عشرات الورش تنهي عملها اليومي بقطاف الرمان وفرطه، يباع قسم منه في أسواق إدلب المحلية بعد أن توقفت طرق التصدير، ويحال القسم الأكبر إلى ورش أخرى تعمل في صناعة دبس الرمان وتخزينه للاستعمال المنزلي أو بيعه وتصديره، إن أتيحت الفرصة.

موسم وافر للرمان في العام الحالي شهدته محافظة إدلب، ثالث المحافظات السورية في مساحة زراعة الرمان التي استغلت نحو ألف وثلاثمائة وستين هكتاراً لهذا النوع من الزراعة، أقل من نصفها بعلي، ويقدر إنتاجها بنحو عشرين ألف طن سنوياً.

بعيداً عن المكننة

يعمد مزارعو الرمان إلى صناعة دبس الرمان يدوياً، يفضلون الشكل التقليدي لما يضفي من مذاق ونكهة تختلف عما تنتجه المكننة الغائبة في إدلب والموجودة في مناطق أخرى كمدينة حلب المجاورة.

تقول أم محمد وهي تحرّك عصير الرمان داخل حلة نحاسية اجتمعت حولها نساء من الحي الذي تسكنه في بلدة اسقاط، إن دبس الرمان البيتي وصناعته بالطريقة التي ورثتها، أباً عن جد، يمتلك مذاقاً وجودة أعلى من تلك المنتشرة بعبوات جاهزة في الأسواق.

ترجع ذلك لأسباب عديدة أهمها قدرة صانع دبس الرمان البيتي على تكييف الكثافة ودرجة الحموضة بحسب الرغبة، ويلعب في ذلك نوع الرمان وساعات الطهي، يضاف إلى ذلك نوع الوقود، فالحطب يختلف عن وسائل الوقود الأخرى ويمنح دبس الرمان شكلاً أكثر تماسكاً، أيضاً الوعاء المستخدم، فللنحاس بحسب أم محمد، رفعة عن باقي الأواني في هذه الصناعة، وأخيراً عدم تكسر حبات الرمان خلال فرطه لتجنب ما يمكن أن يتعشق في طعم المزيج من مرارة.

“هي صنعة” تقول أم محمد إنها رافقتها ونسوة كثيرات في المنطقة الغنية ببساتين الرمان، لكنها تتقنها بجودة أكبر، تضحك وهي تخبرنا عن سعادتها بمديح من يتذوق دبس الرمان الذي تصنعه، ما يدفعها لتجاهل صعوبة إعداده، خاصة حين تضيفه إلى أطباقها من السلطات والتبولة واللحم بعجين، أو ترفقه إلى جانب أطباق اللحم والفروج والكبة..

يقطف الرمان ويفرط بعد غسله، وتنتزع حباته من خلاله ضربه بقطعة خشبية تجنباً لكسر حباته، قبل أن يعصر ويترك على نار هادئة ليغلي نصف يوم أو يزيد، قبل أن يبرد ويوضع في زجاجات لتموينه أو بيعه.

الهواء الطلق مطبخ دبس الرمان

بالقرب من غرف صغيرة بنيت داخل بساتين الرمان تشاهد مواقد من الحطب تعتليها قدور من النحاس لصناعة دبس الرمان في الهواء الطلق، تنتشر هذه المواقد في بساتين الرمان الممتدة على ضفاف نهر العاصي من جسر الشغور ودركوش مروراً بعشرات البلدات والقرى على الحدود التركية.

في القطاف يفرز رمان البيع وذلك المخصص للدبس، وفي المكان ذاته وتحت أشجاره تنتزع حبات الرمان بعد أن تنقسم الورش بين من يجني ومن يفرط، قبل أن تعصر وتوضع في القدر، ومن حطب أشجار الرمان توقد النار لتحضيره.

يقول محمد فراس حاج بكور، رئيس المجلس الأهلي في دركوش، إن دبس الرمان المنتج في الحقول أعلى جودة من المصنع في المنازل أو ذلك الذي يباع في الأسواق، وذلك لسرعة إنتاجه، فحبات الرمان من الشجرة إلى القدر، دون المرور بمراحل التخزين، أيضاً لتوفر الحطب في الأراضي الزراعية ما يمنح صانعيه رفاهية إبقائه على النار للوصول إلى الكثافة المطلوبة دون التقتير من المحروقات مرتفعة الثمن.

ويوفر المزارعون في عملية صناعة دبس الرمان داخل الحقول تكلفة نقل الرمان وثمن الصناديق التي يوضع داخلها لبيعه داخل أسواق الهال، وهو ما دقع كثر منهم لتحويله إلى دبس خاصة مع تراجع سعر الرمان في السوق إلى نحو ليرة تركية واحدة، وتوقف تصديره ما يؤدي إلى كساد كميات كبيرة منه وتلفها.

كثافة دبس الرمان المصنع في الحقول، بحسب الحاج بكور، هي ما يدفع التجار للقدوم الى البلدات الريفية مع كل موسم، لشراء إنتاج الفلاحين من الحقول مباشرة، وتعبئته في زجاجات خاصة بعد وضع علاماتهم التجارية عليها، وطرحها في الأسواق.

