حسمت أم جود (٣٧ عاماً من ريف حماة الغربي) أمرها بإسقاط جنينها الثامن قبل ولادته، باستخدامها حبوب سايتوتك التي حصلت عليها من إحدى الصيدليات في إدلب بسعر مضاعف، ودون وصفة طبية.

تقول أم جود إن “عمر طفلها الأخير لا يتجاوز السنة، ما دفعها لاتخاذ هذا القرار، إذ لا تسمح لها صحتها وظروفها المادية بتحمّل أعباء طفل آخر”.

تسبب دواء “سايتوتك” بموت جنين أم جود، لكن عملية الإجهاض لم تسر بالطريقة التي خططت لها، ما دفع الطبيبة التي راجعتها لإجراء عملية “كورتاج لها” بعد تأكدها من موت جنينها.

ويستخدم دواء سايتوتك، بشكل أساسي لحماية جدار المعدة من مسكنات الألم وعلاج القرحة الهضمية، لكن تلك الحبوب المكونة من هرمون الميزوبروستول باتت تستخدم عالمياً من أجل “الإجهاض” لما يحدثه من تقلصات رحمية.

دخلت حبوب “سايتوتك” إلى سوريا في العام الذي تم إنتاجها فيه، مستورداً بطريقة نظامية عن طريق مؤسسة فارمكس، كذلك عبر “التهريب” من الدول المجاورة، تم إنتاجه محلياً باسم تجاري

(ألسر -ستوب) عبر معمل (حماه فارما)، ويتوافر في إدلب بصنفه المحلي والهندي إضافة للألماني.

ادفعي وأجهضي

دفعت أم جود (٧٠ ليرة تركية نحو ١٠ دولارات) ثمن شريط (١٤ حبة) من حبوب “سايتوتك”، علماً أن سعره المحدد لا يتجاوز (١٤ ليرة تركية).

تقول أم جود إنها لم تكن تملك وصفة طبية لكنها حصلت على الدواء بسعر مضاعف، وإن الصيدلاني الذي باعها الدواء أرشدها لكيفية استعماله، لكنه لم يوضح لها ما يمكن أن يسببه من اختلاطات.

ويحدد تمزق الرحم وتشوه الجنين من آثار استخدام سايتوتك، وقد يؤدي إلى الوفاة بسبب النزيف الذي يحدثه.

 وتقدر منظمة العفو الدولية في تقريرها (حقائق أساسية بشأن الإجهاض) أن ربع حالات الحمل في العالم تنتهي بالإجهاض سنوياً، وأن عدد حالات الإجهاض غير الآمنة تصل إلى ٢٥ مليون حالة سنوياً، أغلبيتها الساحقة في البلدان النامية.

وأن الإجهاض غير الآمن ثالث الأسباب الذي يؤدي إلى وفاة الأمهات، أو إلى حالات إعاقة.

لا توجد إحصائيات عن عدد النساء اللواتي يجهضن في إدلب، لكن (الصيدلانية رهف من بلدة معرة مصرين) تقول إنها لاحظت، طلباً متكرراً على دواء سايتوتك، و أن امرأة إلى اثنتين يومياً يراجعن الصيدلية  طلباً له.

تصف رهف النسبة بـ “الكبيرة” مقارنة بعدد سكان البلدة، لكنها ترفض صرفها دون وصفة طبية.

ضمير ورقابة دوائية على حبوب سايتوتك

تستعطف السيدات بشرح ظروفهن قلوب الصيادلة والأطباء للحصول على سايتوتك، تقول رهف “إن توافر سايتوتك بطرق مختلفة يحصر مهمة الامتناع عن صرفه برقابة الضمير فقط”.

وضمن بحثنا عن صيدلية تصرف لنا حبوب سايتوتك بعد كتابة اسمه على ورقة، رفضت معظم الصيدليات التي زرناها بيعنا الدواء، لكن صيدلية واحدة وافقت تزويدنا به، بسعر خمس ليرات تركية للحبة الواحدة، بدلاً من ليرة تركية واحدة.

وتمنع الرقابة الدوائية في إدلب، كذلك في سوريا استخدام أدوية الإجهاض دون وصفة طبية، ويجرم القانون السوري مستخدميه وبائعيه.

ولا تقبل وصفة القابلات القانونيات لصرف دواء سايتوتك، إذ تفرض الرقابة الدوائية تحرير الوصفة من قبل أطباء اختصاصيين. بحسب الدكتور محمد حاج حمود (رئيس شعبة الرقابة الصيدلانية في مديرية صحة إدلب).

وأضاف الدكتور حاج حمود “يعاقب الصيدلاني الذي يقوم بصرف الدواء دون وصفة طبية، وفق القوانين المنصوص عليها ضمن النظام الداخلي لنقابة الصيادلة والقوانين الموازية لنقابة الصيادلة”.

