بعد عقود من التشريعات التي منحت الأجهزة الأمنية والسلطة التنفيذية صلاحيات استثنائية، يواجه مجلس الشعب السوري الجديد اختباراً تشريعياً في مراجعة إرث قانوني ارتبط بتقييد الحريات العامة وملاحقة المعارضين والمساس بحقوق الملكية، وسط مطالبات حقوقية بإلغاء القوانين الأكثر تأثيراً في حياة السوريين، وإعادة ترتيب الأولويات التشريعية بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الانتقالية.
وفي 16 أيلول 2026، بدأ المجلس خطواته في هذا المسار من خلال إقرار مشروع قانون إلغاء محكمة قضايا الإرهاب، المُحدثة بموجب “القانون رقم 22 لعام 2012″، وإبطال المفاعيل القانونية لأحكامها، قبل أن يصوّت في تشرين الأول الجاري، على إلغاء تشريع قديم منح وزير التربية صلاحية الاستيلاء على عقارات لخدمة الوزارة.
وأعادت هاتان الخطوتان إلى الواجهة، ملف القوانين الأمنية والسياسية والعقارية الموروثة من عهد نظام الأسد المخلوع، في ظل استمرار تشريعات منحت الأجهزة الأمنية حصانات وصلاحيات واسعة، وأخرى نظّمت العمل السياسي والإعلام والانتخابات والاستملاك، بما يثير تساؤلات حول أولويات الإلغاء والتعديل، وآليات معالجة الآثار التي خلّفتها هذه القوانين، ومدى توافقها مع مبادئ الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار 2025، بشأن حماية الحقوق والحريات واستقلال القضاء وصون الملكية الخاصة.
وفي تصريحات خاصة لفوكس حلب، يحدّد المحامي والحقوقي ميشال شماس أبرز القوانين التي يرى ضرورة إلغائها بصورة عاجلة، ويوضح آثار استمرارها على الحقوق والحريات، فيما يكشف عضو مجلس الشعب عن مدينة الباب شرقي حلب، أسامة النعوس، عن صعوبات تواجه العمل التشريعي، أبرزها عدم وصول مشروعات قوانين من الوزارات، ويستعرض مبادرات تقدّم بها عدد من النواب لمعالجة قضايا تتعلق بضحايا النظام السابق وحقوق المواطنين.
قوانين أمنية واستثنائية.. حصانات واسعة وقيود على الحريات
يتصدر “القانون رقم 6 لعام 1964″، الخاص بمناهضة أهداف “ثورة البعث”، قائمة التشريعات التي يطالب المحامي ميشال شماس بإلغائها، باعتبار أنّ نظام الأسد استخدمه لتجريم المعارضة السياسية وربط الشرعية القانونية بأيديولوجية الحزب الحاكم، إلى جانب “القانون رقم 53 لعام 1969” المتعلق بأمن حزب البعث.
ويقول شماس لفوكس حلب، إنّ “المرسوم التشريعي رقم 14 لعام 1968″، الخاص بإدارة المخابرات العامة، و”المرسوم التشريعي رقم 549 لعام 1969″، المتعلق بتنظيم إدارة أمن الدولة، يأتيان أيضاً في مقدمة التشريعات المطلوب إلغاؤها، لما منحته هذه النصوص من صلاحيات استثنائية للأجهزة الأمنية وحصانات تحد من ملاحقة عناصرها قضائياً.
ويمتد مطلب الإلغاء إلى “المرسوم التشريعي رقم 64 لعام 2008″، الذي منح عناصر من الشرطة والأمن السياسي والضابطة الجمركية حصانات إجرائية تتعلق بالملاحقة القضائية، ويرى شماس أن هذه الأحكام تمس مبدأ المساواة أمام القانون ومساءلة الموظفين العموميين عن أفعالهم.
وتشمل القائمة “المرسوم التشريعي رقم 55 لعام 2011″، الذي أتاح للأجهزة المختصة التوسع في مدد التوقيف لتصل إلى ستين يوماً في قضايا محددة، و”المرسوم التشريعي رقم 56 لعام 2011″، الذي يرى شماس أنه أبقى عملياً على بعض مفاعيل حالة الطوارئ، رغم الإعلان عن رفعها في العام نفسه.
