في زاوية صغيرة من شقة سهام التي حصلت عليها في أحد المشاريع السكنية الجديدة، وعلى مساحة لا تزيد عن متر ونصف المتر، استقر حوض مطبخ صغير من الستانليس الخفيف، فوق أربعة بلوكات، وفوقها صنبور تتسرب من فتحته المياه باستمرار، رغم إغلاقه، ليصنع ما يشبه المطبخ.

ترفض سهام أن تسمي تلك الزاوية مطبخاً، كونها غير مكتملة الأركان، وليس فيها جدار يفصلها عن غرف المنزل، باستثناء جدار الحمام الذي أقيم داخله مرحاض، أيضاً دون فاصل بينهما، ولا تتجاوز مساحة الشقة كاملةً ٢٧ متراً، تضم كذلك غرفتين صغيرتين مساحة كل منهما تسعة أمتار مربعة.

تقول سهام إن مطبخها لا يتسعها ووالدتها أثناء تحضير الطعام، وهي واحدة من المتاعب التي تواجهها في شقتهم الجديدة داخل مخيم “الكمونة” السكني في سرمدا شمالي إدلب، الذي أُنشئ صيف ٢٠٢١، كأحد المشاريع السكنية البديلة عن الخيام التي تؤوي فيها مئات آلاف العائلات في شمال سوريا.

١٤٪ من المجمعات السكنية في المنطقة، والذي بلغ نحو ١١٧ مجمعاً سكنياً في إدلب وعفرين، وريف حلب الشمالي والشرقي، وكلها مجمعات سكنية يزيد عدد المنازل فيها عن ٤٠ منزلاً،  تتراوح مساحة البنايات بين ٢٠-٢٩ متراً مربعاً، و١٤٪ منها تتراوح مساحته بين ٣٠-٣٩ متراً مربعاً وفي ٢٠٪ منها تتراوح مساحة البنايات بين ٤٠-٤٩ متراً مربعاً، و١٢٪ تتراوح مساحة أبنيتها بين ٥٠-٥٩ متراً مربعاً، و٢٢٪ منها تتراوح مساحتها بين ٦٠-٦٩ متراً مربعاً و ٧٪ تتراوح مساحة أبنيتها بين ٧٠-٧٩ متراً مربعاً. وذلك حسب دراسة أجرتها منظمة وحدة تنسيق الدعم ACU.

مطبخ داخل شقة سكنية بمخيم الكمونة في سرمدا شمالي إدلب.
مطبخ داخل شقة سكنية بمخيم الكمونة في سرمدا شمالي إدلب.

كانت عائلة سهام واحدة من عشرات العائلات التي انتقلت للعيش في الشقق السكنية، قادمين من “مخيم القلمون” شرقي سرمدا، تاركين خلفهم خياماً سكنوها لمدة خمس سنوات، متحمسين لحياة أفضل وأكثر راحة، لكنهم فوجئوا بتحديات غير متوقعة في المخيم الجديد.

تقول سهام: “تحمست كثيراً لطي مرحلة صعبة من حياتي عشتها في الخيام، وظننت أني سأرتاح مع أفراد أسرتي من أمطار الشتاء التي كانت توكف علينا من قماش الخيمة، لكن الحقيقة أن السقف الأسمنتي هنا لم يمنع مياه المطر من الدخول إلينا، بسبب سوء التصميم والإنشاء، وقلّة جودة مواد البناء”.

تختلف التصاميم الهندسية للأبنية السكنية حديثة المنشأ، من مجمع إلى آخر، من حيث المساحة وعدد الغرف والإكساء الداخلي والخارجي لها، لكنها تتفق في كونها توفر سكناً إسمنتياً عوضاً عن الخيام، لكثير من النازحين والمُهجّرين، ومنها ما جرى تصميمه وفق المعايير المتعارف عليها، ونصبت أعمدة الإنارة الشمسية ومُدت شبكات للصرف الصحي وتصريف المياه، وفُرشت أرضيتها بالحصى، أو رصفت ببلاط خاص بالأرضيات، منعاً لتشكل الوحل، وزودت بقنوات تمنع تجمع مياه الأمطار، ومنها ما بني دون التقيد بتلك التجهيزات.

في شقة لا تبعد كثيراً عن منزل سهام، تسكن السيدة أم أحمد وزوجها وأبناؤها الخمسة ضمن المشروع نفسه، غير أن ضيق مساحة الغرف أجبرهم على هدم الحائط الفاصل بين الغرفتين، لتصبح الشقة بغرفة واحدة كبيرة.

