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي عن اصطياده أرنبين بخرطوشة واحدة في بستان زيتون بوادي الحداد داخل مدينته كفرنبل التي هجّر منها.

 

هي “رمية من غير رام” يستهل أبو الديك كلامه عن الحكاية التي تعود لسبع سنوات خلت، ويضيف “كنت أسدد على إحدى الأرنبتين وهما تجريان بشكل عرضاني، وعندما ضغطت الزناد سقطت الاثنتين، بغير قصد مني، أحسست بشعور مضاعف بالنصر “.

حتى لا تضيع الحكاية وجد الصيادون في مجموعات فيسبوك مكاناً لرواياتهم، يوثقون صيدهم بهواتفهم المحمولة ويرفعون هذه المقاطع على مجموعات مخصصة للصيد وشؤونه، يشاركونها صيادين آخرين وشغوفين بالصيد و متابعين مهتمين بسماع ورؤية رحلات الصيد البري.

كما هو معروف لدى المطلعين على أسلحة الصيد وذخيرتها فإن الذخائر المستخدمة تحوي بداخلها حبيبات رصاص تسمى الخردق، وتغطي مساحة لا بأس بها في المكان المستهدف، بسبب انتشار الخرادق بشكل دائري أوسع لحظة خروجها، وتتسع كلما بعدت مسافة الهدف، يبدو أن هذا ما خدم أحمد مع زوج الارانب ذاك.

مثل “أبو الديك” ترافق حكايات رحلة الصيد البري وهمومها وشغفها حديث العم أبو نضال الذي يحمل لقب (مختار الصيادة).

فريق من الصيادة أو شلة الصيد كما يحلو للمختار تسميتها كانوا يستعدون للرحلة، يجمعهم الشغف والهواية، وتختار كل شلة أعضاء فريقها.

يحضّر للرحلة حسب نوع الصيد البري الذي يبحثون عنه، تحكمهم طول المسافة وقصرها بحسب وجود ما يرمون صيده، كذلك الموسم المحدد بأوقات يعرفونها ورثوها عن صيادين سبقوهم.

لكل نوع من الطرائد موسم محدد يعرفه الصيادة بخبرتهم الطويلة، يقول مختار الصيادة، فـ “البط والإوز وأنواع أخرى من الطيور المهاجرة العابرة لمناطق سوريا، تكثر في شهر تشرين الثاني وتستمر حتى أواخر كانون الثاني، في حين أن موسم صيد الفري والسمن وهي طيور وافدة أيضا يبدأ مع قدوم فصل الربيع، أي في شهر نيسان وما بعده، ويبقى لعصفور التين الصغير موسمه المرتبط باسمه وهو موعد نضوج التين في شهري تموز وآب، أما الأرانب والحجل فلا موسم محدد لصيدها، فكلاهما من الطرائد المستوطنة والمتوفرة على مدار العام، باستثناء فترة التكاثر للحجل في موسم الربيع، بالإضافة إلى الأشهر الاربعة الحرم، وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم، حيث يلتزم معظم الصيادة بحرمة الصيد خلالها”.

يقصد هواة صيد الطيور المائية البرية في إدلب تجمعاً مائياً  يعرف بـ (السيحة)، وهو تجمع مائي لفائض نهر قويق، بالإضافة إلى مياه الصرف الصحي القادمة من مدينة حلب وريفها الجنوبي، يروي أبو نضال “كيف كان صيادون يجلسون على أطراف تلك المياه، في حين يتوغل قسم آخر داخلها عبر ممرات ترابية ينمو على جانبيها عيدان القصب وتعرف باسم (السيلون)، يختبئون داخل تلك العيدان القصبية، منتظرين قدوم سرب من طيور الإوز أو البط أو الغرير المائي، لتبدأ أصوات الطلقات تعلو  هنا وهناك ومن كافة أماكن وجود الصيادين، وتسقط الطيور المصابة ويقوم الصيادون بجمعها، هذه لوحدها مشقة أخرى، تضطرهم إلى  ولوج الماء لجلب صيدهم، غير عابئين ببرودته أشهر الشتاء حيث تكثر هذه الطيور”.

شعور الفوز هو من ينسينا ما مررنا به، يقول مختار الصيادة، وهو يشرح ظروف التعب والإرهاق والرائحة السيئة العالقة في ثياب الصيادين، ويتابع ” كنت الأول دائما في عدد الطيور التي نصطادها، ليطلق علي لقب مختار الصيادة  الذي بت أعرف به حتى اليوم”.