ويدعو أيضاً إلى إلغاء قانون المحاكم الحربية الصادر بـ”المرسوم التشريعي رقم 109 لعام 1972″، و”القانون رقم 49 لعام 1980″، الذي فرض عقوبة الإعدام على مجرد الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين.
ويضع شماس هذه التشريعات ضمن منظومة قانونية رسّخت نفوذ السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية على حساب الحقوق الفردية، مشيراً إلى أن استمرار العمل بها يثير إشكالات قانونية في ضوء ما أقره الإعلان الدستوري من مبادئ بشأن الحريات العامة واستقلال القضاء والمساواة أمام القانون.
ويشدد أيضاً على ضرورة إلغاء النصوص التي تتيح للسلطة التنفيذية التدخل في شؤون النقابات المهنية، ومنها “المادة 107” من “قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم 30 لعام 2010″، التي تجيز لمجلس الوزراء حل المؤتمر العام للنقابة ومجلسها ومجالس فروعها بقرار غير قابل للطعن، إلى جانب “المادة 108” التي تمنح رئيس مجلس الوزراء صلاحيات تتعلق بإعادة تشكيل المجالس النقابية، رغم غياب هذا المنصب عن الهيكل التنفيذي السوري الحالي.
في سياق متصل، أعلنت نقابة المحامين السوريين، في 22 أيلول 2026، استمرار العمل على إعداد مشروع قانون جديد لتنظيم مهنة المحاماة ونظامها الداخلي، يتضمن تعزيز استقلال المهنة، ويفتح المجال أمام مراجعة النصوص التي أتاحت للسلطة التنفيذية التدخل في شؤون النقابة وإدارتها
ماذا يقول الإعلان الدستوري؟
تستند المطالبات بإلغاء التشريعات الاستثنائية إلى “المادة 48” من الإعلان الدستوري، التي نصت على إلغاء جميع القوانين الاستثنائية التي ألحقت ضرراً بالسوريين وتتعارض مع حقوق الإنسان، وإبطال مفاعيل الأحكام الجائرة الصادرة عن محكمة قضايا الإرهاب، بما يشمل رد الممتلكات المصادرة، إلى جانب إلغاء الإجراءات الأمنية الاستثنائية المتعلقة بالوثائق المدنية والعقارية.
وفي خطوة سبقت مباشرة مجلس الشعب مهامه، عقدت لجنة من الخبراء القانونيين -شُكّلت في الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية- اجتماعها الأوّل في 28 تموز 2025، لمناقشة إلغاء القوانين الاستثنائية استناداً إلى “المادة 48” من الإعلان الدستوري.
ووفق ما أعلنته وكالة “سانا” حينها، وضعت اللجنة معايير لاقتراح تعديل أو إلغاء القوانين والمراسيم التشريعية التي تمس الحقوق والحريات العامة، أو صدرت لأهداف سياسية تتعارض مع مصلحة المواطنين، على أن ترفع نتائج أعمالها دورياً إلى الأمانة العامة تمهيداً لاتخاذ الإجراءات التشريعية اللازمة.
في المقابل، أبقت “المادة 51” من الإعلان الدستوري القوانين النافذة سارية إلى حين تعديلها أو إلغائها، ما يجعل مراجعة التشريعات الموروثة من عهد النظام السابق استحقاقاً يحتاج إلى إجراءات قانونية واضحة، خصوصاً تلك التي رتبت عقوبات على الانتماء السياسي، أو منحت الأجهزة الأمنية صلاحيات وحصانات استثنائية.
محكمة الإرهاب.. عشرات آلاف القضايا وآثار تنتظر المعالجة
في 16 أيلول الماضي، أقر مجلس الشعب بالإجماع مشروع قانون إلغاء محكمة قضايا الإرهاب، المنشأة بموجب “القانون رقم 22 لعام 2012″، وإبطال المفاعيل القانونية للأحكام الصادرة عنها، خلال جلسته الثالثة من الدورة الاستثنائية الأولى.
وبحسب ما أُعلن عقب الجلسة، يتضمن المشروع إسناد مهمة معالجة آثار الأحكام السابقة إلى مجلس القضاء الأعلى، عبر لجان قضائية مختصة، بما يشمل رد الممتلكات المصادرة، وحفظ الدعاوى القائمة أمام المحكمة أو إحالتها إلى المراجع القضائية المختصة بحسب طبيعة كل قضية.