تقول أم أحمد: “حُرمت من الخصوصية منذ انتقلنا إلى الخيمة، وتوقعت أني سأستعيد جزءً من حياتي السابقة قبل النزوح من منزلي بريف إدلب الجنوبي، ولكن ضيق الشقة لم يسمح بالإبقاء على الغرف الصغيرة”.

وأضافت أم أحمد: “لم يختلف الحال كثيراً في هذه الشقة عمّا كان سابقاً في الخيمة، فالشقق تلاصق بعضها البعض، وتقتحم أحاديث جيراني شقتي رغم الجدران الأسمنتية، ما يجعلني منتبهة دائماً كي لا أتكلم بصوت عال يبلغ الآخرين، كما أن باب الشقة الخارجي مفتوح مباشرة على الشارع الفاصل بين جانبي المشروع، دون وجود صالون أو موزع بين الغرف التي أصبحت غرفة واحدة، وهذا أيضاً يجعلني بحالة تأهب دائم من ناحية الملابس والحجاب”.

مخيم الكمونة في سرمدا شمالي إدلب
مخيم الكمونة في سرمدا شمالي إدلب

إلى جانب فقدان الخصوصية الذي تعاني منه معظم النساء في مخيمات الشمال السوري، وقد سلبهن قماش الخيام الشعور بالأمن والاستقرار حتى داخل بيوتهن، فقد أجمعت سيدات، من ساكنات المخيم، على أن مياه الأمطار تشق طريقها إلى الشقق عبر ثقوب البلوك غير المدعم بالأسمنت كما يجب، وكذلك عبر النوافذ غير المحكمة، والباب الخارجي أيضاً، وقال عدد من الرجال الذين سكنوا حديثاً في مشاريع سكنية أخرى، إن الشقق أشبه بعلب الكبريت، وقد بُنيت بأقل المواد تكلفة وجودة.

يقول أبو سعيد (اسم مستعار)، وهو رجل أربعيني يسكن في أحد المشاريع: “هذه الشقق ليست إلا قن دجاج ضيق، تصلح للمواشي، ورغم كوننا نازحين فنحن لا ننسى منازلنا الأصلية الرحيبة، وهذه الكتل السكنية الصغيرة لن تنسينا حقنا في العودة إلى ديارنا، التي هُجّرنا منها قبل أعوام، لنصبح تحت رحمة المنظمات والداعمين”.

وتساءل أبو سعيد عن السبب الذي يدعو القائمين على بناء الشقق إلى اختيار تلك المساحة الصغيرة التي لا تتجاوز ٢٧ متراً مربعاً، دون الأخذ بالحسبان عدد أفراد الأسرة، وترك مسافة مناسبة بين الشقة والأخرى، لتوفير شيء من الخصوصية العائلية التي افتقدوها منذ نزوحهم.

أسئلة كثيرة يطرحها النازحون دون إجابة مقنعة، بحسب قولهم.

أطفال يدخلون “منزلهم” لأول مرة 

في منطقة كفر لوسين شمالي إدلب، أنهى فريق الاستجابة الطارئة التطوعي تسليم “قرية رحماء” لمائة عائلة من قاطني المخيمات من عدة مناطق، وشملت القرية مسجداً وروضة للأطفال.

في هذه القرية تبلغ مساحة الشقة 45 متراً مربعاً، وأمامها باحة واسعة تفصل بين الشقق، التي بنيت بنظام طابقي، لتوفير عدد أكبر من الأبنية للأهالي بنفس حجم المساحة الأساسية للمشروع.

مخيم رحماء في كفر لوسين شمالي إدلب.
مخيم رحماء في كفر لوسين شمالي إدلب.

انتقلت وداد، ٣٥ عاماً، من مخيم في منطقة تل الكرامة شمال إدلب إلى السكن في إحدى الشقق، وتخبرنا عن فرحة أطفالها الذين قدر لهم أن يمضوا ستة أعوام في خيمة تفتقر لأدنى مقومات الحياة.

تقول: “شعوري في ليلتنا الأولى داخل أربعة جدران يشبه شعور ابني محمد، ٦ سنوات، الذي أمضى الليلة كلها يتأمل سقف الشقة ويسألني عنه، ويفتح الباب ويغلقه عدة مرات، ويركض على أرض الغرفة بين الجدران وهو يقول بحماس أنها قوية ولا تنشق مثل الخيمة”.

