“اتبع الرائحة تدلك على المكان”، لطالما رسمت هذه الجملة خريطة وجود، أبي محمد، في قلب بازارات (أسواق شعبية تتنقل يومياً بين القرى، ولكل قرية يوم محدد لاستقبال الباعة بمختلف ما يحملونه من مواد غذائية وأقمشة وحتى الدراجات النارية وأنواع من الطيور) ريف إدلب الجنوبي، مسقط رأسه الذي تنقل بين بلداته يبيع البهارات ويملأ المكان برائحتها.

تتبدل الرائحة وفق مواسم يعرفها الباعة وتحددها ذائقة السكان، واخزة في صيف مواسم الفليفة الحمراء ودبس البندورة، مليئة بالعصفر والحبة السوداء والشمرا واليانسون في مواسم كعك العيد، لطيفة مثل رائحة القرفة في شتاءات إدلب الباردة…

المواسم لم تعد وحدها من يحدد رائحة البهارات، مكانها في سيارة أبي محمد، كمياتها، لكن أشياء كثيرة طرأت على رحلة البهارات، البازارات تغيرت أماكنها، السكان من الوافدين الجدد، العملة، مصدر البهارات، الطاحونة، الطرقات الوعرة، عدد الباعة ومعرفتهم، الوجوه، والقدرة الشرائية.

تشريح عملي لبائع وسيارة بهارات

بجانب السائق، وعلى الكرسي أو تحته أكياس من بهارات برائحة غير نافذة، تجنباً للعطاس! يبتسم محدثنا صاحب سيارة هونداي زرقاء حوّلها إلى دكان يبيع فيه مواد غذائية وتموينية، وفي المقدمة بهارات..بهارات.

فصّل أبو محمد لسيارته منذ سنوات رفوفاً ومشابك من الحديد، وترك للجانب الأيمن من الصندوق الحديدي حرية الفتح، مثله مثل الباب الخلفي للسيارة، (على واجهتين) لجذب الزبائن، دون أن ينسى طبلية الخشب التي سيضعها أمام مكان وقوفه ويعرض عليها ما يراه الأنسب لبازار اليوم.

يبدأ وصف سيارة بهارات من صاحبها، أبو محمد، رجل في منتصف العقد الخامس من العمر، ببشرة حنطية تميل إلى السمرة التي اكتسبها من شمس البازارات، وشارب خفيف وابتسامة دائمة. فوق قميصه سترة دون أكمام وبجيوب كثيرة لا تفارقه صيفاً أو شتاء، يستخدمها لوضع النقود وحساب الزبائن وتسهل عليه عملية الفرز العملية، النقود الورقية من الفئة الكبيرة في الجيب العلوي، الأكثر تداولاً من فئة خمس وعشر ليرات في الجيب الأيسر، القطع المعدنية في الجيب الأيمن، وفق مصفوفة ألفها منذ خمسة وعشرين عاماً قضاها في السوق، ما تغير فقط نوع العملة وفئاتها، أما مكانها وتوزيعها فما يزال على حاله.

لا يبدأ أبو محمد يومه إلا بكؤوس كثيرة من الشاي، ولم يعرف يوماً إلا فيما ندر أن شمس الضحى أيقظته، الفجر بداية يوم مخطط به منذ سنوات كثيرة، يحدده مكان البازار وطرق الوصول إليه، والمرسومة في ذاكرته مثل موقع (جي بي اس) دون أن يتوه.

نحن لا نشمّ الروائح، البهارات عالقة في دهاليز كل شيء، بين طيات ثيابنا، تحت أظافرنا، ورائحتها في أنوفنا، مع الزمن يصبح الأمر اعتيادياً، والتمييز بين الروائح يصبح أكثر صعوبة.

الرائحة النفاذة تلك، هي من سحبت أبو محمد من يديه، قبل خمسة وعشرين عاماً، ليكون جزء من تسويقها، رجل يتجول في سوق للعطارة بحلب قادماً من لبنان التي عمل بها كعامل مياومة كسر حمل الحجر والإسمنت ظهره خلالها، ليعود إلى قريته في ريف معرة النعمان الغربي، باحثاً عن راحة لجسده ولقمة عيش لأولاده.

سيارة هونداي كانت آخر تطوير على دكان أبي محمد المتنقل، سبقها بيك آب من نوع داتسون أحمر اللون، وقبله (طرطورة)، لمن لا يعرفها هي وسيلة نقل محلية بثلاث عجلات وصوت مزعج، محركها ربع أو نصف حصان، ودخانها يملأ الشارع الذي تسير فيه، بلون أخضر أو ما يحاكيه غالباً. هناك أيضاً من باع البهارات على دراجة نارية يتنقل فيها بالبازارات، وضع عليها (خرجان) وملأهما بما لا يمكن أن يتخيل عقل الناظر أن تحمله دراجة.