وتكشف المعطيات الحقوقية حجم القضايا التي نظرتها المحكمة خلال سنوات عملها، إذ قدّرتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تقرير أصدرته في تشرين الأول 2020، بنحو 90 ألفاً و560 قضية، فيما كان ما لا يقل عن 10 آلاف و767 شخصاً خاضعين لإجراءات أمامها آنذاك، إضافة إلى توثيق 3970 حالة حجز على الممتلكات.
وفي مقالة نشرها موقع الشبكة، في 21 أيلول 2026، تناول مديرها الحقوقي فضل عبد الغني التحديات المرتبطة بتنفيذ الإلغاء، مشيراً إلى ضرورة معالجة الأحكام السابقة والسجلات الجنائية والقيود الأمنية ومذكرات التوقيف والمنع من السفر، إلى جانب إعادة الأموال والممتلكات المصادرة وإنهاء الآثار الوظيفية والمدنية التي خلفتها قرارات المحكمة.
كذلك، دعا عبد الغني إلى فرز القضايا العالقة، وإنهاء الملاحقات المرتبطة بممارسة الحقوق والحريات، مع إخضاع الاتهامات المتعلقة بجرائم جنائية فعلية للتحقيق أمام القضاء العادي، استناداً إلى أدلة مستقلة ومشروعة.
وتتقاطع هذه المطالب مع ما يؤكّده المحامي ميشال شماس، الذي يوضّح أن إلغاء محكمة قضايا الإرهاب يختلف من الناحية القانونية عن إلغاء “قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012″، إذ إن إنهاء عمل المحكمة لا يؤدي تلقائياً إلى زوال النصوص الجزائية التي كانت تطبقها أو الأحكام الصادرة عنها.
ويشير شماس إلى أنّ مشروع الإلغاء، الذي أقره المجلس تضمن أحكاماً لإبطال المفاعيل والآثار القانونية المترتبة على المحكمة، ما يجعل آليات التنفيذ وإعادة الحقوق إلى أصحابها من أبرز الملفات التي تستدعي المعالجة.
وبحسب شماس، فإنّ إنصاف المتضررين يستوجب مراجعة الأحكام والقرارات والإجراءات السابقة، وإلغاء الحجوزات والمصادرات غير المشروعة، ورد الاعتبار والتعويض، موضحاً أن إلغاء النصوص التي استُخدمت في الانتهاكات يظل منقوص الأثر إذا استمرت نتائجها في حياة أصحابها.
وكانت وزارة العدل قد أعلنت، في 20 أيلول الماضي، أن مجلس القضاء الأعلى بدأ منذ نيسان 2025 تشكيل لجان قضائية متخصصة لمعالجة ملفات المحاكم الاستثنائية، مشيرة إلى أن الإجراءات تشمل أيضاً أحكام المحاكم الميدانية والعسكرية وغيرها من القرارات الاستثنائية الصادرة خلال حكم النظام السابق.
ومع إقرار مشروع إلغاء المحكمة، يبقى صدور القانون ونفاذه، وما يتبعهما من إجراءات عملية لمراجعة الأحكام وردّ الممتلكات، عاملاً أساسياً في تحديد مدى استفادة المتضررين من هذه الخطوة التشريعية، وقدرتها على إنصافهم وإعادة حقوقهم.
قوانين الاستيلاء والمصادرة.. الملكية الخاصة أمام المراجعة
عاد ملف الملكية العقارية إلى واجهة النقاش التشريعي أيضاً، بعد تصويت مجلس الشعب في تشرين الأول الجاري على إلغاء “القانون رقم 521 لعام 1955″، الذي منح وزير التربية صلاحية الاستيلاء على العقارات اللازمة لخدمة الوزارة، فيما أشارت وكالة “سانا” أيضاً، إلى إلغاء “القانون رقم 143 لعام 1958″، المرتبط بسريان أحكام التشريع السابق في سوريا خلال فترة الوحدة مع مصر.
ويأتي هذا التحرّك في سياق مراجعة التشريعات التي منحت جهات حكومية صلاحيات واسعة للتدخل في الملكية العقارية، في بلد شهد -خلال سنوات الحرب- عمليات حجز ومصادرة ونزاعات على الملكيات، أثرت في حقوق أعداد كبيرة من السوريين، خاصّةً النازحين والمهجرين.
ويفتح ترتيب هذه الملفات على جدول أعمال المجلس نقاشاً حول أولويات التعديل والإلغاء، في ظل استمرار المطالبات الحقوقية بمعالجة قوانين أمنية وقضائية تمس الحريات العامة وحقوق المواطنين بصورة مباشرة.
