تُفقد حياة المخيمات، والتي زادت مدة إنشاؤها عن سبع سنوات، الخصوصية والاهتمام بين العائلات السورية في الشمال السوري، ما يترك أثراً سلبياً على العلاقات الزوجية ويعرض الزوجان لحالة من الاكتئاب واللامبالاة.

تتداخل خيمة “أم محمد” مع خيمة أخت زوجها التي تعيل ثلاثة أطفال توفي والدهم في قصف لقوات النظام، الأطفال اتخذوا من الخيمتين مخبئين للعب، يغيب أحدهم عن ناظري الآخر ليعثر عليه لاحقاً في الخيمة الأخرى، وفي نفس الوقت تستقبل أخت أبي محمد ضيوفها في خيمة أخيها لأنها الأفضل تجهيزاً، بينما لا تليق خيمتها باستقبال الضيوف.

لم يعد بمقدور “أبي محمد” النازح إلى أحد مخيمات إدلب الجلوس مع زوجته على انفراد، فهو يقضي ساعات النهار في العمل، وعند حلول الظلام تنام العائلة المؤلفة من سبعة أفراد في فراش واحد، داخل خيمة لا تزيد أبعادها عن أربعة أمتار بمترين. يقول “أبو محمد” حولتنا الحرب إلى كهول لا يفارقهم الحزن، زوجتي فقدت العديد من إخوتها في قصف قوات النظام، وهي دائماً تلبس الأسود، بينما أنشغل بتأمين لقمة عيش الأطفال”.

أثرت الحرب وظروف النزوح القاسية على العلاقات الزوجية في إدلب، وقتلت البهجة في النفوس، وجعلت من مجتمع الخيام كتلة من الحزن، لا يجد فيها الزوج أو الزوجة وقتاً وسعة لتبادل الاهتمام.

خلال البحث جمعنا خمس قصص لعائلات تأثرت نساؤها بتلك الظروف، والتي انعكس بشكل سلبي على حياتهن. من أبرز هذه الصور قصص الإهمال، حيث بات حديث الود والحب بين الزوجين مفقوداً، إذ غابت عن وجوه النساء والرجال الابتسامة والحيوية، ولازمها شعور شبه دائم بالإحباط والحزن، والتفكير الدائم بالمستقبل المجهول.

من جانب آخر تسبب الغلاء بحرمان النساء من اللباس الجديد وشراء مساحيق التجميل، والبعض منهن وإن توفرت لديهن إمكانية الشراء، كانت أمامهن عقبات أخرى، مثل عدم وجود مكان منفصل للأولاد، عدا عن إقامتهن في خيم صغيرة وضيقة، الأمر الذي يجعلهن على مرأى ومسمع الناس بشكل شبه دائم


تحكي رويدة البيوش، ذات الأربعين عاماً، والأم لأربعة أولاد، تعيش حالياً في أحد مخيمات دير حسان :”أرغب بارتداء ثياب مناسبة لزوجي، ووضع مساحيق التجميل، لكن لا أستطيع، الخيمة لا يمكن إغلاقها وبالأحرى لا نملك مفتاحاً“.

وتابعت “منذ زمن طويل لم أجلس مع زوجي لوقت طويل وحدنا، فبأي لحظة يمكن أن يأتي إلينا أحد، كما أننا نعيش في خيمتين واحدة لأفراد العائلة، والأخرى نستعملها للطبخ والاستحمام و وفيها دورة مياه صغيرة، وحول هذه الخيمة خيام إخوة زوجي وأخواته، “في حال عطست الكل يسمع ويخبرني باليوم التالي أنني عطست”.

هذه الظروف أفقدت النساء رغبتهن بالكلام مع أزواجهن، تحوّلت علاقاتهن الاجتماعية إلى ضعيفة للغاية، والسبب بحسب القصص التي مرت معنا، هو الصدمة الناتجة عن ظروف الحرب. يقول سومر السعيد، (35 عاماً) النازح من ريف معرة النعمان الشرقي، والمقيم في أحد مخيمات صلوة “بعد أن فقدنا طفلتنا بسبب القصف، وهاجرنا من القرية، أصبح الحديث بيني وبين زوجتي مرهوناً بإجابات قصيرة ومختصرة”.

ويضيف “تمضي زوجتي وقتها بمشاهدة صور طفلتها الراحلة، تبكي على فقدها وكلّما حاولت إخراجها من هذه الحالة كنت أفشل، لا أريد شيئا سوى أن تتخطى تلك الحادثة، أنا وأولادي الاثنين بحاجة إليها، هي سند حياتنا”.

“أم عمر” تقوم بواجباتها كأم وزوجة بشكل كامل، لكن ثمة أمر ناقص، يقول “أبو عمر”، الأربعيني النازح من مدينة مورك شمالي حماة، “لا تقصر أم عمر بواجباتها المنزلية، فهي ربة منزل ممتازة، لكن هناك شيء له علاقة بالمشاعر والاهتمام تلاشى بيننا، لم تعد تسألني عن طعامي المفضل، أو تسمعني دعواتها الطيبة بالتوفيق، أو تعطيني رأيها بالملابس التي أرتديها”.