تفاصيل كثيرة حُرم منها آلاف الأطفال مثل محمد، بسبب سكنهم في المخيمات، ثم أدركوا الفارق الكبير بين الحياة الطبيعية في منزل أسمنتي، وبين العيش داخل القماش.

التقينا بالعديد من سيدات في المشروع نفسه، وأخبرننا أن حياتهن تغيرت للأفضل بعد الانتقال إلى الشقق، واستعدن شيئاً من الشعور بالاستقرار والخصوصية التي فقدنها في المخيمات.

حاولت وداد تحسين شقتها لتحاكي منزلها القديم في ريف دمشق، قبل تهجيرها إلى إدلب، فاستبدلت “مجلى” الستانليس الصغير بآخر من الرخام الأسود، وركّبت فوقه رفوفاً لوضع الأواني، ورصّت الأواني الزجاجية عليه بشكلٍ مرتّب كعادة النساء في التباهي بتفاصيل بيوتهن.

مخيم رحماء في كفر لوسين شمالي إدلب.
مخيم رحماء في كفر لوسين شمالي إدلب.

كذلك اشترت وداد ستائر للنوافذ، وخزانة للملابس، واستبدلت أوجه الفرش الإسفنجية الرمادية التي حصلت عليها من المساعدات، وغدا لونها يذكر بأيام النزوح القاسية، بوجوه أخرى مشرقة تناسب الستائر الجديدة، كل تلك الأشياء لم تكن تتسع لها الخيمة. تقول وداد: “قد تبدو هذه التفاصيل عادية بالنسبة لكثير من العائلات، لكن بالنسبة لنا كنازحين، فهي أحد أسباب سعادتنا بعد تجربة السكن في خيمة”.

تحديات البناء والتكاليف في المجمعات السكنية الجديدة

يرجع أبو ماهر الصالح، وهو متعهد بناء وصاحب شركة مقاولات في الشمال السوري، أسباب سوء كسوة الشقق السكنية إلى أمور، منها ما يعود للشركة المنفذة أو للمنظمة المسؤولة عن المشروع، يقول: “عندما يسأل متبرع ما عن تكلفة بناء شقة سكنية، يعطيه المتعهد سعراً مقيداً بالفترة الزمنية الحالية”، ويطرح مثالاً: “١٥٠٠ دولار للشقة الواحدة، وبعد مدة شهر أو أكثر يرسل المتبرع  لإحدى المنظمات مبلغاً يكفي لبناء مائة شقة مثلاً، يتم اقتطاع نسبة ١٠-١٥٪ كمصاريف إدارية للمنظمة، وهو ما يقارب حسم ١٠٠ دولار من كل شقة، وعند بدء العمل تكون أسعار مواد البناء قد ارتفعت، وأصبحت تكلفة الشقة المتفق عليها لا تتناسب مع المبلغ المتوفر، ويضطر المتعهد إلى العمل بتكلفة أقل، وبالتالي مواد بناء أقل جودة”.

غرفة داخل شقة سكنية بمجمع راما في منطقة حارم شمالي إدلب - المصدر: منظمة غراس النهضة
غرفة داخل شقة سكنية بمجمع راما في منطقة حارم شمالي إدلب – المصدر: منظمة غراس النهضة

ويؤكد الصالح أن أسعار مواد البناء في تغير مستمر، إذ ارتفع سعر طن الحديد مؤخراً بنحو ٢٠٠ دولار، وارتفع سعر طن الأسمنت من ٧٠-٨٥ دولاراً، وكل هذه التكاليف الإضافية تشكل عائقاً في البناء حسب المبالغ المتفق عليها مسبقاً والمبرمة ضمن عقود البناء.

وعن تكلفة الشقة التي تبلغ مساحتها ما بين ٢٥ و٤٥ متر مربع يقول الصالح: “تتراوح التكلفة بين ٢٠٠٠ و٢٥٠٠ دولار للشقة الواحدة، حسب الكسوة والمواد المستخدمة، وفي بعضها نترك الأرضية على الأسمنت، وفي البعض الآخر نستخدم البلاط، وبالتالي تزداد التكلفة”.

وتركز معظم مشاريع البناء على توفير الأساسيات، كالأرضية الصبّ، دون البلاط، أو شقق جدرانها دون دهان، أو دون أبواب داخلية للغرف والمنافع.

مع ذلك يحمل تقليل تكلفة مواد البناء العديد من المخاطر، يقول عنها أبو ماهر: “المخاطر تظهر تباعاً من تصدع الجدران، وتسرب مياه الأمطار إلى الشقق من خلال السقف أو الجدران”. 

