مجسم ساعة حمص في دوار الحلوانية بمدينة حلب ـ تصوير: شامل الأحمد
مجسم ساعة حمص في دوار الحلوانية بمدينة حلب ـ تصوير: شامل الأحمد

يعجز أهالي العقارات المدمرة في أحياء حلب الشرقية عن ترميمها، ولم يقدم نظام الأسد الذي قام بتدميرها قبل احتلال المدينة أي تعويض لأصحابها، ما خلق مناخاً مناسباً لعمل تجار العقارات التابعين للنظام لإرغام الأهالي على بيع بيوتهم بالإكراه، وبأسعارٍ لا تعادل القيمة الحقيقية للمنزل، في وقتٍ وصلت فيه أسعار العقارات ضمن أحياء حلب الغربية لأرقام لم يعهدها السكان.

مخططٌ إيراني

نشطت حركة بيع العقارات ضمن الأحياء التي تعرّضت للدمار في حلب وقال المتحدث الرسمي باسم “مجلس القبائل والعشائر السورية” مضر حماد الأسعد: إن طهران تقف وراء شراء العقارات في حلب، لتعزيز سياسة التغيير الديمغرافي في هذه المدينة، التي تشكّل مركز الثقل الاقتصادي والبشري في سوريا، إضافةً  لأهميتها الاستراتيجية بالنسبة لإيران، كونها تشكّل عقدة مواصلات مع العراق وتركيا”.

وتركز إيران على شراء عقارات ضمن الأحياء التي تتمركز فيها ميليشياتها، وخاصةً ضمن أحياء (المشهد، الصاخور، السكري)، أو في أحياء حلب القديمة، لما تحمله من رمزية خاصة، فهي تحتضن سوق المدينة القديم والجامع الأموي، حيث تسعى طهران لإعادة تأهيل المساجد الموجودة في حلب القديمة وتغيير معالمها وتحويلها إلى حُسينيات، إضافةً للاستيلاء على الأراضي الزراعية والعقارية في محيط حلب، لإحكام الطوق على المدينة.

وأضاف الأسعد: “تتم عمليات الشراء عبر تجارٍ وسماسرة يتبعون لجمعية المهدي ذات النشاط الأكبر في سوق العقارات، إضافةً لجمعية جهاد البناء، وجمعياتٍ أخرى تابعة للحرس الثوري الإيراني، أو عبر سماسرة مرتبطين بميليشيات (فيلق المدافعين عن حلب، لواء الباقر، أبو الفضل العباس، كتائب الحسين)”.

تعمل ميليشيات إيران على ترويع السكان في الجزء الشرقي من حلب، لإرغامهم على بيع ممتلكاتهم بأسعارٍ تعادل ربع أو نصف سعرها الحقيقي، ويكفي وضع “إشارة حجز” على المنزل من قبل أجهزة النظام الأمنية الموالية لإيران، حتى يضطر صاحب العقار لبيعه بسعرٍ زهيد بحسب من تحدثنا معهم.

استقدمت طهران العديد من الميليشيات الشيعية وعائلاتها، من جنوب لبنان والعراق وباكستان وأفغانستان وإيران، وسلمتها البيوت التي اشترتها أو استولت عليها من أهالي حلب، بينما هدمت البيوت المدمرة لتحويلها إلى مراكز دينية، وكل هذا بغية تنفيذ مخططها القائم على نشر التشيّع في المدينة.

صراع الميليشيات للاستيلاء على منازل الأهالي

سارعت بعض العائلات المرتبطة بنظام الأسد وحلفائه منذ سيطرتهم على مدينة حلب في كانون الأول 2016، لاعتماد أساليب مختلفة للسيطرة على منازل المدنيين، وقال مصدر من داخل حلب فضّل عدم ذكر اسمه لأسبابٍ أمنية: “بمجرد السيطرة على مدينة حلب نشطت عمليات “تعفيش” المنازل من قبل ميليشيات النظام التي تسابقت فيما بينها لسرقة البيوت، ثم انتقلوا فيما بعد إلى مرحلة الصراع للاستيلاء على المنازل وشرائها”.

“تركز الصراع بين ميليشيات عبد الملك برّي الموالي لروسيا، وحسام القاطرجي الموالي لإيران، واندلعت اشتباكات بينهما أكثر من مرة للتنازع على المنازل التي هُجّر أصحابها منها، ومع عودة كثيرٍ من الأهالي إلى بيوتهم، بدأ التجار والسماسرة المرتبطين بالنظام، بعمليات شراء المنازل، وأبرزهم آل الدمخلي (أسرة من حلب مقربة من إيران)، وآل بهمن (عائلة كويتية شيعية)، فضلاً عن النشاط البارز للقاطرجي في شراء البيوت” بحسب المصدر ذاته.

نشطت عمليات شراء البيوت، في أحياء (صلاح الدين، مساكن هنانو، الأحمدية، جبل بدرو، أرض الحمرا، الفردوس، بستان القصر، الكلاسة، والسكري)، ويُركز السماسرة على شراء المنازل المتضررة بشكلٍ كبير أو غير المسجلة في السجل العقاري، كون سعرها أقل من المنازل الصالحة للسكن أو المدمرة بشكلٍ طفيف.

وقال أبو عبدو من أهالي حي الفردوس في حلب: “تعرّض منزلي لدمارٍ جزئي، وحين قررت إعادة تأهيله وجدت أن تكلفة الترميم تصل إلى مليون ونصف المليون ليرة سورية وهو رقم أعجز عن تأمينه فقررت بيع المنزل لأحد سماسرة العقارات الذي استغل حاجتي للبيع واشتراه بسبعة ملايين ليرة سورية وهو ما يعادل نصف قيمته الحقيقية.

