“بابا ليش ما بتاخدنا على البحر؟”

باغتني طفلي الصغير، ذي الست سنوات بهذا السؤال. سن صغيرة جداً، تحمل في مفرداتها ما يثير دهشتنا، نحن الكبار، ليس فقط لقدر براءتها، بل لبديهيتها ومنطقيتها أحياناً، ولصعوبتها في أحيان أخرى. لهذا أُخذت بسؤال طفلي الجديد، ولم أجد ما أقوله سوى: “لأن إدلب ما فيها بحر”.

أتامل سؤال صغيري، وأفكر في إجابات أخرى تسعف آباء آخرين قد يجيبون عن سؤال كهذا بقصّ تفاصيل مأساتنا السورية، منذ بداية الثورة، وما تلاها من دمار للمدن، والحصار الذي نعيشه في شمال البلاد، فاليوم لا يستطيع سكان تلك المناطق المغادرة، لا عبر تركيا، ولا في اتجاه المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري، سواء كان من سكان المنطقة، أو ممن هُجِّر إليها.

طالما كنت متأهباً لأن يطرح عليَّ طفلي أسئلة وجودية، مثل ملايين الأطفال الذين تتفتح أعينهم على الكون فيسألون عن الإله، عن الموت، عن الولادة، وكيف يتشكل الجنين، ومن أين يأتي وكيف. ثقّفتُ نفسي بدراساتٍ عدة تناقش أسس تربية الطفل والتعامل معه، وكيف أصوغ له إجاباتٍ تُشكّل بداية معرفته بالعالم. لكن كل قراءاتي انهارت أمام أمنية الذهاب إلى البحر التي لاحت في خيال طفلي.

لم أُرد إدخال طفلي في هذه الدوامة، ليس لقسوتها عليه فقط، بل لأنها ستستدعي عشرات الأسئلة الأخرى التي تتعذر إجاباتها. سؤال طفلي عن البحر نابعٌ عن الفضول فحسب، فهو لا يجيد السباحة، ولا يعرف عن البحر إلا ما شاهده ببعض مقاطع اليوتيوب لأطفال يسبحون أو يلعبون على رماله الذهبية.

أمّا أنا فأذكر رحلتي الأولى إلى البحر حينما كنت في مثل عمره، ولا أستحضر من تفاصيلها إلا قدوم الباخرة التي حملت أخي العائد من الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت، دون أن يعني لي البحر أي شيء وقتها، فما الحاجة لإدخال طفلي في تفاصيل لا تعنيه في الوقت الحاضر؟

أطفالنا لا يشاركوننا الحنين إلى الماضي

لم أتحدث مع طفلي عن سبب وجودنا في إدلب، وسبب تنقلنا من مكان لآخر، ولم أخبره أننا، مثل غيرنا من السوريين، نملك منزلاً في مدينة أخرى. ما زلت أظن أن الوقت مبكر، لأن أشرح لطفلي “لماذا نحن هنا؟” وارتباط مصيرنا بمتاهات السياسة، وأثمان كبيرة دفعناها من أجل حياة أفضل في بلدنا سوريا. كنت آمل أن أمنحه نوعاً من الانتماء إلى المكان الذي نعيش فيه، لكن يبدو أنني فشلت.

بدأت علامات العزلة تحيط بطفلي، حين أراقب تحركاته في الحديقة العامة، أشاهد كيف ينتظر ابتعاد الأطفال عن إحدى الألعاب، وعندها يتقدم ويلعب بها وحده، وحين يعود الأطفال مجدداً، يغادر طفلي إلى لعبة أخرى تمنحه العزلة.

لا يحنّ طفلي لأي من المنازل الأربعة التي سكنها، بل يحاول أن ينسى أصغر تفاصيلها، وفي صورنا القديمة يركز على شكله فقط، ولا ينتبه لأي تفصيلة أخرى، في الوقت الذي ما زلتُ فيه أحن لأول منزل عشت به، في حرستا بريف دمشق، رغم مرور ثلاثين عاماً على مغادرته.

سألني ذات يوم بعد عودته من الروضة: “بابا، أنا من وين؟”، فأخبرته أننا من إدلب، لأتهرب من رحلته الطويلة التي تقول إنه ينتمي في الأصل إلى قمحانة بريف حماة، وولد في كفرنبل بريف إدلب الجنوبي، واليوم يعيش في مدينة إدلب.

أردت منحه إجابة تدفعه للاندماج أكثر مع رفاقه في المدينة، لكن عندما أسأل عنه معلمته في الروضة، تقول لي إنه لا يختلط بأصحابه، وينشغل برسوماته وكتاباته، بينما يقضي الأطفال وقتهم بألعابهم الجماعية.

