شاحنات مخصصة بنقل رخام إدلب وحجارتها المنحوتة في ورش خاصة تعبر يومياً معبري باب الهوى والسلامة مع تركيا، قبل أن تصدر إلى دول عربية وأوربية لتأخذ مكانها، بألوانها المختلفة، على واجهات المنازل وأرضياتها.

ألوان وأشكال ومواصفات مختلفة من رخام إدلب وحجارتها المنحوتة تنتجها ورش تضاعف عددها في السنتين الأخيرتين، مع السماح بالتصدير، ولكل منها وجهته وسعره، يقول من تحدثنا معهم إن إدلب تحوي كنزاً فريداً من أنواع الحجارة وإن استثماره قبلة الراغبين في دول الخليج العربي وبعض الدول الأوروبية.

لم يغب هذا العمل في ريفي إدلب الشمالي وحلب الغربي يوماً، يقول من تحدثنا معهم من أصحاب مناشر الحجارة، إنها مهنة قديمة تطورت مع الزمن، وكان تأسيس الشركة العامة لاستثمار الرخام وأحجار الزينة في سوريا 1982، نقطة فارقة في هذه العمل.

 

ولاقت هذه التجارة رواجاً في قرى وبلدات ريف إدلب، أهمها خان السبل، إذ تصدرت المرتبة الأولى من حيث عدد المناشر وجودة الحجارة وكثرة الإنتاج وتميزه وتنوع ألوانه. وكثر الطلب على رخام إدلب وحجارتها في الأسواق المحلية والدولية ما ساهم بانتشار المناشر، ومع التهجير والعمليات العسكرية نقل أصحاب هذه المناشر معداتهم إلى وجهات ومناطق أخرى في ريف إدلب الشمالي.

يقول أحمد المحمد مستثمر أحد المقالع، إن نشاط الحركة العمرانية في المنطقة، بعد تهجير السكان من منازلهم، والمردود الاقتصادي لهذا النوع من العمل، والسماح بتصدير المنتجات إلى دول عديدة مثل السعودية وقطر والإمارات واليونان ساهم في انتشار المناشر وزيادة الإقبال عليها.

وأضاف المحمد أن العملية تبدأ من دراسة جيولوجية مسبقة للمواقع ذات المواصفات والمعايير المحددة، مثل قساوة الحجارة وتنوع ألوانها (الزهري، الأبيض، الأصفر، العفني)، قبل إنشاء المقالع عليها واستخراج كتل الحجارة منها، ونقلها بواسطة شاحنات إلى المناشر لتخضع لعمليات النشر والجلي والنحت من خلال معدات وأجهزة مثل (الحزازة والديسكات) التي تعمل على تحويل الكتل إلى ألواح رخامية بسماكات مختلفة، وبحسب رغبة الزبائن.

 

وتحوي المناشر على معدات ثقيلة مثل القصاصة والروافع الجسرية وآلات لجلي الرخام وتفصيله ومقصات ومثاقب، بالإضافة لمعدات خاصة بنشر وجلي وتفصيل أحجار الزينة.  أما المقالع وهي المرحلة الأولى في استخراج الحجر فتحوي “آليات هندسية ضخمة مثل التركسات والضواغط وبلدوزرات ومزودات حفر (بواكر) وروافع وقطاعات عمودية بالإضافة لحفارات وشاحنات وقلابات تساعد في استخراج الكتل الحجرية من الجبال ونقلها للمناشر”، ويتطلب نقل الحجارة شاحنات كبيرة تنقلها عبر طرقات وعرة ومتعرجة لوجودها في مناطق جبلية.

يقول محمد مهنا، صاحب منشرة بدير حسان، إن المناشر تشتري الحجارة والكتل من المقالع بالنقلة، أي حمولة الشاحنة، أو بالطن، ويبلغ سعر الطن الواحد بين 7 إلى 9 دولارات، ويتراوح سعر حمولة النقلة بين 150 إلى 350 دولاراً، بحسب جودة الحجر وجمالية اللون.

