الصورة من إحدى الصيدليات في مدينة جنديرس.
الصورة من إحدى الصيدليات في مدينة جنديرس.

يحدد الصيدلاني سعر مبيع الأدوية في جنديرس بريف عفرين وفق عملية حسابية يترك فيها لتقديراته تسعير الأدوية وهامش الربح، في ظل غياب أي لوائح سعرية ملزمة من قبل مديرية الصحة.
ضمن دائرة يصعب شرحها، تتفاوت أسعار الأدوية، بحسب مصدرها والطريق الذي سلكته للوصول إلى المستودعات ومن ثم رف الصيدليات والعملة المدفوعة، إضافة لتوافرها أو ندرتها.

سعّر قبل أن تشتري

أربع ليرات تركية كان الفرق في ثمن علبة دواء تيمبرا، خافض حرارة للأطفال، بين الصيدليات الأربع التي زارها محمد العلي، مهجر يسكن في جنديرس، خلال رحلته للبحث عن السعر الأقل بثمن الدواء، يقول محمد إن تسعير الدواء بات عادة يتبعها سكان كثر في المنطقة بعد أن لاحظوا الفارق الكبير بأسعار الأدوية التي يشترونها بين صيدلية وأخرى.

يضيف محمد أن هذا التفاوت يشكل فارقاً عند السكان، إذ يصل الاختلاف أحياناً إلى نحو 40٪ من قيمة الدواء، وهو ما يمكن أن يعكسه المواطن لشراء احتياجات أخرى، متسائلاً عن سبب هذه الفروقات في منطقة واحدة، وأحياناً في صيدليتين متجاورتين.

كلام محمد دفعنا إلى تجهيز قائمة بعشر علب دوائية مختلفة وتسعيرها في أربع صيدليات مختلفة، راعينا فيها سعر الصرف والمرور على الصيدليات في اليوم ذاته، سنورد نتائجها في الجدول التالي:

جدول اسعار ادوية في صيدليات مدينة جنديرس.

اختلفت أسعار الأدوية العشر بين الصيدليات، بنسبة 57.5٪، وتطابقت بنسبة 37.5٪، في حين كان عدم توفر الدواء في واحدة من الصيدليات التي زرناها يمثل 5٪.

يوضح الجدول الذي عملنا عليه أيضاً تفاوتاً في الأسعار يتراوح بين 20٪ ويقترب من نحو 40٪ في بعض الأدوية والتي اخترناها من الأدوية الشائعة كثيرة الاستخدام في المنطقة، كأدوية الحرارة والالتهابات، وراعينا في كل صيدلية تطابق اسم الدواء وشكله من الشركة المصنعة والمصدر.

التصريف والتهريب وغياب الرقابة

تصل الأدوية إلى جنديرس من ثلاثة مصادر، معامل الأدوية في مناطق النظام، الأدوية المستوردة من تركيا، الأدوية المهربة من مصادر متنوعة كالصين والهند، ويدفع ثمنها بعملات مختلفة أيضاً، الليرة السورية، الدولار، والليرة التركية، يضاف إليها أجور النقل والتهريب.

يعتمد سكان المنطقة وصيادلتها على الليرة التركية في تعاملاتهم اليومية، وهو ما يفرض التحويل إليها أياً كان مصدر الدواء، ويمثل عدم ثبات العملات واحداً من الأسباب التي تشكل فرقاً سعرياً بين الأدوية في الصيدليات.

يقول صيدلي، فضل إخفاء اسمه، في جنديرس، إن نسبة الربح المضافة، والتي تختلف بين نوع وآخر وصيدلية أخرى، إضافة لأسعار الصرف والمضاربة بين أصحاب الصيدليات، يفسر اختلاف أسعار الأدوية، كذلك غياب أي دور لمديرية الصحة في إيجاد صيغة أو قوائم لتثبيت أسعار الدواء.
ويضيف الصيدلي أن مستودعات الأدوية تلعب الدور الأكبر في اختلاف الأسعار، إذ تحدد ثمن أدويتها يومياً وفقاً لسعر الصرف والمصدر ووفرة الدواء أيضاً.

يقول صاحب أحد المستودعات إنهم يقومون بدور الوسيط، وإن اختلاف الأسعار اليومي يكون لأسباب عدة أهمها مصدر الدواء وتكلفة وصوله، ويضرب مثالاً على ذلك بأن الأدوية السورية في مناطق النظام ارتفعت مرات عديدة، وفي كل مرة يرتفع فيها الدواء ينعكس ذلك الفرق على الصيدليات في المنطقة، إذ يبيع بعضهم بالسعر القديم بينما يبيع آخرون بالسعر الجديد، كذلك تضيف المستودعات ومعامل الأدوية في مناطق النظام مبالغ كبيرة على ثمن الأدوية حين معرفة وجهتها، وأخيراً تحمّل بعض المستودعات أدوية قليلة الاستعمال على طلبيات الأدوية كشرط رئيسي للحصول على الكميات المطلوبة، وهو ما يدفع المستودعات والصيادلة لإضافة ثمنها على العبوة الأصلية تجنباً للخسارة.

ويضيف صاحب المستودع إنه وفي الأسبوع الماضي راسل أحد مستودعات الأدوية في مناطق النظام في حلب، وعندما علم أن وجهة الدواء إلى مناطق عفرين طلب ضعف السعر للأدوية، مبرراً عدم التزامه بالأسعار حال بيعها خارج مناطق النظام.