مع كل مرحلة من مراحل تطور سيارة بهارات أبي محمد، كانت الأصناف والكميات تزيد وتتنوع، وفي كل سوق كان يحضر بائع البهارات كصديق لا بائع.

ليس للبهارات أسواق أو دكاكين خاصة في قرى وبلدات إدلب، دكاكين السمانة كانت تلبي الاحتياجات القليلة، إذ لا تعتمد ربات المنازل عليها كما هي الحال في دمشق وبدرجة أقل في حلب، لكن البازارات كانت مصدر الشراء الأوسع للبهارات وكان الناس يزورونها في أيام بازارهم، يتزينون لأجل ذلك وكأنهم في مشوار للترفيه عن أنفسهم، وقبل الوصول إلى سيارة البهارات تشدهم الرائحة لشراء ما يلزم وأيضاً ما لا يستخدم إلا نادراً.

لأجل هذا التنوع حملت تلك السيارات سمات معينة، صندوق حديدي لحماية البهارات من الأمطار والحرارة، رفوف خشبية أو حديدية، مرطبانات من النايلون يحكم إغلاقها للحفاظ على الرائحة، علب بلاستيكية أكبر لعرض البضائع في الأسواق خارج السيارة، مشابك حديدية تعلق عليها أنواع من البهارات مثل الهال والمسكة وغيرهما، أكياس من النايلون الشفاف بأوزان مختلفة تعبأ سابقاً لتسهيل البيع، خلطات يختص بها بائع عن غيره لأطعمة لم تكن منذ سنوات كثيرة حاضرة ودخلت مع باعة البهارات الذين امتهنوا ذلك في أسواق دمشق وحملوا خلطاتهم إلى قراهم، مثل بهارات المندي والشاورما والكبسة، وبها يتفاخر بائع عن غيره ويتميز ويكسب زبائنه.

لم يعد هناك غرفة للبهارات في منزل أبي محمد، النزوح وارتفاع إيجار المنازل أجبره على العيش في كتلة سكنية (مخيم) في دير حسان، تحوّلت السيارة المقفلة أيضاً إلى مستودع لما يشتريه، فيها يخلط البائع خلطاته، يوضب أكياسه، ويحني ظهره داخل الصندوق لترتيب ما يمكن ترتيبه على الرفوف.

لا تحمل سيارات البهارات لافتات تدل عليها، وجه صاحبها ورائحة ما يحمله دليل تجاري يقود الباحثين عن نكهة الأطعمة إلى المكان.

بازارات تستعصي على الخرائط

في المرة الثانية التي زار بها أبو محمد سوق العطارين في حلب لم يكن يبحث عن استرجاع رائحة استنشقها قبل أيام، كان قد حسم قراره، حمل قائمة بأسماء مجموعة طويلة من البهارات أعدتها زوجته يجهل معظمها واتجه نحو سوق الجملة.

أراد التجربة بكميات قليلة، اشترى أكياساً وزنها خمس كيلوغرامات من البهارات واسعة الانتشار مثل الكمون والكزبرة، أقل من ذلك لأنواع أخرى، واكتفى بأوزان نصف كيلو غرام من الشمرى والقرفة وما شابههما.

بازار مدينة معرة النعمان، كان أول سوق يبدأ به، رفقة صديقه بائع الألبسة، تشاركا معاً أجرة الطرطورة، وضعا (بسطتهما) بعد وصولهما، وأقبل الناس على الشراء، ربما لقلة باعة البهارات وقتها أو لوجهه غير المألوف وفضول الناس بتجربة بضائع بائع جديد، لكن ما يعرفه أنه شعر وقتها بأن هذه المهنة ستلازمه مدى الحياة.

شيئا فشيئا، اتسعت بسطة أبو محمد وتنوعت بهاراتها أكثر، أضاف لها الكمون المطحون والكزبرة المطحونة والفلفل كذلك، بحسب رغبة الزبائن وطلبهم لها. واختار أن يقوم بطحنها بنفسه في أحد المطاحن القريبة عوضاً عن شرائها مطحونة من سوق الجملة، إذ أدرك أن ذلك يحافظ على رائحتها لمدة أطول وبصورة أفضل، وهذا ما أكسبه رضا الزبائن.

