تسببت سرقة المعدات والمضخات من محطة عين الزرقاء بريف إدلب بتوقف الخط الرئيسي لتزويد مياه الشرب في المحافظة، وتوقف مشاريع الري في القرى المجاورة، ففي الوقت الذي يعيش فيه السكان أزمة مائية حادة تصب مياه النبع في نهر العاصي لتكمل طريقها نحو الأراضي التركية دون أي استفادة منها.


الموقع والأهمية

إلى الشرق من مدينة دركوش بريف إدلب وداخل منطقة جبلية بالقرب من الحدود التركية يقع نبع عين الزرقاء، وهو مجموعة من الينابيع على كتف الجبل في الضفة اليمنى لنهر العاصي، يبلغ تصريفها 5.5 م3/ثا وتصب جميعها في النهر.

حوض نبع عين الزرقاء بدركوش
حوض نبع عين الزرقاء بدركوش

ولنبع عين الزرقاء أهمية كبيرة، إذ يعتبر المصدر الرئيسي لمياه الشرب والري في مناطق شاسعة من الأراضي السورية، أهمها سهل الروج (غرب إدلب) وهو امتداد لسهل الغاب في الشمال والذي يرتفع 220 متراً عن سطح البحر وتزيد مساحته عن ثلاثة عشر ألف هكتار.

كما يعتبر النبع رئة المصطافين السوريين في الشمال السوري لطبيعته الجميلة التي تجمع بين المياه والجبال والمساحات الخضراء.

مياه الشرب الضائعة

تم إنجاز القسم الأكبر من مشروع تغذية مياه الشرب في نبع عين الزرقاء والذي امتد من النبع وحتى سلقين شمالاً، وإدلب ومعرة مصرين وسراقب شرقاً، ومعرة النعمان وخان شيخون جنوباً، إلّا أنه توقف منذ العام 2011، بحسب المهندس أحمد رشواني “مشرف ومدير تنفيذ المشاريع في دركوش”.

يقول الرشواني إن محطة عين الزرقاء تضم عشرة محطات لضخ مياه الشرب باستطاعة 6 ميغاواط، وفق خطين، إذ يضخ الخط الأول للمحطة الأعلى منها وبنفس الاستطاعة إلى خزان “المشيرفة” بقمة الجبل، ومن الخزان تسيل المياه بالراحة إلى المحطة الثالثة في كفر تخاريم، أما الخط الآخر فيتجه إلى مارتين غرب إدلب ويضم ثلاث محطات للضخ موزعة على طول الطريق من مارتين وحتى خان شيخون، وتؤمن 75% من مياه الشرب لسكان المحافظة.


يضيف الرشواني: “أغلب المضخات والكابلات والسكورة والمحولات وكافة التجهيزات الكهربائية ولوحات التشغيل تمت سرقتها من مبنى المحطة” دون أن يحدد الفاعل. وهو ما أدى إلى توقف مياه الشرب عن مئات الآلاف من السكان، باستثناء بعض القرى الواقعة بين أم الريش وجب الصفا جنوباً وحتى الفاسوق شمالاً، والذين يتم تزويدهم بالمياه من مشروع الشرب القديم عن طريق آبار تقع بالقرب من عين الزرقاء وتضخ لهم المياه عبر محطتين قديمتين.

“برهان كعدة” رئيس المجلس المحلي في دركوش قال لـ “فوكس حلب” إنه لا يمكن تجزئة مشروع الصيانة وهو ما حال دون إصلاحه، وذلك بسبب الكلفة العالية التي تحتاج إلى دعم دولي، فجميع المناشدات والمشاريع التي رفعت إلى المنظمات الإنسانية قوبلت بالرفض.

الجيولوجي أحمد الفارس قال إنه يجب ألا تعطش منطقة فيها نبع كعين الزرقاء، خاصة وأن منسوب المياه والتدفق فيه عالٍ، ويكفي إن تم استثماره جيداً لتغطية حاجة ما يزيد عن مليوني شخص من مياه الشرب النقية، إلّا أنه وبعد توقف مياه النبع يضطر معظم سكان المحافظة لتوفير المياه عبر الآبار الارتوازية أو السطحية ومن ينابيع أخرى وبكلفة عالية.

مصرف مياه عين الزرقاء
مصرف مياه عين الزرقاء

تضيع معظم المياه المتدفقة عبر النبع دون استثمارها قبل وصولها إلى نهر العاصي الذي تعدّ أهم روافده، يقول علي خطاب من سكان ريف إدلب، بينما يقع على عاتق المواطن دفع  كلفة مياه الصهاريج الشهرية والتي تزيد عن عشرة آلاف ليرة سورية، وهو ما يعادل 20% من متوسط دخل الفرد (يقدر دخل الفرد في سوريا بما يقارب 99 دولار شهرياً)، مؤكداً أن إعادة خطوط المياه من عين الزرقاء يمثل حلّاً لمشكلة المياه الملوثة أيضاً.

بينما ترى أم محمد (وهي أم لسبعة أطفال) أن مياه عين الزرقاء هي الأفضل في المنطقة من حيث النقاء والجودة، وأن الناس كانوا يقطعون مسافات طويلة للحصول على بعض منها، وتتساءل عن دور مديرية المياه في إعادة تأهيلها.