في هذا السياق، يرى المحامي والحقوقي ميشال شماس أن تحديد الأولويات التشريعية ينبغي أن يستند إلى حجم الأثر الفعلي لكل قانون على حياة المواطنين وحقوقهم، مشيراً إلى أنّ التشريعات المتعلقة بالحصانات الأمنية والتوقيف والحجز على الممتلكات تبدو أكثر إلحاحاً من قوانين قديمة محدودة النطاق، ما لم تكن الأخيرة ما تزال ترتب أضراراً مباشرة.
ويخص شماس بالذكر “المرسوم التشريعي رقم 63 لعام 2012″، المتعلق بالحجز على أموال وممتلكات الأشخاص الخاضعين للتحقيق أو الملاحقة، وما ترتب على تطبيقه من مساس بحقوق الملكية وآثار طالت المتضررين وأسرهم.
ويطالب بإلغاء “المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012” و”القانون رقم 10 لعام 2018″، المتعلقين بإحداث المناطق التنظيمية، واللذين أثارا اعتراضات حقوقية بسبب تأثيرهما في حقوق المالكين والمهجرين، وما يرتبط بهما من صعوبات في إثبات الملكيات والمطالبة بالعقارات والتعويضات.
وتمتد مطالب شماس أيضاً إلى مراجعة قانون الاستملاك ووضع ضوابط واضحة تحدد نطاق تطبيقه، إذ يشدّد شماس على ضرورة اقتصاره على حالات المنفعة العامة الفعلية، مقابل تعويض عادل لأصحاب العقارات يُحتسب وفق السعر الرائج.
وتزداد أهمية مراجعة هذه التشريعات مع عودة نازحين ولاجئين إلى مناطقهم، وما يواجهه بعضهم من تحديات في إثبات ملكياتهم أو استعادة عقاراتهم وأموالهم، بعد سنوات من قرارات الحجز والمصادرة وإجراءات التنظيم العقاري التي أثّرت في حقوقهم.
الوزارات لم ترسل إلينا مشروعات قوانين
في موازاة المطالب الحقوقية بتسريع إلغاء التشريعات الاستثنائية، يتحدّث عضو مجلس الشعب عن مدينة الباب شرقي حلب، أسامة النعوس، عن صعوبات تواجه المجلس في ممارسة دوره التشريعي، أبرزها غياب مشروعات القوانين التي ينتظر النواب إحالتها من الوزارات المختصة.
ويقول النعوس، في تصريح خاص لفوكس حلب، إنّ أعضاء المجلس كانوا ينتظرون منذ بداية اجتماعاتهم وصول مشروعات القوانين من الوزارات لبدء مناقشتها، لكنهم لم يتلقوا، حتى موعد حديثه، أي مسودة قانون أو مشروع تشريعي من أي وزارة.
ويعتبر أن تحميل مجلس الشعب مسؤولية التأخير في معالجة الملفات التشريعية يتجاهل مسؤولية الوزارات المعنية عن إعداد المشروعات وإحالتها، مشيراً إلى أن عدداً من النواب بادروا إلى صياغة مقترحات قوانين استجابة لقضايا يرون أنها تستدعي المعالجة.
ومن أبرز هذه المبادرات، وفق النعوس، مشروع قانون لإعادة الموظفين المفصولين من وظائفهم بسبب مشاركتهم في الثورة السورية أو مواقفهم السياسية، موضحاً أنه تقدم بالمشروع بالتعاون مع عدد من زملائه في المجلس.
ويشير أيضاً إلى تقديم مشروع لإلغاء “القانون رقم 49 لعام 1980″، الذي يفرض عقوبة الإعدام على مجرد الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، وهو من التشريعات التي يضعها حقوقيون ضمن أولويات الإلغاء.
ويتحدّث النعوس عن مشروع آخر يتعلق بالأراضي الحدودية، التي كانت تخضع لإجراءات وموافقات أمنية تحد من قدرة أصحابها على التصرف بأملاكهم، إضافة إلى مقترح يخص أبناء الشهداء، ويتضمن تخصيص نسبة 50% من فرص التوظيف والمسابقات الحكومية لهم، مستنداً إلى مشروع سابق طُرح خلال عهد نظام الأسد.