صار لأبي محمد زبائن يقصدون بسطته، ينتظرون حضوره أسبوعياً، يذكر في مرة كيف أقعده المرض وجعله طريح الفراش لعشرة أيام متتالية، وكيف قابله بعض الزبائن بالسؤال عن سبب عدم حضوره في الأسبوع السابق، “لا اجمل من شعور أن هناك من يفتقد غيابك، كانوا أصدقاء لا زبائن فقط”، هكذا وصف الرجل شعوره وهو يروي لنا ما حدث.

تماشياً مع تطور عمله، قسّم أبو محمد قسماً من بهاراته إلى أوزان صغيرة تتراوح بين مئة ومئتي غرام، بحسب الصنف، يضعها ضمن أكياس نايلون شفافة، تسهيلا لعملية البيع وبخاصة في مواسم الأعياد.

تلك الاكياس الصغيرة أو كما يسميها أبو محمد “الصرر” كانت تباع بأسعار زهيدة لا تتعدى الليرة السورية أو الليرتين، هذه الطريقة ما تزال معتمدة حتى اليوم مع اختلاف سعرها، فالصرة ذاتها أصبحت بخمس ليرات تركية، يقول أبو محمد: “أعلم أن السعر مرتفع فيما لو قيس بأسعار الماضي، لكن كل شيء ارتفع ثمنه وتضاعف عند بياع الجملة”.

قصد أبو محمد بساتين في ريف المعرة وخان شيخون تكثر فيها زراعة بعض مواده التي يبيعها كالكمون والكزبرة والعصفر، واشترى كميات لا بأس بها من إنتاجهم الزراعي الموسمي وقام بتخزينه في محل صغير في داره، هذا مكنه من المنافسة من ناحية الجودة والسعر أيضاً، وتجنب مساومة الوسيط أو تاجر الجملة وحصل على محاصيل بسعر أقل.

ما لبثت تجارته أن توسعت ففكر باقتناء سيارته الخاصة، تسهيلاً لعمله وتوفيراً بالمصاريف، فاشترى بيك أب من نوع داتسون موديل سبعينات القرن الماضي، استمر ينقل عليه بضاعته ويتجول بين أسواق المنطقة وبازارتها لأكثر من أربع سنوات، إلى أن استبدله بسيارة نقل هيونداي بحمولة أكبر تصل لثلاثة أطنان ونصف الطن، ما تزال رفيقته حتى اليوم.

يقطع أبو محمد اليوم بسيارته الهيونداي الزرقاء ذات القفص الحديدي، المخيمات الواقعة في محيط مدينة سرمدا والدانة وبدة دير حسان، قاصداً أسواق البازار فيها، ففي كل يوم هناك بازار جديد، وزبائن جدد ورزق موعود في انتظاره.

الوصول الى المخيمات معاناة يومية، يحار بين أن يسلك الطريق العام رغم بعده وتكلفة الوقود العالية التي سيدفعها في المقابل، وبين الطرقات المختصرة التي تمر بين المخيمات المتجاورة على وعورتها وكثرة حفرها ومطباتها وغبارها صيفاً ووحلها شتاء.

في السابق لم تكن الطريق لتشكل عائقا أمام أبي محمد، كان يتجول بين قرى وبلدات ريف المعرة الغربي وبازارتها قبل تهجيره منها، خبر طرقاتها وحفظ أماكن حفرها وانعطافاتها، يقول أبو محمد: “كان لكل بلدة طريق واحد لا يتغير ونحن أبناء المنطقة حفظنا طرقاتها شبراً شبراً”. حينما كان يقطن في منزله المستأجر في مدينة سرمدا مع بداية التهجير قبل ثلاث سنوات، في ذلك الوقت كانت البازارات تقام في مراكز المدن كسرمدا والدانة وأطمه وحتى قاح، ولجميعها طرقات معبدة وأفضل حالا من طرق المخيمات الترابية، لكن طول المسافة وارتفاع ثمن الوقود صعب عليه العمل، كذلك كانت أجرة المنزل مشكلة هي الأخرى، فمئة دولار شهرياً يدفعها لصاحب المنزل مبلغ ليس بالقليل على بائع متجول، لهذا فضل سكنى المخيمات والتعايش مع وعورة الطريق.

” لم تعد المهنة كما كانت في السابق، ولا المتعة كما كانت” يقول أبو محمد وهو يسترسل في ذكر تفاصيل عمله، يحكي كيف نشأت علاقات صداقة بين الباعة من مختلف المهن، فغالباً كان لكل بائع مساحته المخصصة في كل بازار وسوق بالاتفاق مع جابي البلدية هناك، والذي يدفع له أجرة إشغال المكان في نهاية اليوم مثل غيره من الباعة الآخرين، كذلك كان عددهم يومها قليل مقارنة بالأعداد المتزايدة اليوم، إذ تصادف أكثر من ثلاثين بائعاً لكل صنف من المواد داخل البازارات.

