تتقاسم الماشية مع عائلات مربيها قوت يومهم في الشمال السوري، ومع ارتفاع أسعار الأعلاف بات الاحتفاظ بها مهمة شائكة ما أجبر مربو الماشية على بيع قسم منها لإطعام ما تبقى، الأمر الذي ساهم في انخفاض أعدادها وأسعارها ومثّل خسارة للمربين.

ليس الأمر محصوراً في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، لكن أعداداً كبيرة من المواشي وصلت إلى الشمال السوري من المناطق الشرقية التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية عن طريق التهريب، لتحط رحالها في المنطقة التي فقدت في الأصل مراعيها بسبب قلة الأمطار وسيطرة قوات النظام، منذ عام ٢٠٢٠، على مساحات واسعة من الأراضي، إضافة للتمدد العمراني والزيادة السكانية في الأحراش والأراضي العشوائية التي كانت تستثمر كمراع سابقاً.

لم تنتهي بعد إحصائيات دائرة الزراعة في حكومة الإنقاذ عن عدد المواشي في المنطقة للعام الحالي، لكنها وصلت في كانون الأول من العام الماضي إلى نحو 22333 ألف رأس من الأبقار، و 284461 الأغنام ونحو 62525 من الماعز، تركزت معظمها في مناطق إدلب وأريحا وجسر الشغور وحارم والأتارب.

عبء تربية الماشية وإطعامها على المربي

“مواشينا تأكل لقمة أبنائنا” يقول أبو حسن، مربي مواشي من ريف جسر الشغور الشرقي يملك نحو 70 رأس من الأغنام.

ويضيف أبو حسن أن “تأخر هطول الأمطار هذا العام كان سبباً لغلاء الأعلاف، وأيضاً عدم وجود مراع كافية لأغنامه وماشية المربين الآخرين، خاصة أنهم لا يتلقون دعماً بمادة العلف سواء من مؤسسة الأعلاف أو من أي منظمة عاملة في هذا القطاع، لذلك أصبحت الخسارة واقعاً لا مفر منه”. 

يملك أبو حسن هكتاراً من الأرض زرعه في العام الماضي بمحاصيل علفية لماشيته، يقول إنه جنى نحو ثلاثة أطنان من التبن وطناً واحداً من الحبوب.

المحصول لا يكفي سوى لشهر واحد، يشرح أبو حسن أن قطيعه يحتاج يومياً لنحو مئة وخمسين كيلو غراماً من التبن و عشرين كيلو غراماً من الجلبان أو الشعير.

ويضيف، إنه ومربي الماشية في المنطقة لجؤوا إلى أساليب عديدة لإطعام ماشيتهم كرعي مخلفات الحصاد وضمان مراع غنية ببقايا الخضار الصيفية، وتراوح ضمان الدونم الواحد بين 10 إلى 25 دولار تقريباً.

تلك تجارة خسارة، يلخص أبو حسن حاله كمربي ماشية، وهو ما دفعه لإطعام ماشيته ما لم يكن يوماً ضمن ما يستهلكه قطيعه كورق أغصان الزيتون، يقول إن النقلة الواحدة، وهي حمل شاحنة صغيرة، تباع بنحو 25 دولاراً، تأكل المواشي الأوراق وتستخدم الأغصان في التدفئة.

ينتهي الحال عند مربي ماشية ببيع عدد من قطعانهم لإطعام ما يبقونه منها، يقول أبو حسن إن عدد المواشي في تراجع، خاصة وأنها تباع بأسعار رخيصة “صرنا نبيع الماشية للتخلص من عبء إطعامها”.

“استبدلت الأبقار بالماعز” يقول رائد تركماني، مربي ماشية في ريف جسر الشغور الغربي، بعد أن باع أربعة أبقار كان قد اشتراها في العام الفائت بنصف ثمنها منذ أسابيع، واشترى به  ماعزاً وعلفاً لإطعامها.