حسين الحسين، موزع أدوية، يقول إن الاختلاف الأكبر يكون في الأدوية سورية المنشأ، ويقل هذا الاختلاف في الأدوية التركية أو المستوردة، ويعزو ذلك لثبات السعر بالدولار ما يجنب الموزعين مشاكل التغيرات السعرية اليومية. ويحدد الحسين نسبة الأرباح المتفق عليها بين الموزعين بنحو 10٪ وهو ما يعتبره حلّاً للفروق السعرية بين الصيدليات.

لعلي المصطفى، عامل في صيدلية جنديرس المركزية، رأي آخر في ثبات أسعار الأدوية المستوردة، يقول إن انخفاض سعر صرف الليرة التركية دفع مستودعات الأدوية إلى إلزامنا بتثبيت سعر فواتير الدواء بالدولار. أرانا فواتير الشراء المسعرة بالدولار ولم يسمح لنا بتصويرها.

وأضاف المصطفى: أن تعدد مصادر الدواء وتعدد عملات التسعير يلعب دوراً في فارق السعر، كما أن نسبة الربح التي تضيفها الصيدليات على سعر الدواء تجعل من تفاوت أسعاره أمراً واقعاً، وقدر هذه النسبة بين 30 إلى 40٪.

ويخبرنا المصطفى أن الأدوية السورية، خاصة غير المتوافرة، هي الأكثر عرضة لاختلاف أسعارها. وهو ما اتضح معنا من خلال تسعير دواء Adult vit صناعة سورية، إذ تراوح سعره بين 25 و 37 ليرة تركية.

الصورة من إحدى الصيدليات في مدينة جنديرس.
الصورة من إحدى الصيدليات في مدينة جنديرس.

لا رقابة

غياب دور مديرية الصحة سمح للعاملين في مجال الصيدلة باعتماد أسعار دون وجود مرجعية تحددها أو تحدد هامش الربح لهم، إضافة إلى عدم تحديد عملة التداول في البيع والشراء. يقول من تحدثنا معهم من صيادلة وأصحاب مستودعات، وهو ما أكده أحمد عيسى مسؤول الصيادلة في مديرية صحة عفرين والذي قال: إن دور مديرية الصحة في ضبط أسعار الأدوية محدود جداً نتيجة غياب المعامل في المنطقة والاعتماد على أدوية تأتي إلى جنديرس بثلاث عملات سورية وتركية ودولار.

لا يقتصر غياب دور الرقابة على الأدوية بل يتعدى ذلك إلى العاملين في الصيدليات وتنظيم عملها أيضاً، تقول فاطمة، وهي سيدة مهجرة تعيش في جنديرس، إن صيدلية امتنعت عن بيعها علبة دواء بحجة ندرته وشرائها باقي الأدوية من صيدلية أخرى، تخبرنا أن الصيدلي قال لها “إن مخزونه من هذا الدواء مخصص لزبائنه!”، وهو ما دفعها لشراء كامل الوصفة مرة أخرى للحصول على دوائها المفقود.

أما خالد فيروي لنا رحلته في البحث عن صيدلية فجراً للحصول على حقنة طلبت منه في إحدى المستشفيات لزوجته المريضة، يقول إنه مرّ بنحو أربعين صيدلية في جنديرس، جميعها كانت مغلقة، ولا وجود لأي صيدلية مناوبة، وإنه اضطر للانتظار حتى الساعة الثامنة والنصف للحصول على الدواء.

حسن الصالح كانت له تجربة مختلفة، يقول إن بعض العاملين في الصيدليات هم من الأطفال، أو أشخاص لا يرتبطون بالمهنة ولا يمتلكون الخبرة اللازمة أو الشهادة التي تؤهلهم للعمل، وإنه حمل وصفة دوائه المعتادة من صنف واحد ومرّ بها على صيدليات في المنطقة، كانت مكتوبة بخط مقروء وكان يرى الدواء على رف الصيدليات، لكن عاملين في الصيدليات لم يستطيعوا قراءتها.

عن هذا يقول الدكتور أحمد حاج حسن مدير صحة عفرين إن المديرية أغلقت ست صيدليات مخالفة في عفرين وأحالت أصحابها إلى القضاء، كما أرسلت إنذارات لصيدليات في جنديرس للإغلاق أو استيفاء الشروط، وفي حال عدم الاستجابة سيتم ملاحقة أصحابها قضائياً.

وحددت المديرية شروط فتح الصيدليات بـ “شهادة صيدلة ومساحة مناسبة للصيدلية وموافقة معيار التباعد بين الصيدليات بمسافة 65 متراً إضافة للأوراق الثبوتية”، بحسب الحسن الذي قال إن المديرية تسمح لحملة شهادات التمريض وفنيي الصيدلة بافتتاح صيدليات في الأرياف. وعن جداول المناوبة قال: سيتم المباشرة بالعمل بجدول المناوبات بداية السنة الجديدة 2022.

يمر سكان في جنديرس بصيدليات مختلفة ليوفروا جزء من الأدوية التي يتخلون عن قسم منها لعدم توفر ثمنها، آملين بإيجاد حلّ لهذه المشكلة باعتماد أسعار موحدة وتفعيل دور الرقابة الدوائية، إذ ليس من الممكن أن تخضع الأدوية لسياسة “المزاج” في التسعير، لتضيف عبئاً آخر على حياتهم المليئة بالمصاعب.

المادة السابقة الماشية تأكل نفسها في الشمال السوري.. كساد في الأسواق وارتفاع في سعر الأعلاف
المادة التاليةهكذا يخسر السوريين أملاكهم: الحرب على الأملاك في دائرة ضوء تحقيقات متتالية في فوكس حلب 
كاتب من أبناء الجولان، الثورة فكرة والفكرة لا تموت