ويحدد حاج حمود هذه العقوبات بأن الصيدلاني المخالف “يستدعى لجلسة في نقابة الصيادلة للنقاش، وتتدرج العقوبة بحسب المخالفة، بدء من عقوبات مسلكية مثل  التنبيه أو الإنذار أو الإنذار المسجل، وقد تصل إلى ترقين قيد الصيدلاني لمدة محددة أو إلغاء انتسابه وإيقافه عن العمل أو تحويله لمجلس تأديبي، ويراعى وجود مخالفات سابقة في تشديد العقوبة”.

ويضيف “يتم الاستدلال على خرق القوانين في صرف سايتوتيك بطريقة غير شرعية، من خلال مقارنة كمية الاستجرار ومطابقتها بالوصفات الطبية التي يلزم الصيدلاني بالاحتفاظ بها”.

 و “يعامل سايتوتك معاملة الأدوية النفسية الخاضعة لرقابة نقابة صيادلة إدلب، سواء تلك المصنعة محلياً أو المستوردة عبر معبر باب الهوى، كما يتم تحليل السايتوتك المستورد قبل دخوله الأسواق”.

ويجرم القانون السوري الإجهاض بمختلف وسائله، ويفرض في المادتين ٥٢٧ و ٥٢٨ من قانون العقوبات، الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات لكل امرأة أجهضت نفسها بما استعملته من الوسائل أو استعمله غيرها برضاها.

وإذا أفضى الإجهاض إلى موت المرأة شددت عقوبة الفاعل إلى الأشغال الشاقة من أربع إلى سبع سنوات.

وتشدد هذه العقوبة إذا كان من ارتكب هذا الجنح طبيباً أو جراحاً أو قابلة أو صيدلانيا، وفقاً للمادة ٥٣٢ و ٢٤٧.

لا توجد إحصائيات حول قضايا تتعلق بالإجهاض في محاكم إدلب، ويكتفى بمعاقبة الصيدلاني بغرامات مالية، بحسب صيدلاني رفض ذكر اسمه، وقد تصل العقوبة إلى إغلاق الصيدلية وحرمانه من مزاولة المهنة في حال التكرار.

مفعول عكسي و استخدام خاطئ

 يعمل سايتوتك كقابض للرحم ودافع للإجهاض، وغالباً ما يفشل الدواء بتحقيق إجهاض كامل، و يستدعي ذلك  معاودة الكرة مرة أخرى وبهذه الطريقة يقتل الجنين، مما يدعو لاحقاً إلى عمل طبي آخر للمرأة “الكورتاج”.

تقول الطبيبة الأخصائية “هدية طنب” إن “استخدام الدواء بشكل عشوائي ودون الرجوع إلى الطبيب المختص قد يؤدي إلى مفعول عكسي وإلى تمزق الرحم”.

وتضيف  “سايتوتك سلاح ذو حدين، فكما أن هذا الدواء قد أشعل ثورة في عالم الطب النسائي، وسهل كثيراً من العلاجات منذ دخوله إلى سوريا عام 2007 بتخفيفه أعداد الولادات القيصرية”، لكن “صرفه بطريقة غير شرعية يعرض النساء إلى خطر قد يودي بحياتهن”.

 وتكمل الطبيبة طنب “هناك قابلات قانونيات وصيادلة متطفلون على المهنة يقومون بوصف هذا الدواء دون دراية بسلبيات ونتائج استخدامه، ودون استشارة طبية، وهو أمر منتشر بكثرة في المنطقة”.

وتقول الصيدلانية رهف إن سايتوتك متوافر في الأسواق بثلاثة أنواع (وطني وهندي وألماني)، سعر حبة سايتوتك وطني لا تزيد عن ليرة تركية، في حين يصل سعر العلبة من النوع الألماني (٢٨ حبة) نحو ١٤٠ ليرة تركية.

وتحدد الطبيبة هدية أسباب صرف سايتوتك بطريقة شرعية في حالات الحمل المشوه، أو الأجنة غير القابلة للحياة، مثل الحمل العنقودي، وحمل “البيضة الرائقة”، والموت المدعم للجنين مجهول الأسباب.

كذلك عند النساء الحوامل المصابات بأمراض القلب والسرطان، والذي يتطلب علاجهن التعرض للأشعة فوق البنفسجية. ويكون ذلك في الأشهر من الحمل.

كما يوصف سايتوتك في الثلث الأخير من الحمل لـ “تحفيز المخاض”، إذ يعمل على تحفيز التقلصات الرحمية ويساعد على الولادة الطبية، لكن ذلك لا يتم إلا وفق وصفة وإشراف من طبيب اختصاصي.

المادة السابقةمسارات بائع بوظة متجوّل  في مخيمات الشمال السوري
المادة التاليةدرجات الحرارة المرتفعة ترهق سكان مخيمات إدلب