ويرى مهنا أن عمليات التهجير الأخيرة وخسارة مقالع في مناطق سيطرت عليها قوات النظام ضيق مساحة انتشار المقالع وقلل من أنواع الحجارة وبالتالي أسعارها، إذ وصل سعر بعض الأنواع سابقاً إلى ثمان دولارات لكل متر مربع واحد.

وتحتل منطقتي أرمناز وكللي، حالياَ، المرتبة الأولى في الإنتاج لامتلاكها على حجارة باللونين الزهري والعسلي، وهي أغلى أنواع الحجارة، بحسب مهنا، والذي قال إن أسعار هذين النوعين هي الأعلى، ولكنها الأقل استخداماً وذلك لأن استخدامها يقتصر فقط على التزيين، ولصعوبة إنتاجها إذ تكون أكثر عرضة للتلف خلال إنتاجها ونحتها.

 

ويأتي الحجران الأبيض والأصفر، اللذان ينتجان في قرية الشيخ بحر وسرمدا ودير حسان وعفرين والراعي والباب في المرتبة الثانية من حيث السعر، والأولى من حيث الطلب، لاستخدامهما في واجهات الأبنية وأرضياتها، ولزيادة الطلب عليهما من قبل المستوردين في الدول العربية.

كما وتستخدم هذه الأحجار بعد تقطيعها بمناشر خاصة على شكل أقلام في صناعة لوحات الموزاييك “الفسيفساء” بحسب البيوش، وهو مدير مشغل ينتج لوحات فسيفساء.

إضافة للحجارة المنحوتة تنتج هذه المناشر الرخام البلدي لتزيين واجهات الأبنية بأشكاله المتعددة، مثل التيجان والشربات، كما يستخدم في الأرضيات كبلاط للمباني وطاولات ورفوف المطابخ.

يباع حجر الرخام بعد إنتاجه من المناشر بالمتر المربع، بسعر يتراوح بين 4 إلى 6 دولارات للمتر الواحد، وتختلف المقاسات المطلوبة بين دولة وأخرى، يقول أبو زيد أحد تجار الرخام، والذي قال إن التواصل للشراء يكون بين التاجر وأصحاب المنشرة أو الوسيط بشكل رئيسي، بسبب عدم وجود شركات للشحن في إدلب.

يصدر حجر الرخام بأشكاله المتعددة (بلاط أرضيات، شربات، تيجان، كورنيش) بسيارات شحن مخصصة لنقل الحجر، تحمل كل منها نحو 27 طناً، ما بين 400 إلى 450 متراً، تمر في المعابر الحدودية بعد دفع رسومها الجمركية وأجور الشحن، ليصل سعر المتر إلى 15 دولاراً، ومن ثم يتم تصديرها من تركيا عبر شركات للشحن براً وبحراً إلى دول الخليج العربي، ومنها ما يصدر إلى قبرص واليونان.

 

يرى أبو الورد، صاحب منشرة في عفرين، أن في جبال المنطقة كنوزاً من الأفضل استثمارها، يقول “غلاء أسعار حجر الرخام سواء في السوق المحلية أو أثناء تصديرها للدول عربية وأجنبية، وعائدها الاقتصادي بالإضافة لتأمين فرص عمل لعدد غير قليل من الشبان، يحفز أشخاص على الاستثمار في مقالع ومناشر الحجارة”.

تحوي كل منشرة من 50 إلى 70 عاملاً، تتراوح أجورهم بين 20 إلى 100 ليرة، بحسب اختصاص كل عامل وحرفته، وقد وصل عدد المناشر في الشمال أخيراً إلى ما يقارب 160 منشرة.

 

المادة السابقةقشر الفستق واللوزيات وقود اقتصادي نظيف تتمسك به ربات المنازل
المادة التاليةأطفال أريحا قرابين الطريق الدولي
كاتبة وصحفية سورية حاصلة على إجازة في اللغة العربية، تعمل ككاتبة ومدونة في العديد من المواقع السورية.