باع مختار الصيادة “الجفت” بعد نزوحه بسنة واحدة، شغل نفسه بصيد السمك في مكانه الجديد، يقول إنه يفتقد للصيد البري وتلح عليه ذاكرة السنوات السابقة، لكن ضيق المساحات وارتفاع ثمن السلاح والخرطوش وتفرق الشلة يمنعانه من العودة، إضافة لتقدمه في السن، والأهم من ذلك أنه “فقد المتعة التي رافقته سنوات طويلة من حياته”.

مساحات ضيقة

“لم يعد للصيد البري تلك النكهة، كانت حياتنا مستقرة في بيوتنا ومواسم أراضينا، ما كان يمنحنا الوقت للصيد، تغير كل شيء منذ تهجيرنا، ضاقت مساحات الصيد وأصبح همنا تأمين لقمة عيش أطفالنا وسط ظروف لا ترحم”، تلك الجمل كانت لأحد الصيادين الذين تحدثنا معهم، حمودات زعتور الصياد الشغوف الذي تغيرت اهتماماته، شأنه بذلك شأن صديقه جاسر أبو علي، صياد آخر لم يعد يرى في الصيد البري هوايته وأولوية كما كانت في سابق عهدهما.

 

مئات الهكتار قطعت أشجارها وكانت موئلاً للطيور المهاجرة و طرائد الحيوانات البرية، ماتت هذه الطرائد أو قتلت، وغابت إمكانية عودتها بعد التغيرات المناخية الأخيرة، هي الأخرى فقدت بيوتها، أما الطيور فلم يعد هناك “عرق أخضر” تطؤه لتستريح من رحلاتها المكوكية في كل عام بحثاً عن الدفء.

بين الحريق والقطع الجائر فقدت إدلب أكثر من 35 ألف هكتار من أصل 45 ألف هكتار من الأشجار الحراجية، ونحو ٧٠٪ من الأشجار الحراجية في ريف حلب ما ترك آثاره السلبية على المناخ والثروة الحيوانية البرية الموجودة في هذه المناطق، أو تلك المهاجرة التي تمرّ بها في مواسم محددة.

الخرطوشة أغلى من الطريدة

يقول جاسر أبو علي  إن دخله المادي لا يكاد يكفي أسرته المؤلفة من ثمانية أفراد، وهواية الصيد مكلفة من الناحية المادية، و تتطلب مصاريف غير قادر على دفعها اليوم، ما دفعه للتفكير بتحويل هوايته إلى مهنة يتكسب من ورائها المال، وذلك بأن يبيع ما يصطاده من طيور أو  أرانب، للراغبين ومحبي هذه الإطباق  من ميسوري الحال الذين لا تسمح لهم ظروف عملهم أو لا يجيدون ممارسة الصيد.

” لم تكن فكرة مجدية ” يقول أبو علي، فثمن ما يبيعه لا يكاد يعادل تكلفة الذخيرة التي استهلكها في اصطيادها، الأرنب مثلاً تباع بين ثلاثين إلى خمسين ليرة تركية، ويتطلب صيدها أحيانا طلقتين أو أكثر، وثمن الطلقة الواحدة يصل لحدود عشر ليرات تركية، أما عصفور التين، أو طائر الفري، فـ يتراوح ثمنه بين عشرة إلى خمسة عشر ليرة تركية.

يعرض أبو فارس في محله المخصص لبيع أدوات الصيد ومستلزماته، والكائن في إحدى بلدات الشمال السوري، مجموعة متنوعة من أسلحة الصيد في أحجامها وأنواعه،  من البندقية ذات السبطانة الواحدة، إلى البنادق الأوتوماتيكية والجفت (بندقية تحوي سبطانتين معا وتأخذ طلقتين في ذات الوقت)، وتختلف كذلك عيارات الجف (قياس ماسورة الإطلاق من الداخل)، بين سلاح وآخر ويعرف منها قياسات ال 28-36-20-9-12، وجميعها بالميلي متر، والأخيرة أكثرها شهرة وانتشاراً.

يوضح أبو فارس أن الإقبال على شراء أدوات الصيد تراجع في السنتين الأخيرتين، وذلك بسبب ضعف القيمة الشرائية، نتيجة ظروف النزوح وقلة فرص العمل، كذلك لتراجع المساحات الصالحة للصيد.

لا يغفل أبو فارس أن غلاء أثمان الذخيرة ومستلزمات الصيد كان السبب الرئيس خلف هذا التراجع، ما اضطر أصحاب محلات الصيد للاستعاضة عن الذخائر المستوردة، بتلك التي يتم استخراجها من مخلفات القذائف الحربية، مثل البارود الذي يحصلون عليه من مخلفات صواريخ الغراد وقذائف المدفعية، أو من ذخيرة البنادق الآلية والرشاشات، وهذه الذخائر متوفرة اليوم، ما جعلها أرخص ثمناً من المستورد والنظامي، فبحسب أبو فارس يبلغ ثمن كيلوغرام البارود المستورد مئة دولار، بالمقابل يباع كيلو البارود الحربي بعشرة دولارات فقط، وبأن علبة الطلقات (الخرطوش) المستوردة تباع بعشرة دولارات من كافة الأعيرة النارية، أما الخردق النظامي فثمن الكيلو منه ثلاثة دولارات و الكبسولة الواحدة بخمسة سنتات أمريكية.