مطبخ داخل شقة سكنية بمجمع راما في منطقة حارم شمالي إدلب - المصدر: منظمة غراس النهضة
مطبخ داخل شقة سكنية بمجمع راما في منطقة حارم شمالي إدلب – المصدر: منظمة غراس النهضة

وحسب دراسة وحدة تنسيق الدعم، تحتوي أبنية ٥٠٪ من هذه المجمعات السكنية على أساسات هيكلية، وتتمتع ٨٪ منها بمواد بناء ممتازة، بينما ٤٦٪ من أبنية المجمعات بُنيت بخامات جيدة، وبنيت ٣٧٪ منها بخامات متوسطة الجودة، فيما تبلغ نسبة المجمعات السكنية التي بُنيت بموادٍ ذات جودة سيئة ٩٪. 

من يحق له الحصول على شقة سكنية؟ 

رغم تعدد المشاريع السكنية الجديدة، وسعي المنظمات لتسكين أكبر عدد ممكن من العائلات، فما يزال البعض حائراً في شروط حيازة شقة سكنية.

يتساءل علي، وهو شاب ثلاثيني يسكن في  شرقي دير حسان، عن كيفية الحصول على شقة في المشاريع السكنية، بعد أن أرهقه السكن بالإيجار. يقول: “لا أعلم المعايير التي يطلبها القائمون على الشقق للحصول على واحدة منها، فأنا مُهجّر من حمص، لست موظفاً ولا أملك عقاراً، أعمل بأجر يومي في أي عمل أقدر عليه، وأسكن بالإيجار، ومع هذا لم أتمكن من الحصول على شقة مثل باقي العوائل التي انتقلت للسكن فيها، مع أني وجدت في أغلب المشاريع التي ذهبت إليها أن القاطنين الجدد هم أقارب المدير وأشقاؤه ومعارفه، وكلهم حالتهم المادية أفضل من حالتي.. يعني حتى بهي في خيار وفقوس”.

على الجانب الآخر يقول محمد الحموي، مدير البرامج في منظمة “غراس النهضة”، التي أنشأت “مجمع راما السكني” في منطقة حارم، وسلمت المشروع لخمسين عائلة مهجرة من أهالي كفرنبل مطلع العام الجاري: “آلية اختيار العائلات تكون للأسر النازحة والمهجرة من مدنها الأصلية، والتي تسكن إما في المخيمات أو في ظروف سكن سيئة جداً”.

تلتزم وزارة التنمية والشؤون الاجتماعية، التابعة لحكومة الإنقاذ في إدلب، بآلية تسجيل واختيار معينة، إذ قال محمد علي، مدير دائرة المخيمات في المنطقة: “الأولوية لنقل قاطني المخيمات العشوائية ذات الأرضية السيئة، بالإضافة إلى أهالي المخيمات القائمة على الأراضي الزراعية، أو القريبة من الطريق العام، أو خطوط توتر الكهرباء”.

أما بالنسبة للحالات الفردية فتكون في مكاتب التسكين الموجودة ضمن المديريات الفرعية بالمنطقة التي تتم فيها المشاريع.

مجمع راما السكني في منطقة حارم شمالي إدلب - المصدر: منظمة غراس النهضة
مجمع راما السكني في منطقة حارم شمالي إدلب – المصدر: منظمة غراس النهضة

كمثال عن ذلك أكد العلي أن مساكن الكمونة يتم التسجيل عليها في مكاتب التسجيل في مدينة سرمدا شمال إدلب، بعد التحقق من الاسم أو إن كان الشخص مستفيداً في مكان آخر أم لا، فإن تطابقت الشروط كأن يكون مستأجراً، وغير مستفيد من السكن في مشروع آخر أو يمتلك بيتاً، يتم قبول طلبه وتسليمه السكن في المشاريع الجديدة.

ويؤكد لنا العلي أن مهمة تنظيم عمل بعض المشاريع وآلية التوزيع تقع على عاتق الوزارة، بداية من ملكية الأرض، وخطط المشروع السكني الذي تنوي تنفيذه المنظمة، لأن أغلب العقارات التي يتم تسلمها للمنظمات هي أملاك عامة، وتوضع الشروط والقيود على المنظمة بحيث يُنفذ المشروع وفقاً للخطة التي تم تقديمها.