يشرح تركماني ما حدث معه بأنه استثمر ما يملكه من نقود بشراء أربع أبقار (بذرة هولندية) لما تنتجه من حليب، خاصة وأن البقرة الواحدة تنتج يومياً بين 25 إلى 30 لتراً، يباع كل لتر بنحو ست ليرات تركية.

ويضيف تركماني أن الأبقار الأربع بيعت بثمن بخس وقتها، مع نشاط التهريب إلى إدلب من مناطق سيطرة النظام وقسد، وفارق العملة، إذ تباع الأبقار بالليرة السورية.

غلاء الأعلاف وقلة المراعي دفعت التركماني للتقليل من كمية الغذاء الذي تحتاجه الأبقار وهو ما انعكس على إنتاجها للحليب، وبعد أشهر اضطر لبيعها بنصف الثمن الذي اشتراه بها، واستعاض عنها بشراء خمسة من رؤوس الماعز لتأمين مؤونة البيت من الحليب ومشتقاته.

تحول المراعي إلى أراض زراعية

“يختلف واقع المراعي حالياً عن السابق” يقول محمد مصري، رئيس الجمعية الفلاحية سابقا في قرية المرج الأخضر الغربي في جسر الشغور،  وذلك بعد تحول أراضي الممتلكات العامة (المشاع) التي كانت مخصصة لرعي المواشي في السابق لأملاك خاصة، حيث قام بعض الأهالي  باستصلاح تلك الأراضي وامتلاكها ثم زراعتها بأشجار الزيتون  مما قلل مساحة مناطق الرعي و أثر سلباً على الثروة الحيوانية، وضيّق الحال على مربي المواشي وأماكن الرعي، ولا حلول تساند المربي، برأي المصري، سوى اعتماده على أرضه ومحصوله بعد عجزه عن رعي المواشي بتلك الأراضي.

 الأعلاف..  أسعارها ومشاريع دعمها

تتوفر في الأسواق أعلاف تختلف أسعار بيعها من مكان لآخر، لكنها دائمة الارتفاع  خاصة بعد انهيار الليرة التركية (العملة المتداولة في الشمال السوري) مقابل الدولار. وحسب آخر نشرة أسعار لشركة النماء التجارية، وصل سعر طن الجلبان إلى ٥٣٥ دولاراً، و سعر طن الشعير المستورد ٣٣٥ دولاراً تباع في المعبر، وسعر طن النخالة المستوردة ٢٥٠ دولاراً في المعبر، و سعر طن الفول العلفي ٤٠٠ دولار، وسعر طن تفل الشوندر ٦٧ دولاراً من معبر باب الهوى، و سعر طن قشر الأرز ١٣٠ دولاراً من معبر باب الهوى، وسعر طن التبن المستورد الأوكراني ١٨٠ دولاراً من معبر باب الهوى تضاف إليها أجور النقل للداخل السوري، نحو ٢٠ دولاراً لكل طن تضاف أثناء بيعها في مراكز بيع الأعلاف.

 وتغيب مشاريع دعم الأعلاف في محافظة إدلب، بحسب من تحدثنا معهم، لكن المهندس (أحمد الكوان) معاون وزير الزراعة والري قال إن ”الوزارة وجهت بعض المنظمات لتنفيذ مشاريع توزيع الأعلاف استفاد منها آلاف مربي الثروة الحيوانية في العديد من القرى في الشمال، إضافة إلى تنسيق وزارة الزراعة والري مع مؤسسة الحبوب لدعم مادة النخالة لمربي الثروة الحيوانية عن طريق تسليمهم المادة بسعر يقل عن سعر السوق بـ  20دولاراً للطن الواحد، إذ وزعت كمية 76 طناً من مادة النخالة منذ بداية هذا العام، و نفذت حملة تلقيح  مجانية للأغنام ضد مرض الجدري الذي يهدد الثروة الحيوانية، إضافة لوضع خطة تلقيح لكامل القطيع من المجترات ضد أهم الأمراض التي تصيبها، ونفذ من قبل بعض المنظمات”. 

