من بساتين منطقة حارم شمالي إدلب - فوكس حلب
من بساتين منطقة حارم شمالي إدلب - فوكس حلب

انخفض إنتاج بستان مصطفى الجابر من “الجانرك” هذا العام بنسبة 90 بالمئة مقارنة مع الأعوام السابقة، نتيجة موجة الصقيع التي ضربت أشجاره -الممتدة على 12 دونماً في ريف مدينة سلقين، الواقع في حوض نهر العاصي، غربي إدلب -عندما كانت في طور الإزهار خلال فصل الشتاء الفائت.

تعدّ هذه البساتين مصدر الرزق السنوي الوحيد لعائلة الجابر وعائلات عشرات المزارعين من أبناء المنطقة، لكن في هذا الموسم الذي شهد تقلبات جوية وموجات صقيع متتالية تراجع حجم الإنتاج بنسبة كبيرة، وحُرم المزارعون من المحاصيل التي كانوا ينتظرونها طيلة العام، بل إن بعضهم منيوا بخسائر كبيرة، لا سيما الذين يعتمدون على الري والتسميد من أجل الحفاظ على جودة إنتاجهم.

مصطفى الجابر واحد من المزارعين الذين يداومون على تصدير محاصيلهم المحلية عن طريق السماسرة إلى مناطق سيطرة قوات النظام، ليصار إلى تصديرها خارج سوريا لاحقاً، لكن ومع خسارة 90 بالمئة من إنتاج هذا العام، وارتفاع تكاليف الري والأسمدة، بحسب الجابر، فإنه اضطر وكثير من المزارعين إلى تصريف محاصيلهم محلياً.

من بساتين منطقة حارم شمالي إدلب – فوكس حلب

الأضرار طالت كل أنواع الأشجار المثمرة

لم يقتصر الأمر على أشجار الجانرك، بل إن معظم الأشجار المثمرة في حوض العاصي في إدلب تضررت بفعل موجات الصقيع. زهير يعقوب، يملك بستان مشمش قرب مدينة حارم، يقدّر نسبة تراجع إنتاجه هذا العام بنحو النصف مقارنة مع الأعوام السابقة، وذلك بالرغم من توقعاته بأن يكون الإنتاج مثالياً هذا العام، بعد سلسلة المنخفضات الجوية وكمية الأمطار التي تعرضت لها المنطقة، إضافة لكثافة الأزهار واستخدامه أصنافاً متنوعة من الأسمدة وأدوية تثبيت الزهر، حيث تناثرت تلك الأخيرة قبل أن تتحول إلى ثمار.

يقول يعقوب: ليست موجات الصقيع التي تعرضت لها البساتين وحدها التي أثرت في انخفاض كمية الإنتاج هذا العام، بل إن ذلك عائد أيضاً إلى التقلبات المناخية، حيث ترافقت عملية عقد ونمو الثمار بارتفاع وانخفاض كبيرين في درجات الحرارة، وهو ما حدّ من جودتها أيضاً.

ويشير إلى، أن الأشجار التي تنمو في منطقة حوض العاصي تحتاج إلى مناخ معتدل خلال فترة نمو الثمار، حتى تنتج ثماراً جيدة، وأي تقلبات طقسية تنعكس على جودتها، وهذا ما تعرضت له معظم بساتين مزارعي المنطقة هذا الموسم.

من بساتين منطقة حارم شمالي إدلب – فوكس حلب

أبو ياسر، يملك 120 شجرة خوخ قرب مدينة حارم، يقول إن معدل إنتاجه هذا الموسم انخفض من ثلاثة أطنان إلى 500 كيلوغرام، لافتاً إلى أن الأضرار لم تتوقف على هلاك الأزهار، إذ إن معظم الإنتاج هذا العام جاء رديئاً، نتيجة تعرض الثمار لموجات حارة تارة، وباردة تارة أخرى ما حدّ من نموها بشكل كبير، بل إن أصحاب البساتين لم يحصّلوا ما تكلّفوه من نفقات خلال أيام العام.

ويلفت إلى أن هذه الخسائر دفعت بعضهم لاتخاذ إجراءات للحد من قيمتها عبر اللجوء إلى الزراعات الصيفية بين الأشجار، بما في ذلك الخضروات وأصناف مختلفة من الحبوب، وهو إجراء اتخذه أبو ياسر بعد أيام قليلة من موجات الصقيع التي أفقدت أشجاره أكثر من ثلثي حملها، حيث قام بزرع شتول من الخيار الصيفي.

الحال ذاته بالنسبة لأبي عماد، فبعد سلسلة من عمليات الري لأشجار الخوخ في بستانه انتهت بخسارته لأكثر من ثلثي الموسم بفعل الصقيع، استغل خصوبة أرضه بزراعتها بالخس لتعويض بعض التكاليف التي خسرها.

يقول من التقيناهم من أصحاب البساتين، إنه وبالرغم من تأثير تلك الزراعات على الأشجار بشكل عام وعلى الثمار بشكل خاص، إلا أن خطوة الزراعة الصيفية جاءت لتغطية الخسائر التي لم تتوقف عند خسارة المحصول، بل تجاوزت ذلك إلى أثمان الأسمدة والحراثة وأجور العاملين والمحروقات، مع الإشارة إلى أن معظم المواد مثل المحروقات المستخدمة في الري -التي تشهد أسعارها ارتفعاً بشكل مستمر ـوأجور العمال والصناديق المستخدمة في تعبئة المحاصيل من أجل نقلها للأسواق تضاعفت أسعارها هذا العام.