يقول أبو فارس:” إن الصيادين باتوا يفضلون تعبئة الذخائر بأيديهم بدل من شرائها جاهزة، حيث يصل التوفير معها إلى النصف تقريبا”.

يعرض لنا أبو الديك في منزله بمخيم باريشا، الأدوات التي يستخدمها في تعبئة خرطوش الصيد، كالقالب المعدني الذي يعيد للطلقة المستعملة انسيابها واسطوانيتها، وأداة أخرى لنزع الكبسولات القديمة واستبدالها بأخرى جديدة، ومكيالين صغيرين يشبهان كشتبان الخياطة، يستخدمان لمعايرة كمية البارود والخردق لكل طلقة، وفي النهاية ماكينة لف و تختيم فوهة الخرطوشة، بعد وضع سدادة دائرية عليها لتخرج وكأنها جديدة بالفعل وصالحة للاستخدام.

يخبرنا أبو الديك أن الحاجة دفعت الصيادين لاستنباط حلول محلية للتوفير في ثمن الذخيرة، فمنهم من يحول الرصاص المستخرج من المدخرات الكهربائية للسيارات إلى كريات صغيرة، بعد إذابته وتشكيله بصورة قضبان رفيعة، يتم تقطيعها لأجزاء صغيرة وتكويرها عبر زحنها بين سطحين مستويين، كما يلجؤون  لإعادة تدوير الكبسولات المستخدمة، وذلك بوضع مادة زهر الكبريت الموجودة في كبسولات مسدسات لعب الأطفال، التي تباع في الأعياد والمناسبات، وذلك بأن يقتلع غطاء الكبسولة ويضع زهر الكبريت بداخلها بعد تنظيفها، وتغطيتها بغطاء جديد ليعاد استخدامها مرة أخرى.

تلك الحلول التي يلجأ لها بعض الصيادة لا تخلو من مخاطرة كبيرة على الصياد، فهو يتعامل مع مواد متفجرة وقابلة للاشتعال، وهذا ما حدث مع أبو الديك نفسه، الذي فقد ساعده الأيمن قبل سنوات، وهو يحاول طحن مكعب من البارود الجاف جلبه له أحد أصدقائه، ليحدث الاحتكاك انفجار تلك الكتلة الصغيرة، والتي تبين فيما بعد بأنها حشوة خطيرة شديدة الانفجار تدعى بالسي فور، وليست باروداً  كما كانوا يظنون.

ما مرّ به أبو الديك لك يثنه عن متابعة شغفه بالصيد، يقول “يجري الصيد مني مجرى الدم”، إذ ما يزال يخرج بشكل شبه يومي قاصداً البساتين والجبال في مناطق حارم وغيرها، مع ندرة الطرائد الموجودة بها بسبب انعدام الغطاء النباتي، وعدم توفر المسطحات المائية التي تدفع الحيوانات والطيور إلى استيطان المنطقة، على عكس مناطق ريف حلب الشمالي كبحيرة ميدانكي وريف عفرين، والتي تحوي أنواعاً من الطرائد المتعددة.

لا يفضل أحمد تجربة الوصول إلى ريف حلب الشمالي ليمارس هوايته في الصيد، وذلك لبعد المسافة ولكون الوصول إلى المنطقة يتطلب عبور حواجز أمنية للفصائل التي تتقاسم السيطرة على مناطق إدلب وأرياف حلب، وأن ذلك العبور يأخذ ساعات طويلة وهي مشقة تقتل متعة الصيد لديه.

سنوات مرت على الشمال السوري، صبغته برائحة البارود وأصوات القذائف، ومشاهد السلاح الحربي تنتشر هنا وهناك، لكنها لم تستطع أن تكتم رغبة الصيد داخل من يهواها. أسلحتهم معلقة على جدران خيامهم أو منازلهم الجديدة، يعيدون تنظيفها في كل مرة واستعادة ذاكرة ملحة تسيطر عليهم في العودة إلى ما كانوا عليه، وسط ضوابط وقوانين يعرفونها جيداً ويلتزمون بها.

المادة السابقةأزمة المياه في مدينة الباب دون حلول .. من يتحمّل المسؤولية
المادة التاليةالمعالم الأثرية لبلدة باريشا مهددة بالاختفاء
"حر في زمن القمع"