ويوضح أن بعض القضايا اكتسبت صفة الاستعجال، وفي مقدمتها إلغاء محكمة قضايا الإرهاب، بسبب ما ارتبط بها من ملاحقات وأحكام طالت معارضي النظام السابق، فيما جاءت مشروعات أخرى بمبادرات من النواب أنفسهم.
تصريحات النعوس تسلّط الضوء على العلاقة بين المجلس والوزارات، في مرحلة تتطلب إعداد عدد كبير من التشريعات الجديدة ومراجعة القوانين القائمة، كما تطرح تساؤلات حول آليات التنسيق بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ومواعيد إحالة مشروعات القوانين، وأولويات اللجان المختصة في دراستها.
قوانين الأحزاب والانتخابات والإعلام.. ملفات تنتظر الحسم
تتجاوز الاستحقاقات التشريعية إلغاء القوانين الأمنية والاستثنائية إلى إعادة تنظيم الحياة السياسية والعامة، خصوصاً في المجالات التي ارتبطت خلال عهد النظام السابق بقيود إدارية وأمنية حدّت من المشاركة السياسية وحرية التعبير والعمل المدني.
ويأتي “قانون الأحزاب رقم 100 لعام 2011” في مقدمة هذه الملفات، بعدما صدر في بيئة سياسية خضعت فيها الأنشطة الحزبية لرقابة مشددة، فيما تطرح المرحلة الانتقالية الحاجة إلى قواعد جديدة تضمن حرية تأسيس الأحزاب وممارسة العمل السياسي والتنافس على أساس البرامج، مع تنظيم التمويل والرقابة المالية وضمان استقلال الأحزاب عن الأجهزة الحكومية والأمنية.
ويؤكد شماس ضرورة الإسراع في سن قانون أحزاب جديد، إلى جانب قانون للجمعيات غير الحكومية يضمن حرية التنظيم والعمل المدني، مشيراً إلى أهمية تعديل قوانين الانتخابات والتظاهر والإعلام والجرائم الإلكترونية بما يكفل الحقوق والحريات التي نص عليها الإعلان الدستوري.
ويبرز الملف الانتخابي بوصفه أحد الاستحقاقات المرتبطة بمستقبل التمثيل السياسي، إذ تشكّل مجلس الشعب الحالي وفق نظام انتخابي مؤقت نص على اختيار ثلثي الأعضاء عبر هيئات ناخبة محلية بصورة غير مباشرة، وتعيين الثلث الأخير بقرار رئاسي.
ومع ارتباط هذا الترتيب بالمرحلة الانتقالية، تبرز الحاجة إلى إعداد إطار انتخابي مستقبلي ينظم المنافسة السياسية، ويضمن دورية الانتخابات ونزاهتها وحقوق الناخبين والمرشحين، ويعالج مشاركة اللاجئين والمهجرين وتمثيل مختلف المناطق والفئات الاجتماعية.
أمّا في المجال الإعلامي، فتشمل التشريعات التي تستدعي المراجعة “قانون الإعلام رقم 108 لعام 2011″، و”قانون الجرائم المعلوماتية رقم 20 لعام 2022″، في ضوء المطالب بوضع ضمانات قانونية لحرية الصحافة والنشر، وحماية الصحفيين ومصادرهم، ومنع استخدام العقوبات الجزائية لتقييد التعبير عن الرأي.
وتتصل هذه الملفات بمراجعة قانون التظاهر وتنظيم الحق في التجمع السلمي، بما يتيح للسوريين ممارسة حقوقهم السياسية والمدنية وفق إجراءات واضحة، بعيداً عن القيود التي حكمت المجال العام خلال العقود الماضية.
في السياق نفسه، يبقى إصلاح الإدارة العامة وقوانين الخدمة المدنية والإدارة المحلية من الملفات المطروحة، لما لها من تأثير مباشر على حقوق الموظفين وآليات التعيين والمساءلة وتوزيع الصلاحيات بين المؤسسات المركزية والمجالس المحلية.
وإلى جانب مراجعة القوانين القائمة، يواجه مجلس الشعب استحقاقات تشريعية أخرى خلال المرحلة الانتقالية، أبرزها إصدار قانون يجرّم تمجيد نظام الأسد ورموزه وإنكار جرائمه أو تبريرها، وفق ما نص عليه الإعلان الدستوري، إلى جانب تشريعات لتنظيم الاستثمار واسترداد الأموال العامة المنهوبة، بما يعزز الشفافية والمساءلة ويحمي الموارد العامة.