خسائر الأشجار المثمرة وصلت إلى 70 بالمئة

مدير الزراعة في منطقة حارم، سليمان عدلة، قدّر، في حديث مع فوكس حلب، خسائر المزارعين من الجانرك والخوخ الباكوري بنسبة تجاوزت الـ70 بالمئة، وأما المشمش والخوخ المتأخر فوصلت النسبة إلى 20 بالمئة مقارنة مع محاصيل الأعوام السابقة، وأرجع ذلك إلى موجات الصقيع غير المعتادة التي تعرضت لها الأشجار.

من بساتين منطقة حارم شمالي إدلب – فوكس حلب

وأشار إلى أن مساحة الأراضي المزروعة بالأشجار المثمرة في منطقة حارم تبلغ 80 بالمئة من نسبة الأراضي المزروعة، لافتاً إلى أن نسبة اللوزيات تبلغ نحو 20 بالمئة من مجموع هذه الأشجار، لكن زحف المخيمات المستمر أصبح عاملاً رئيسياً في انحسار هذه المساحات الخضراء، وفقاً لقوله.

لقد انعكس انخفاض الإنتاج هذا العام بالنسبة لأشجار اللوزيات وغيرها من الأشجار المثمرة المنتشرة في منطقة حوض العاصي على أسعار تلك هذه الثمار، لا سيما أن المنطقة تعتبر المورد الأول لإنتاج وتصدير اللوزيات إلى الشمال السوري والخارج وخاصة لبنان والعراق.

ارتفعت أسعار اللوزيات في أسواق الشمال السوري هذا العام إلى عدة أضعاف مقارنة مع أسعارها في العام الماضي، وجاء في المقدمة الجانرك، إذ ارتفع سعر الكيلو من سبع ليرات الى 25 ليرة تركية، وارتفع سعر كيلو المشمش من 10 إلى 30 ليرة، والحال ذاته بالنسبة لباقي الثمار التي لم تنضج بعد مثل الخوخ والرمان والتفاح والدراق، فهناك توقعات من المزارعين أن ترتفع أسعارها بنسبة كبيرة عن العام الفائت.

بدوره يرجع المهندس الزراعي المهتم بالأحوال الجوية أنس الرحمون، سبب خسائر المزارعين هذا الموسم إلى تعرّض أشجارهم، لا سيما، تلك الواقعة في منطقة حوض العاصي وجبل الزاوية إلى موجات صقيع طويلة ومتتالية بلغت فيها درجة الحرارة ما دون الصفر، استمرت لمدة سبعة أيام خلال شهر آذار، وهي الفترة التي تنتقل فيها الأزهار إلى مرحلة العقد حيث تتحوّل إلى ثمار، وفي هذه الفترة بالذات تحدّد كمية الإنتاج، بحسب قوله.

ويشير الرحمون إلى أن الصقيع أسفر عن تجمد حبوب الطلع داخل الأزهار، وبالتالي فقدت قدرتها على القيام بوظيفتها المتمثلة بعملية الإلقاح بالإضافة لحدوث تفجر داخل خلايا الأزهار نتيجة رطوبتها، ما أدى إلى عطبها، لافتاً إلى أن الأضرار لم تقتصر على أشجار اللوزيات والفواكه فالطقس الباردة وما تبعها من درجات حرارة مرتفعة ألقت بأضرارها على بعض الأصناف من الأشجار، لا سيما أشجار الزيتون، التي تعتبر أكثر حساسية للعوامل الجوية.

المصدر اقتصاديات استخدام مياه الري في حوض العاصي في سورية - عائشة محمد يوسف 2018
خارطة الأحواض المائية في سورية – المصدر: رسالة ماجستير بعنوان اقتصاديات استخدام المياه في حوض العاصي لـ عائشة محمد يوسف

ويطلق على الأراضي الواقعة على جانبي نهر العاصي اسم “حوض العاصي”، وتعدّ هذه المنطقة انطلاقاً من الأراضي اللبنانية مروراً بمحافظات حمص وحماة وإدلب إلى الأراضي التركية، وللحوض أهمية زراعية واقتصادية كبيرة في سورية، إذ يعتبر قلب سوريا المائي، وتبلغ مساحته الإجمالية 24660 كلم مربعاً، 68.6 بالمئة منها في سوريا، ويشكّل 9,3 بالمئة من إجمالي مساحة الأراضي السورية.

مجرى نهر العاصي- فوكس حلب

وبحسب دراسة لمنظمة “ألفاو” عام 2008 فإن الحوض يسهم في ري 50 بالمئة من المساحة المزروعة المروية في سوريا، ووصل إجمالي المساحة المروية منه عام 2008 إلى 215000 هكتار، وتستهلك سوريا ما يصل إلى 90 بالمئة من مياهه، وبنت عليه 49 سداً.

 

المادة السابقةاستراتيجية إيران في سوريا تتحقق بنهب أملاك السوريين.. قضم تدريجي في حلب 
المادة التاليةالتنيتوس.. أن تبقى أسير الطنين
كاتب صحفي سوري، يكتب لمواقع إعلامية محلية.