“هذا كله سببه التهجير والنزوح، فما عاد المحرر يتسع لسكانه” يقول أبو محمد وهو يتابع سرد قصته، زاد عدد السكان وقلّت المساحات، كان لكل مجموعة قرى بازارتها وبائعوها، أما اليوم فالبازارات قليلة ومحدودة والباعة كثر والمشترون قلة بعد الارتفاع الكبير في الأسعار.

عاد كثر من ممتهني بيع البهارات مع بداية الثورة إلى مدنهم وبلداتهم، أعداد كبيرة منهم كانوا يمتلكون سيارات ومحلات في دمشق وحلب، هم على دراية كبيرة أيضاً بأنواع أخرى من البهارات لم تكن مألوفة في قرى إدلب وبلداتها، في البداية انتظروا ما سيحدث قبل أن يتحولوا أيضاً إلى باعة جوالين للبهارات في البازارات.

يحصل البائعون على البهارات من أسواق الجملة، قسم من هذه البهارات تدخل من الأراضي التركية، قسم آخر يطحن محلياً، وغابت أصناف أخرى، غابت روائح أيضاً عن المكان، فمنبت الأرض يختلف، ولكل منطقة بهاراتها التي تشتهر بها

نحمل معنا عاداتنا أينما حللنا حتى في الطعام

يحن أبو محمد لأيام التخصص كما في السابق، إلى فترة اقتصرت فيها مواده التي يبيعها على البهارات بأنواعها وملح الليمون والفليفلة الحمراء المطحونة ودبس البندورة، أما اليوم فتحولت بسطة البهار إلى ما يشبه دكان البقالة، تحوي المعكرونة بأنواعها المغلفة والفرط، البقوليات مثل الفول والحمص والفاصولياء والأرز وحتى الفلافل المتبل والمطحون صار جزء أساسياً من بسطته، ولا ينسى أصناف البهارات الوافدة على المطبخ السوري مثل بهارات الكبسة والمندي والكاري، أما الزعتر فخصص له ركناً في سيارته بعد أن سقطت حلب وزعترها، سابقاً لم يكن لأحد أن يبيعه، من يجرؤ على المنافسة وقتها؟

ينهي أبو محمد كوب الشاي ويعود لتفقد بضاعته في قفص السيارة، يعيد ترتيبها، المواد الأكثر طلباً يضعها بالقرب من باب السيارة، الأقل مبيعاً يدفع بها الى الداخل، هذه الأولوية تحددها ذائقة المكان الذي يقصده، فسكان المخيمات تختلف السلعة التي يطلبونها باختلاف المناطق التي أتوا منها، القادمون من الريف الحلبي على سبيل يرغبون بالفليفلة الحارة جداً، بينما يفضل أهالي الريف الجنوبي لإدلب النوعية الأقل حراً، وهذا ينطبق على بقية المواد كذلك، “لكل مطبخ ذوقه الخاص وبهاراته المفضلة وعليك أن ترضي جميع الاذواق لتكسب الزبون” يقول أبو محمد.

الاهتمام بترتيب البضاعة ومنح بعضها أولوية على غيرها في العرض، يتراجع مع اقتراب مناسبات عامة، مثل عيدي الأضحى والفطر، فمعظم أبناء الشمال السوري يتشاطرون تركيبة بهارات متقاربة تدخل في صنع كعك وحلويات العيد لديهم، لتتصدر وقتها نوعية مخصصة من البهارات كالشمرى وجوزة الطيب واليانسون والعصفر وغيرها، ليشكل كعك العيد قاسماً مشتركاً بين قاطني الشمال السوري حتى وإن اختلفت المناطق التي ينحدرون منها وتنوعت مطابخهم.

يعود أبو محمد من جولته اليومية في الأسواق، الى منزله بعد آذان العصر بقليل، يتناول طعام الغداء الذي أعدته له زوجته، ثم يجلس في فناء منزله الصغير في مخيمات دير حسان، يداعب شتلة الحبق براحة كفه يشمها وهو يغمض عينيه ويسند رأسه على جدار منزله، يحلم بيوم يعود فيه إلى بازارات ألف طرقها وسكانها.

المادة السابقةعقارات في الحسكة.. مصير تحكمه المنفعة وقوانين قسد الجائرة
المادة التاليةالمحاميات في إدلب.. قيود مهنية وهجرة جماعية من المهنة
"حر في زمن القمع"