وبدورها تقول “أم عمر” ( 38 عاماً) “كنت أعيش بمرحلة أشعر وكأنني أملك كل شيء، بيت وزوج وأسرة إضافة إلى المال والصحة، لكن فجأة أرى نفسي في منزل للإيجار، وبيتي وأرضي وممتلكاتي كلها ذهبت، وشقيقي اختفى، لا أعلم إذا ما كان سيعود أم لا، كل هذه الظروف أثرت على نفسيتي كثيراً، جعلتني أقتصر على فعل الواجبات فقط من أجل إمضاء الوقت”.

“فاطمة” (35 عاماً) نازحة من ريف إدلب الشرقي إلى أحد المخيمات الواقعة قرب مدينة سرمدا، تقول إن ظروف النزوح فرضت واقعاً جديداً، فهناك صعوبة في تسخين الماء إذا ما أراد الزوجان الاستحمام، وتغمز الجارات بعضهن البعض إذا ما استحمت إحداهن في الصباح الباكر، تشير إلى أن الأمر بات محرجاً -حتى لو كنّ يأخذنه على سبيل المزاح -في جلساتهن وسهراتهن.

أعمار أولاد فاطمة تتراوح بين 12 عاماً وسبع سنوات، تقول إنها تخجل من ملاطفة زوجها أمامهم، تحاول إرسالهم إلى خيمة جدهم نهاراً حتى تحصل على بعض الخصوصية، في نفس الوقت تبقى خائفة من عودتهم أو دخول أحد الجيران بشكل مفاجئ.

تقول مسؤولة فريق الدعم النفسي الاجتماعي في منظمة العمل لأجل الإنسانية هبة سعد الدين “تواجهنا الكثير من المشاكل الزوجية، أغلبها تعود إلى الظروف الناتجة عن الحياة في المخيمات، من انعدام الخصوصية الذي ينتج عنه فقدان الاهتمام بين الأزواج، إضافة إلى ما خلّفته الحرب من تأثيرات نفسية، وخاصة لدى العائلات التي فقدت أقارب أو ممتلكات، أو التي لديها مفقود في سجون النظام ومعتقلاته”.

إن هذه الظروف تؤدي بحسب “سعد الدين” إلى مشكلات نفسية كثرة، على رأسها الاكتئاب الذي يزيد الوضع سوءً، إضافة إلى نقص آليات التكيف الإيجابي والتأقلم مع الواقع وعدم تدبر الضغوط النفسية والخوف من المستقبل.

وتضيف، “من الملاحظ أن أغلب التكيف يكون سلبياً في هذه الحالات، ما يؤدي إلى زيادة العنف الأسري وجلد الذات أو الآخرين، خاصة في ظل ضعف أو انعدام السند الاجتماعي، الذي نتج أيضاً عن تفرّق أفراد الأسرة الواحدة والأصدقاء والأقرباء، وبات كل منهم منشغلاً بهمومه، ولم يعد هناك إمكانية لتفريغ الضغوط النفسية، التي يتحوّل كبتها إلى أمراض خطيرة.

تؤكّد “سعد الدين” أنه من خلال الحالات التي عاينتها في المخيمات كانت المرأة أقدر على تحمّل كل هذه الضغوط النفسية، وهذا انعكس سلباً على حالتها النفسية واهتمامها بنفسها وزوجها وعائلتها، خاصة أن طبيعة المجتمع المحافظة فرضت ظروف تنفيس محدودة، وعلى الجانب الآخر كان الرجل أقل تحملاً لهذه الظروف فكثيراً ما كان الزوج يعنّف زوجته، وهناك ارتفاع في نسب الطلاق، أو هجران العائلة والبحث عن زوجة أخرى تصغره بالعمر وتوليه اهتماماً أكثر.

وبحسب ورقة لمركز الحوار السوري بعنوان “بلا أستار.. بلا حماية.. الجانب الخفيّ من حياة النساء في المخيمات” أصدرها في كانون الأول عام 2021 “إن من أبرز المشاكل التي تعاني منها النساء فقدان الخصوصية داخل الخيمة وخارجها؛ فالعدد الكبير لأفراد الأسرة المقيمين في الخيمة ذاتها يجعل عملية الاحتفاظ بالخصوصية -ولو بأدنى درجاتها -أمراً شبه مستحيل للنساء خصوصاً، أو للكبار أو المراهقين، أو للأطفال بدرجة أقل؛ كما أن طبيعة الخيمة -سواءٌ أكانت خيماً قماشية أو حتى من البلوك بسقف قماشي -ليست عازلة للصوت، ولا تؤمّن الحماية المطلوبة للعائلة عموماً وللنساء خصوصاً”.

وأضافت “تضطر غالبية النساء في المخيمات إلى استخدام المرافق الخدمية المشتركة كالمراحيض والحمامات، والتي فضلاً عن كونها غير كافية من ناحية العدد فهي تفتقد العديد من المعايير الدنيا المطلوبة والشروط الواجب مراعاتها لخصوصية النساء، كما أنها غير قادرة على أن تؤمّن احتياجات المرأة المطلوبة لرعاية نفسها أو عائلتها أو الحصول على النظافة أو الاغتسال”.

المادة السابقةبعد رسوب أغلبية طلاب الثانوية العامة في ريف حلب .. غضب ضد منظومة التعليم 
المادة التاليةصيدليات بلا صيادلة .. من مكان للاستطباب إلى مشاريع استثمارية
إعلامية وكاتبة سورية مستقلة وناشطة اجتماعية، مواليد ريف إدلب 1996، حاصلة على اجازة في الأدب الانجليزي.