أسعار الماشية و لحومها

تباع المواشي السمينة ذات الوزن الزائد بالكيلو ولا يوجد أسعار ثابتة للحوم خاصة بعد حالة عدم الاستقرار التي تعيشها الليرة التركية حسب الجزار محمد الصوفي،  إذ وصل سعر كيلو لحم الغنم إلى ٦٠ ل.ت، أما لحم البقر ٥٥ ل.ت.

تصدر أسواق المواشي في الشمال نشرة سعرية تحدد فيها الأسعار في الأسواق كافة، بحسب عبد الرحمن أبو حمزة، أحد الراصدين المهتمين بأسعار المواشي.

 وبحسب نشرة سوق بشمارون اليوم السبت تراوح سعر خروف اللحم بين 27 إلى 30  ل. ت، أما الفطيمة اللحم بصوفها بيعت بنحو 25 ل. ت، و النعجة اللحم بـ 23 ل. ت، والجدي اللحم بـ 23 ليرة تركية الحي.

وهناك طلب كبير على المواشي خاصة الماعز رغبة بالحليب، بحسب أبو أسامة، مربي ماشية، والذي قال إن أسعار اللحوم ترتفع مع ارتفاع أسعار الأعلاف وأن اللحم الرخيص هو لحم الحيوانات هزيلة الوزن الخالية من اللحم أساساً، وتكون عادة مريضة لا فائدة منها لذلك تذبح أما السمينة تباع  من الحظيرة للحمها أو حليبها حسب غاية المشتري.

 وتخضع أسعار المواشي حسب المهندس (أحمد الكوان)  لنظام العرض والطلب وتتغير حسب تأخر الأمطار أو تبكيرها، وبسبب  تأخر هطول  الأمطار هذا العام لم ترتفع أسعار اللحوم، ويتوقع الكوان ارتفاع الأسعار بعد آخر منخفض مطري. 

يحاول مربي الحيوانات على مجموعات الواتساب والفيس بوك بيع مواشيهم بالدولار الأمريكي عبر المزادات المتواصلة، وذلك تداركاً للخسارات المتواصلة، وبهذه الخطوة يمكنهم تخفيف الخسائر والاستفادة من بيع مواشيهم بأعلى سعر ممكن.

مشتقات الحليب وأسعارها

اشترت (أم سامر) ربة منزل من ريف جسر الشغور الغربي بداية هذا العام الحليب من جارها مربي أبقار، بنحو أربع ليرات تركية، وقامت بصنع اللبن منه حتى تحضر جزء من مؤونة عائلتها من اللبنة والدوبيركة فقط، ولم تصنع الجبن لأنه حسب قولها، مكلف ولا يناسب غلاء المعيشة ويمكن الاستغناء عنه عكس (اللبنة) لبن مصفى يحبه أولادها على الفطور، و(الدوبيركة) لبن مغلي تحتاجه لطهي بعض الوجبات في الشتاء مثل الشيش برك واللبنية وغيرها من الوجبات.

تتفاوت أسعار مشتقات الحليب من مكان لآخر، ووصل سعر كيلو الحليب، بحسب أبو عدنان مالك محل لبيع وشراء مشتقات الحليب في مدينة جسر الشغور، إلى نحو سبع ليرات تركية و سعر كيلو الجبن بين ثلاثين إلى خمسين ل.ت، وسعر كيلو اللبن بنحو تسع ليرات تركية، أما باقي المشتقات من القشطة والقريشة وغيرها فعادة ما تكون موسمية قليلة الكمية لا تخزن وتباع لمحلات الحلويات أكثر من المحال ويكون سعرها حسب طلب العميل الذي يضعها في المحل.

 

المادة السابقة“في حياتنا أمورٌ أقسى من الضرب”.. العنف بالإهمال أو باللفظ وعدم المشاركة مثالاً
المادة التاليةأسعار متفاوتة للدواء في صيدليات جنديرس والرقابة “على المزاج”