العدالة الانتقالية واستقلال القضاء.. استحقاقات تتجاوز إلغاء القوانين
تتقاطع غالبية القوانين المطروحة للمراجعة مع ملف العدالة الانتقالية، الذي خصّه الإعلان الدستوري بأحكام تتعلق بإنصاف الضحايا وإلغاء القوانين الاستثنائية المخالفة لحقوق الإنسان وإبطال آثار الأحكام الجائرة الصادرة بموجبها.
وقد شهد العام 2025 إحداث الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، في خطوة أسّست لمسار مؤسسي لمعالجة الانتهاكات، وسط حاجة إلى تشريعات تفصيلية تحدد صلاحيات الهيئة وآليات عملها وعلاقتها بالقضاء والجهات الحكومية المعنية.
وتكتسب هذه المهمة أهمية خاصة بالنظر إلى ما خلّفته قرارات الحجز والمصادرة والمنع من السفر والفصل من الوظائف، فضلاً عن الملاحقات القضائية والأمنية، التي طالت المعارضين خلال عهد النظام المخلوع، وما ترتب عليها من انتهاكات وآثار قانونية تستدعي مراجعة الأحكام والسجلات والقرارات الإدارية المرتبطة بها.
ومن شأن إقرار قانون شامل للعدالة الانتقالية أن يضع إطاراً واضحاً لتوثيق الانتهاكات وحماية الضحايا والشهود، وتنظيم آليات المساءلة والتعويض ورد الاعتبار واستعادة الممتلكات، مع ضمان حقوق المتهمين في محاكمات عادلة.
ويتطلب هذا المسار إصلاح المنظومة القضائية، التي يستند تنظيمها إلى “قانون السلطة القضائية رقم 98 لعام 1961” وتعديلاته، إلى جانب قوانين أصول المحاكمات المدنية والجزائية، بما يستجيب لمتطلبات العدالة وضمان استقلال المؤسسات القضائية.
وفي مقدمة مطالب الإصلاح، يبرز تعزيز استقلال مجلس القضاء الأعلى والقضاة والنيابة العامة، ومراجعة صلاحيات السلطة التنفيذية في شؤون التعيين والتفتيش والترفيع، بما يكرّس الضمانات التي نص عليها الإعلان الدستوري، ويحمي القرارات والأحكام القضائية من التدخلات الخارجية.
وفي هذا السياق، يؤكّد المحامي والحقوقي ميشال شماس أن إنصاف المتضررين يقتضي معالجة النتائج القانونية غير المشروعة التي ترتبت على تطبيق التشريعات السابقة، بما يشمل إعادة الحقوق إلى أصحابها وتعويضهم ورد الاعتبار إليهم، وهو ما يجعل استقلال القضاء من الضمانات الأساسية لإنجاز الإصلاحات التشريعية وتحقيق العدالة للضحايا.
أولويات التشريع وحقوق تنتظر الإنصاف
مع بدء مجلس الشعب مراجعة التشريعات الموروثة من عهد نظام الأسد، تتجه الأنظار إلى جدول أعماله المقبل، وسط ملفات تمس حياة السوريين بصورة مباشرة، من الحريات السياسية والمساءلة الأمنية إلى حقوق الملكية والعمل والإعلام والتمثيل الانتخابي.
وبين مطالب الحقوقيين بتقديم القوانين الأكثر إلحاحاً، وحديث أعضاء المجلس عن تأخر وصول مشروعات القوانين من الوزارات، تبرز أسئلة حول ترتيب الأولويات التشريعية، وسرعة إنجاز القوانين المنتظرة، وآليات تنفيذ قرارات الإلغاء ومعالجة الآثار التي خلّفتها التشريعات السابقة.
فالمواطن السوري الذي صودرت ممتلكاته، أو فُصل من عمله، أو حُرم من السفر، أو خضع لملاحقة بسبب موقف سياسي، ينتظر قرارات تعيد إليه حقوقه وتنصفه مما تعرض له، وضمانات قانونية تحول دون تكرار تلك الانتهاكات. وستكون قدرة مجلس الشعب على معالجة هذه الملفات، وإزالة آثار القوانين الاستثنائية من حياة المتضررين، من أبرز الاختبارات التي تواجهه خلال المرحلة الانتقالية.