بالتوازي مع إنتاج الدبس من قبل الفلاحين في حقولهم، تنتشر ورش ومعامل لإنتاج دبس الرمان، تبدأ عملها مع بداية الموسم وتستمر حتى بعد انتهائه بفترة قصيرة.

يشرح حسان البنشي ( أبو زكي) صاحب ورشة لصنع دبس الرمان في مدينة سلقين كيفية صنع دبس الرمان، يقول إن العاملات تفرط ثمار الرمان وتستخرج حباته، بعد ذلك تضعنها في حوض وتعصرنها بشكل تام، ليتم تجميع العصير المنساب من فتحة في الحوض معدة لهذا الغرض، ليوضع العصير بعدها داخل حلة نحاسية كبيرة، وتركه يغلي لساعات متواصلة على نار الحطب، حتى يكتسب اللزوجة والهيئة المطلوبة، من ثم يفرغ في أوان معدنية كبيرة، ويترك مدة قد تصل لثلاثة أيام أحيانا حتى يبرد تماماً، ويتم بعدها تصفيته من الشوائب وتعبئته في عبوات بلاستيكية بسعات مختلفة، بانتظار قدوم المشترين سواء من الأهالي أو الباعة وأصحاب المحال الصغيرة أو تجار الجملة”.

يحتاج صنع كيلو غرام واحد من دبس الرمان لكمية رمان تتراوح بين عشرة إلى خمسة عشرة كيلو غراماً، وكلما تأخر قطاف الرمان كان الدبس أكثر جودة ويدل على ذلك لونه الأحمر القاتم المائل للسواد أحياناً. ويحتاج لوقود بكميات كبيرة، ويبلغ سعر طن الحطب في إدلب نحو مئة وخمسين دولاراً، يضاف إليها أجرة عمال القطاف وصناعة الدبس، ما يعني أن تكلفة كيلو غرام من دبس الرمان تصل إلى نحو عشرين ليرة تركية أو أزيد من ذلك، بحسب كثافته.

يقول أبو زكي “يباع كيلو غرام دبس الرمان بين عشرين إلى ثلاثين ليرة تركية، وهي لا تغطي تكاليف إنتاجه التي شرحها سابقاً”، ويرى أبو زكي أن ثمن الدبس اليوم أقل من أسعاره في السابق، رغم الحديث بين السكان عن ارتفاع ثمنه، يحدد ذلك ضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين وانخفاض أسعار صرف الليرة التركية، وضعف متوسط دخل الفرد.

في الجهة المقابلة من إدلب وفي مدينة الباب التي تشتهر بالرمان وصناعة الدبس ورش ضخمة لا تقارن بتلك المنتشرة في إدلب، بحسب أبو زكي الذي قال إن شريكه (أبو الوليد) استغنى عن اليد العاملة واستبدلها بآلات تدعى (الطبابة)، تفرط حوالي 600 كغ يوميا من الرمان وهو أربعة أضعاف ما تنتجه ورشته المؤلفة من أربعة عشر عاملاً وعاملة.

يفضل أبو الوليد دبس الرمان المنتج في الحقل، وفي مناطق إدلب أيضاً، يقول إن نوع الرمان المزروع في هذه الأراضي أكثر جودة، ويصفه بـ “المز” ويختلف عن “الحامض” المزروع في المناطق الشرقية من حلب.

ويشرح أبو الوليد سبب تفاوت أسعار دبس الرمان في المنطقة ويرجع ذلك لنوعيته من جهة، ولبعض الأنواع التي يخلطها التجار بالسكر وحمض الليمون والماء لتباع بأسعار أرخص في الأسواق، إذ توجد أنواع تباع بأقل من خمس عشرة ليرة وهو مبلغ أقل من التكلفة.

ليست إدلب سوقاً رائجة لبيع دبس الرمان، ولا يمكن لها استيعاب الكميات المصنعة، يقول أبو الوليد إن التصدير هو الحل، سواء الداخلي إلى مدن كدمشق وحلب اللتين كانتا تستهلكان الكميات الأكبر في كل عام، أو إلى دول الخليج العربي وأوروبا.

لا يرمى شيء من الرمان، يقول مزارعوه، الحب للأكل أو الدبس، أما القشر والبذور فتباع كعلف للحيوانات والدواجن، وتضاف البذور إلى الزعتر، لكن أسعارها انخفضت في العام الحالي، للأسباب ذاتها، إذ انخفض سعر الطن من ثلاثمائة إلى خمسين دولاراً.

بعيداً عن ورش بيع دبس الرمان تقضي أم علي وقتها في صناعة ما ينتجه حقلها، تقول إنها تصنع مؤونة منزلها وتبيع الفائض لتحتفظ بثمنه لحاجياتها بعد أن أقر لها زوجها بموسم الرمان ليكون مصدر دخل خاص بها تصرفه كيفما تشاء.

المادة السابقةالألغام ومخلفات الحرب موت يتربص بالمدنيين في الشمال السوري
المادة التالية“في حياتنا أمورٌ أقسى من الضرب”.. العنف بالإهمال أو باللفظ وعدم المشاركة مثالاً