وتابع أبو عبدو: “حين يرفض بعض السكان بيع منازلهم، يلجأ السماسرة المرتبطين بمخابرات النظام، لثلاثة حلول يعرضوها على صاحب العقار خلال زياراتٍ متتالية: تبدأ برفع قيمة المبلغ المدفوع في حال كان البيت بحالةٍ جيدة وضمن موقع مميز، وإذا استمر الرفض، يوهمون صاحب المنزل عبر عملائهم أن منزله سيتعرّض للهدم، أو يتم وضع نقطة حجز عليه في السجل العقاري، وفي حال لم يجدِ هذا الحل نفعاً، يلجأ السماسرة إلى الحل الأخير وهو التهديد بالاعتقال أو التصفية، بحجة تعاون صاحب العقار مع فصائل المعارضة أو أقاربه المتواجدين هناك “.

شبكات تزوير لنهب أملاك المدنيين

نشطت في مدينة حلب شبكات التزوير التي تعمد للسيطرة على المنازل التي هُجر أصحابها منها، أو لم يستطيعوا السكن فيها بسبب تعرضها للدمار الشديد، وتحدث رئيس “فرع التزييف والتزوير في إدارة الأمن الجنائي بحلب” العقيد وسيم معروف، عن ضبط شبكة لتزوير وكالات خاصة ببيع عقارات تعود لمغتربين أو مُهجّرين خارج البلاد.

وأشار معروف في تصريحٍ لصحيفة “الوطن” الموالية الشهر الماضي، أن شبكة التزوير تضم قضاة ومحامين من نظام الأسد، تقودهم امرأة، تعمل على تزوير وكالات خاصة ببيع الـ عقارات التي يمتلكها السوريون الموجودون خارج البلاد أو في مناطق المعارضة، أو تزوير وثائق تتعلق بالأشخاص المنتحلين لشخصية المالك الأصلي للعقار، موضحاً أن أحد المطلوبين في القضية، يملك لوحده 127 عقاراً في حلب.

ويتواجد في حلب مناطق عشوائية غير منظّمة، وبالتالي لا يملك أصحابها قيداً عقارياً (طابو) كحي صلاح الدين، وإنما لديهم قرار محكمة يُثبت ملكيتهم للعقار، ولإجراء أي عملية بيع وفق القانون، يجب وجود صاحب العقار أو من ينوب عنه بموجب وكالة قانونية، غير أن تصديق هذه العملية في دائرة السجل العقاري يتطلب دراسة أمنية للبائع والمشتري.

وفي حال عدم استصدار الموافقة الأمنية، تعتبر عملية البيع لاغية، وهنا يأتي دور السماسرة الذين قاموا بعمليات تزوير وثائق الملكية، للالتفاف على الموافقة الأمنية، وتثبيت البيع في السجل العقاري، دون وجود مالك العقار.

منزل بـ 500 مليون في حلب الغربية

ارتفعت أسعار العقارات بشكلٍ كبير في أحياء حلب الغربية، وقال موقع “إعمار سوريا” الموالي، إن أسعار الشقق السكنية والأراضي في حلب، تضاعفت ثلاث مرات خلال العام الماضي، مرجعاً ذلك لتفضيل أصحاب رؤوس الأموال الاستثمار بسوق العقارات للحفاظ على قيمة أموالهم، في ظل تذبذب قيمة الليرة السورية خاصةً في فترات الكساد.

ووصلت أسعار العقارات في قسم من أحياء حلب الغربية إلى أرقامٍ كبيرة لم يألفها السكان سابقاً، وخاصةً في أحياء (حلب الجديدة، والفرقان)، حيث تجاوز سعر المنزل هناك 200 مليون ليرة سورية، وفي منطقة الحمدانية يتراوح سعر البيت بين خمسة وسبعين إلى مئة مليون ليرة، أما العقارات الموجودة في وسط المدينة، ولاسيما (محطة بغداد، العزيزية، السليمانية، والجميلية) تتراوح بين 60-75 مليون، وفي المناطق الشعبية يبلغ سعر العقار بين عشرين إلى خمسة وعشرين مليون، في حين تتراوح أسعار مناطق المخالفات بين سبعة إلى عشرة مليون.

وقال حسان القادري “اسم مستعار لصاحب مكتب عقاري في حي الجميلية وسط حلب”: إن أسعار البيوت في حلب الغربية، شهدت ارتفاعاً كبيراً لعدة أسباب، أبرزها ارتفاع تكاليف البناء، وإقبال كثير من التجار على شراء منازل في حلب كنوعٍ من التجارة وكسب الربح، بدلاً من تشغيل أموالهم في مشاريعٍ غير مجدية”، وأضاف أن تاجراً اشترى منزلاً في حي الفرقان بـ 220 مليون ليرة، وباعه بعد فترة بـ 500 مليون”.

يحدد تجار العقارات سعر المنزل، حسب مساحته وقيمة المتر الواحد في هذه المنطقة، إضافةً إلى موقع المنزل، وكلفة البناء وعمره، ودرجة الإكساء، وعدد الشقق في البناء”.

وكانت حكومة النظام أصدرت قراراً في منتصف كانون الأول الماضي، يقضي برفع أسعار الإسمنت بنحو 80 %، ليصبح سعر الطن الواحد 125 ألف ليرة سورية بعد أن كان 70 ألف، وبعد ذلك طالب مدير عام “المؤسسة العامة للإسمنت ومواد البناء”، التابعة للنظام، بتصدير مادة الإسمنت من أجل جلب القطع الأجنبي، وهو ما تسبّب في ارتفاع أسعار العقارات.