مضخات الري المعطلة

تتألف محطة الري من سبع مضخات وواحدة احتياطية، جميعها ما زال موجوداً، إلّا أنها متوقفة عن العمل لعدم وجود الطاقة الكهربائية المناسبة لتشغيلها، وتحتاج مضخات الشرب والري في المحطة لاستطاعة كهربائية بنحو 13 ميغاواط، بحسب المهندس الرشواني، والذي قال إن تصريف محطة الري نحو 800 ل/ثا، أما تصريف محطة مياه الشرب نحو 350ل/ثا.

يقول سامر اليحيى (مهندس سابق في الموارد المائية): “المضخات في المحطة موجودة إلّا أن خمس منها معطلة بشكل كامل، واثنتان بحاجة إلى الصيانة مع لوحات الطاقة للتشغيل”، ويضيف إن المحطة كانت تعمل في العامين 2014 و2015 بعد تزويدها بالطاقة الكهربائية من محطة الزربة بخط نقل 66 ك.ف.آ، لمحطة أبو كشة حتى عين الزرقة، إلّا أن الأعطال والسرقات وتوقف تزويد النظام لها بالكهرباء أدى إلى توقفها بالكامل.

محطات الري في عين الزرقاء
محطات الري في عين الزرقاء

من جهته يقول المهندس عبد الخالق الشيخ (رئيس رخص الآبار بمديرية الزراعة ومدير الموارد المائية) إن المحطة تحتاج لمختصين وخبراء لمعرفة النواقص في التجهيزات والمعدات التالفة أو المسروقة، مؤكداً على أن المضخات والتمديدات الكهربائية وشبكات الري، خاصة القناة الرئيسية الجنوبية والشمالية تحتاج للترميم والإصلاح، لأن تشغيلها بحاجة إلى “كهرباء وكادر فني وابتعاد القوة العسكرية عن المنطقة بدل تحويلها إلى منتجع سياحي”، وأشار الشيخ إلى أهمية وجود استقلالية لعمل الموارد المائية في إدلب وبالتالي تأمين كادر فني متكامل لبدأ العمل.

توقف مضخات الري أدى إلى جفاف سد البالعة الذي يتغذى من نفق صناعي لعين الزرقاء، ويروي نحو 10 آلاف هكتار في سهل الروج، إضافة لثلاثة آلاف هكتار تغذيها شبكة ري القسم الجنوبي المكشوفة يقول المزارع محمد الخطيب (من الجبل الوسطاني بريف إدلب الغربي) إن الزراعات المروية وخاصة الأشجار المثمرة في المنطقة قد تأثرت بشكل كبير بسبب ضياع مياه عين الزرقاء، مما دفع المزارعين إلى حفر الآبار الارتوازية وبشكل عشوائي يهدد منسوب المياه الجوفية في المنطقة، أو لبناء “آبار عربية” لتجميع مياه الأمطار في الشتاء للاستهلاك المنزلي

قناة مياه تصل بين نبع عين الزرقاء ومحطة الري
قناة مياه تصل بين نبع عين الزرقاء ومحطة الري

وبحسب المهندس رشواني: فإن سكان حوالي أكثر من عشرين قرية كانوا يستفيدون بشكل كامل من مشروع ري قرى سهل الروج وقرى الجبلين الوسطاني والزاوية والقرى المحيطة بعين الزرقاء. فقد كان المشروع سبباً في ازدهار اقتصادي لسكان محافظة إدلب من تشغيلٍ للأيدي العاملة وآليات النقل، وخلق أسواق تصريف للمنتجات بالإضافة لتشغيل معامل الغزل والمحالج بالنسبة للقطن، ومعامل الكونسروة لباقي المنتجات.

ري المزروعات بالقرب من عين الزرقاء
ري المزروعات بالقرب من عين الزرقاء

المزارع “خالد العلي” من قرية الضهر ناحية دركوش قال إن كلفة نقل صهريج الماء بسعة ثلاثين برميل تصل إلى 10 آلاف ليرة سورية، وهو ما حال دون ري قسم كبير من الفلاحين لأراضيهم، بينما ذهب المزارع شادي العكل (من قرية الكريز بسهل الروج) للقول إن 65% من الأراضي المروية سابقاً تحولت للزراعات البعلية، في حين يعتمد 35% من السكان على مياه الآبار، بكلفة يومية تصل إلى 65 ألف ليرة (سعر برميل الوقود إذ يحتاج يوم السقاية إلى 200 لتر من المازوت).

حوض نبع عين الزرقاء يتحول إلى مسبح للزائرين
حوض نبع عين الزرقاء يتحول إلى مسبح للزائرين

يزور عين الزرقاء في فصل الصيف نحو 50 إلى 100 شخص يومياً بعد تحولها إلى مقصد سياحي، ويوجد بالقرب منها ما يزيد عن تسعين “شاليه” بمتوسط إيجار يومي بلغت 15 ألف ليرة لليوم الواحد، يقول الرشواني بعد أن توقفت مشاريع الضخ لم يبق أمام أهل المنطقة سوى السياحة لتأمين لقمة عيشهم. 

المادة السابقةفي إدلب: غياب قوانين السير تزيد من عدد الحوادث
المادة التاليةمدارس الغوطة الشرقية.. نقص حاد في الكوادر والخدمات