تنشأ بعض المشاريع في عقارات خاصة، لكن توجد قيود ومذكرات تفاهم يجب الاتفاق عليها أولاً، مثل عقد التقييد القانوني، والذي يعامل العقار كملكية عامة بهدف منع المستفيد من حرية التصرف فيه بالبيع والشراء، وتوضع إشارة في الصحيفة العقارية على العقار.

بين الملكية العامة والخاصة.. مستقبل الشقق ليس واحداً

يتساءل عدد من ساكني الشقق عن مستقبلها، ولمن تعود ملكيتها، بعد أن وقعوا عقوداً رسمية مع الجهات المنظمة تحدد شروط معينة مقابل السكن والانتفاع به.

يقول العلي إن هذه المنازل تبقى بعهدة المنظمة أو المستفيد، ما دامت الغاية من تنفيذ المشروع موجودة، وبالنهاية تعود للصالح العام كون المشاريع قامت على أملاك عامة وبإشراف جهة عامة.

وبالنسبة للعقود الموقعة مع الأهالي فهي لإلزام المستفيد بعدم التصرف في المنزل، إلا في استعماله كمسكن، فلا يجوز البيع أو الشراء أو التجارة العامة.

كذلك لا يمكن تغيير معالم الشقق، إلا في حدود بسيطة، مثل بناء سور حول المنزل إن كان المجال يسمح به، أما تغيير معالم الشقق، مثل التوسع في الغرف أو البناء، فهذا غير مسموح لأن مساحة المشروع مقيدة.

توجد أيضاً مشاريع أقيمت على أراض خاصة اشترتها إحدى المنظمات وتكفلت ببنائها لصالح مجموعة من الأهالي، كما حدث مع منظمة غراس النهضة، ويقول مدير مكتبها، محمد الحموي، في حديثه إلينا: “الأرض التي أقيم عليها مشروعنا السكني ملكية خاصة اشترتها مجموعة من أهالي كفرنبل ممن نزحوا بداية عام ٢٠٢٠، وتولت غراس النهضة ومنظمة بناء للأعمال الهندسية والإنشائية، مهمة بناء المجمع، مع الأخذ في الاعتبار تأمين جميع التراخيص اللازمة من السلطات المحلية”.

وأضاف: حددت غراس النهضة شروط التعاقد بسكن العائلة ٣ سنوات متتالية، بعدها تتملك العائلة المنزل بشكل رسمي، بالإضافة لوجود أموال زكاة المال ضمن التبرعات وهذا سبب إضافي لتمليك المستفيدين”.

تختلف الشروط بين المنظمات القائمة على المشاريع، فعقود قرية رحماء لفريق الاستجابة الطارئة، تنص على الانتفاع بالسكن دون تملك ولو بعد حين، مع تحديد شروط معينة بين الطرفين.

يأمل قاطنو تلك الشقق بعد نزوحهم المتكرر وتنقلهم بين المنازل والخيام والشقق السكنية، أن يوضع حدٌ لمعاناتهم، والعودة إلى منازلهم، التي نزحوا منها، ولم تفلح الشقق السكنية مهما بلغت جودة تصميمها في تعويضهم عنها، بل بقيت تفاصيلها العالقة في ذاكرتهم حاضرة دوماً، للمقارنة بين حياتهم سابقاً ووضعهم الحالي.

بالنسبة لعدد المشاريع التي نفذت، فقد تجاوز العشرة مشاريع في كل من: الكمونة وسرمدا، المنطقة الوسطى، ومنطقة أطمة ومشهد روحين، بحسب تصريحات محمد علي.

وأفادت وحدة تنسيق الدعم في دراستها أن ٧٩٪ من هذه المجمعات في محافظة إدلب، و٢١٪ في محافظة حلب، وفي ٣٥٪ من هذه المجمعات يتجاوز عدد الأبنية ١٠٧ بنايات، وفي ٢٥٪ منها يتراوح عدد الأبنية بين ١٠٨-٢٠٧ بنايات، وفي ١٦٪ منها يتراوح عدد الأبنية فيها بين ٢٠٨-٣٠٧ بنايات، وفي ٩٪ منها يتراوح عدد الأبنية بين ٣٠٨-٤٠٧ بنايات.

أمّا عن عدد الشقق في هذه المجمعات السكنية، ففي ٢٤٪ منها تتألف الشقق من غرفة واحدة فقط، وفي ٦١٪ منها تتألف الشقة من غرفتين، بينما تبلغ نسبة الشقق التي تتألف من ثلاث غرف ١٤٪، ومجمع واحد فقط تتألف شققه من أربع غرف.