أسئلة بديهية في حياة غير طبيعية

بعد نقاشات مطولة خضتها رفقة أصدقاء كثر، أيقنت أن أسئلة أطفالنا تختلف عن أسئلة الأطفال الوجودية التقليدية، فالمجتمع وطبيعة حياتنا معهم وأحاديثنا كعائلاتٍ أمامهم، تُبلور منظوراً مختلفاً يحيّرهم ويثير تساؤلاتهم.

يحكي لي صديقي محمد العلي، أنه يأس من إقناع ابنه ذي السبع سنوات بالأسباب التي تدفعهم للإقامة في سلقين شمال غرب إدلب، بينما يقطن جده في باتبو شمالي إدلب، وعمه في جنديرس شمالي حلب، وطالما تساءل طفله عن سبب تفرقهم وامتناعهم عن العودة لبيتهم القديم ليعيشوا معاً، رافضاً كل القصص التي يحكيها والده عن القصف والنزوح، واحتلال قوات الأسد لقريتهم، ما أجبرهم على ترك المنزل الذي يعيشون فيه جميعاً.

تساؤلات مشابهة يطرحها ملهم ذو الخمس سنوات على والدته، فهو يتقصد دائماً أن يسأل عن عمه (الوحيد) المعتقل، والذي لا يعرف عنه إلا صورته. تقول والدته إنه يسألها دائماً: “ليش كل الأولاد عندهم عمو وأنا ما عندي؟”.

أخبرته أمه يوماً أن لديه عم، لكنه معتقل في مكان بعيد وسيعود يوماً، ومنذ ذلك الحين باتت تشعر أنه بانتظار تلك اللحظة، وطالما كرر عبارة “بكرة بس يرجع عمو”.

أسئلة الطفلة سناء تشبه أسئلة ملهم، فهي لا تتوقف عن سؤال أمها: “ليش الأولاد عندهم أب وأنا لا؟”. استشهد والد سناء بقصف جوي قبل ولادتها بأشهر، ولم تتمكن من رؤيته إلا عن طريق الصور، مع ذلك فهي متمسكة بحقها كطفلة في أن تملك أباً، رغم محاولات أمها المستمرة لتأمين احتياجاتها كافة، وتعويضها عن فقده.

تقول والدتها: “بعض الأشياء يستحيل تعويضها، لهذا أكتفي بصرف النظر عن سؤال طفلتي، أو إجابتها بأن بابا في الجنة، وتركها قبل أن تلحظ ولادة دموع جديدة في عيني، وتكتشف ضعفي المشابه تماماً لضعفها”.

في ريف إدلب الجنوبي تقف أم حسن، حائرةً أمام سؤال ابنها: “ماما، انتو شو عملتوا لبشار الأسد حتى بيقصفنا هيك؟”. تقول أم حسن: “أجبته مراراً بأننا أخبرناه فقط أننا لا نريده، لكن هذه الإجابة لم تقنعه قط. كيف لطفلٍ بعمر السادسة أن يفهم ردات فعل كهذه”.

لا تتشابه أسئلة طفلي مع أسئلة الأطفال الآخرين في إدلب، والتي تختلف بدورها عن تساؤلات الأطفال الذين يعيشون خارج هذا النطاق. كل منهم يبحث في أسئلته عن حاجته الأساسية، ويكشف بطريقة طفولية ما تخفيه نفسه، ويصعب عليه البوح به.

سؤال طفلي عن البحر، ذكرني بمشاهد من الفيلم اليوغسلافي “تحت الأرض“، للمخرج الصربي أمير كوستوريتسا، والذي يوثق الفترة الزمنية التي مرت بها يوغسلافيا إبان الحرب العالمية الثانية والاحتلال النازي لها، وما تلاها من حرب أهلية، وتدور أحداثه حول مجموعة من الأشخاص لجؤوا إلى قبو يحميهم من وطأة الحرب في يوغسلافيا، فعاشوا فيه لمدة عشرين عاماً.

يركز الفيلم على شخصية الطفل “جوفان”، الذي ولد وتربى، وعاش حتى تزوج، في ذلك القبو، دون أن يعرف شيئاً عن الحياة في الخارج، وعند خروجه بدأ يطرح أسئلة تبدو مُسلَّمات لمن هم أصغر منه بسنوات. في نهاية الفيلم يعود الأبطال إلى الحفرة التي عاشوا فيها، إشارةً لرفض الواقع الموجود خارجها.

دائماً ما أفكر في أننا نعيش حياة مماثلة في قبو كبير اسمه إدلب، نتشابه مع أبطال الفيلم في تمسكنا بحفرتنا، بينما يجاهد أولادنا للخروج من هذا الواقع وبناء حياة جديدة.

المادة السابقةرجال الأرصفة في مدينة حلب
المادة التاليةبناء في ظروف قاهرة
صحفي وناشط إعلامي من سوريا من مواليد حماه.