بناء في ظروف قاهرة1-فوكس حلب-تصوير محمد جميل

مطلع آذار/ مارس الماضي، أعلن المجلس المحلي في بلدة زردنا، شمالي إدلب، عن بدء التسجيل ضمن مشروع إكساء البيوت غير الجاهزة للسكن “بيوت على العظم”، لها أسقف وجدران فقط، وينقصها الأبواب والشبابيك وبلاط الأرضيات، وصقل الجدران بالإسمنت.

ينفيذ المشروع منظمةٌ إنسانية تعمل في مناطق شمال غرب سوريا، وتهدف لتسكين عائلات نازحة من مناطق سورية عدة، أبرزها أرياف حلب وإدلب وحماة، بعد توقيع عقد بين العائلة النازحة ومالك المنزل، يفيد بإسكان العائلة النازحة لمدة عام كامل بدون أجر، في المقابل تقوم المنظمة بتجهيز المنزل بالحد الأدنى من مستلزماته، سيراميك أرضيات المنافع، الحمام والمطبخ والتواليت، وتركيب مجلى وأبواب ونوافذ.

نَشَّط المشروع حركة البناء في البلدة، وأمَّن فرص عمل مؤقتة، في ظل قلة أعمال البناء، خصوصاً في فصل الشتاء، مقارنةً بأوقات أخرى من السنة.

منصور واحد من أشهر معلمي البناء في البلدة، يقود ورشة تضم أكثر من 10 أفراد من معلمي البناء، والعمال المساعدين الذين يتولون مهمة تحضير جبلة الطين ومناولة البلوك، بالإضافة إلى المعدات التي يحتاجها في أثناء البناء ويكون على العامل الوقوف إلى جانب المعلم، وإمداده بما يريد قبل أن يطلب.

يُعفي المشروع العائلة النازحة من إيجار منزل لمدة عام كاملٍ، مقابل تجهيزات تبلغ قيمتها نحو 1500 دولاراً، يستفيد منها المالك بعد انتهاء إقامتهم.

 تضاعّف سعر طن الحديد خلال عام واحد من 425 إلى 950 دولاراً والإسمنت إلى أكثر من ضعفين، لم يوقف حركة البناء في المنطقة التي تعاني أصلاً من أزماتٍ عدة مثل ارتفاع الأسعار، قلة فرص العمل، ضعف الأجور، إلى جانب مخاطر التعرض للقصف.

رغيف خبز مدهون بدبس البندورة مع كأسٍ من الشاي شديد الحلاوة، هي وجبة عامل البناء، ليستطيع القيام بأشغاله الشاقة، والتي تحتاج إلى جهد بدني يستمر ساعاتٍ طويلة. 

لا يملك العامل خياراً سوى التقشف في طعامه، والاكتفاء بذلك الرغيف، إذ لا تتجاوز يوميته 40 ليرة تركية (ما يعادل 2.8 دولار) لا تكفي لشراء وجبة متوسطة لعائلة في إدلب.

غلاءُ المعيشة وقلةُ فرصِ العمل في الشمال السوري، تُجبر عُمال البناء على العملَ في طقس شديد البرودة، قد يصل إلى 3 درجات نهاراً، ودرجتين تحت الصفر ليلاً، مقابل أجر زهيد.

شجَّع المشروع سكان المنطقة من أصحاب المشاريع الجديدة ومُلَّاك “البيوت على العضم”، على استكمال أبنيتهم لتحقيق المعايير المطلوبة من قبل المنظمة، وهي أن يكون البيت مكتمل الجدران  والسقف، وبعدها يتم الاتفاق مع عائلة نازحة لتنقل متاعها، وتسكن لمدة عام في منزل مجهز بالحدود الدنيا، من دون مقابل.

في ورشة المعلم منصور نرى يوسف، 12 عاماً، ومحمد، 11 عاماً، وهما أصغر عاملين في المكان، يركضان في كل اتجاهٍ ليؤديا أعمالهما، من نقل المعدات والرمل والإسمنت والبلوك من مكان إلى آخر. عمل شاق خصوصاً أن وزن البلوكة يبلغ 16 كيلوغراماً، يرفعها يوسف من الأرض إلى كتفه، ويواصل العمل.

يقول يوسف إن رفاقه أصبحوا في الصف السادس، لكنه ترك المدرسة منذ ثلاث سنوات، أسأله: هل تفكّر بالعودة إلى المدرسة؟ فيكتفي بابتسامةٍ، ويحمل سطل الطين ويمضي إلى معلمه الذي يصيح: “يالله عجّل”.

المادة السابقةمن أين لنا البحر.. ونحن نعيش هنا
المادة التاليةحلاقون في حلب
كاتب صحفي سوري "لايوجد شيء مستحيل ....كل شيء ممكن"