مجمع راما السكني في منطقة حارم شمالي إدلب - المصدر: منظمة غراس النهضة
مجمع راما السكني في منطقة حارم شمالي إدلب – المصدر: منظمة غراس النهضة

رغم الظروف… البعض يفضل الخيمة

رغم سعي كثير من العائلات للحصول على شقق في المجمعات السكنية الجديدة، واهتمام المنظمات الإغاثية بتسكين أكبر عدد من النازحين فيها عوضاً عن حياتهم في الخيام، فبعض العائلات فضلت البقاء بين الجدران القماشية وليس الأسمنت.

سعاد، ٥٥ عاماً، واحدة من هؤلاء الأشخاص الذين فضلوا البقاء في خيامهم عوضاً عن الانتقال إلى شقة سكنية، وتخلّت عن شقتين خُصصتا لعائلتها ولعائلة ابنتها الأرملة في أحد المشاريع الجديدة، في منطقة كفر لوسين شمالي إدلب، الصيف الماضي.

زارت سعاد المنطقة التي خُصصت لسكنها دون إخطار مدير المخيم الذي تقيم فيه، وعاينت الوضع عن قرب، وحسمت قرارها بسبب ظروف المكان، وحرصاً على الإغاثة الشهرية التي تتلقاها في مخيمها الحالي.

تحكي سعاد تجربتها: “حصلت مع ابنتي على شقتين متجاورتين في أحد المشاريع قيد الإنشاء، وقد انتقل إليه عدد محدود من العائلات، فأحسست بالوحشة كون المنطقة نائية”.

أقيمت معظم المشاريع السكنية في مناطق متطرفة من البلدات والمدن الرئيسة، وسط مساحات شاسعة، بعضها أجرد، وطرقها ما تزال ترابية، وتخلو من المحلات التجارية ودكاكين بيع المواد الغذائية، والمدارس والمراكز الصحية، ما يجعل فكرة الانتقال للسكن فيها، وهي قيد الإنشاء، فكرة متعبة وصعبة على بعض العائلات، ولا سيما الأرامل، بالإضافة إلى انقطاع المساعدات الإغاثية عن الأهالي في بعض المشاريع من أجل تحويل الدعم لإكمال البنية التحتية بدلاً من السلال الإغاثية.

تسكن سعاد وأولادها، وعائلة ابنتها أيضاً في مخيم معرة مصرين، وتحصلان شهرياً على مساعدات إغاثة تُعينهما في مصروفها. تقول: “اعتدت وجودي في هذا المخيم، مع أقاربي الذين يسكنون جواري، واعتدت الحركة والازدحام وزيارة الجيران، وقرب المخيم من السوق وقلب المدينة، ما يسهّل عليَّ شراء أي شيء، كل هذه امتيازات سأفقدها حال انتقلت إلى للبناء الجديد في تلك المنطقة النائية كالصحراء”.

تضيف سعاد أن مدير مخيمها أخطرها بأنه وبمجرد انتقالها للسكن في المشروع السكني، سيتم شطب اسمها واسم ابنتها من قائمة المساعدات، ما يحرمها من جميع مواد الإغاثة، سواء المبالغ المالية، أو السلل الغذائية التي تحصلان عليها، وستُسحب منها الخيام وتسلَّم لعائلات أخرى.

لا تنكر سعاد خوفها من فقدان فرصة السكن في مشروع سكني، والتخلص من حياة الخيمة الصعبة، لكن عدم حصولها على الدعم المادي والغذائي في السكن الجديد جعلها تتخلى عن الشقتين، وتؤثر البقاء في خيمتها، لأن تلك المساعدات هي مصدر دخلها الوحيد. تقول سعاد: “الحيطان ما بتطعمي خبز”.

ليست سعاد فقط من تفكر بتلك الطريقة، فقد رفضت عائلات أخرى الانتقال إلى شقق سكنية، بسبب انعدام مصادر الدخل، في ظل الظروف الاقتصادية المتردية في الشمال السوري، وقلة فرص العمل، والاعتماد بشكل كامل على الإعانات الإغاثية بسبب الأوضاع المعيشية القاسية، ما جعل حياة المخيمات، على صعوبتها، هي أفضل الخيارات المتاحة في حياة تحاصرها تحديات بلا نهاية.

المادة السابقةحجز أوراق اللاجئين السوريين الثبوتية في لبنان يحرمهم من حقوقهم المدنية
المادة التاليةساحات إدلب ودواراتها.. من أين تستوحى أسماؤها ورموزها