في حي الميسر شرقي حلب، وقف المصور السوري جلال المامو، خلال زيارته إلى سوريا صيف 2025، أمام مشاهد ألفها قبل مغادرته المدينة عام 2016. الدمار ما يزال قريباً من الصور التي حفظها في ذاكرته وأرشيفه الذي وثّقه قبل سنوات.
“كانت زيارة إلى الماضي”، يصف جلال رحلته يقول “لما نزلت، ما كان في تغيير كبير عن 2015، ممكن آخد الصورة ويطلع الكادر نفسه، الناس تغيرت، بس الكادر هو نفسه”.
بعد عودته إلى فرنسا، تلقى دعوة من جمعية ” SCOOPE” للمشاركة في الدورة العشرين من مهرجان “نكهات العالم”في مدينة Saumur الفرنسية. حملت دورة هذا العام التي أقيمت في التاسع عشر من الشهر الحالي، شعار “السلام في العالم” فيما حمل جلال إلى جمهورها صوراً التقطها في حلب بين عامي 2012 و 2016.
لم تكن الصور التي عرضها هذه المرة جديدة، فقد قدمها للمرة الأولى ضمن أول معرض فردي أقامه وحمل اسم “لا وقت للغد”، عام 2018 في المدينة نفسها، وضم نحو 35 صورة.و في مشاركته الحالية، اختار من المجموعة الأصلية نحو 15 صورة، ليعرضها أمام جمهور جديد بسياق مختلف.

جلال المامو مصور صحفي سوري مستقل، من مواليد مدينة حلب عام 1986. عمل على توثيق الأحداث ونقلها للعالم مع بداية الحراك السلمي في سوريا عام 2011، واستمر بالتصوير حتى خروجه منها عام 2016. نُشرت صوره في وسائل إعلام دولية، بينها “لوموند” و “نيويورك تايمز”، كما عمل كمصور مستقل مع وكالة رويترز في عام 2013.
وجمعية ” SCOOPE” رأت في صور جلال ما يتوافق مع الشعار الذي تطلقه وينسجم مع فكرة المهرجان، يقول تومي، المسؤول عن تنظيم المهرجان، أن صور المعرض توضح الفرق بين الحياة في مجتمع ينعم بالسلام منذ عقود، وتجربة أشخاص عاشوا الحرب بصورة مباشرة.
ويضيف تومي في حديث ترجم عن الفرنسية: “الأجيال الجديدة في فرنسا لم تعد تدرك تماماً ما تعنيه الحرب. معرض جلال يضع الجمهور أمام حقيقة الواقع، فهو لايكتفي بإظهار القنابل، بل يوثق تفاصيل الحياة والأطفال والدمار”.
عبد الرحمن، شاب يقيم في المدينة نفسها، يرى أن المعرض يساعد على إيصال تجربة السوريين إلى أشخاص من جنسيات مختلفة، بعدما وجد أن شرح ماحدث بالكلمات يصعب إيصال الفكرة للآخرين، يقول: “الصورة بتقدر تخترق كل الحواجز اللغوية بيناتنا، بتقدر توصل، صورة حلوة أو صورة بحالتنا كانت مؤلمة. استطاع بشكل ما جلال، نقل جزء من تجربتنا، نقل الشي اللي نحنا مو قادرين نعبر عنه، نقل جزء من التاريخ اللي نحنا عشنا فيه”.
بالنسبة إلى المامو، كانت المشاركة فرصة لتذكير الجمهور بأن محاولة السوريين مواصلة حياتهم لا تعني زوال آثار الحرب. ويقول: “لسه هذا الوضع عنا بسوريا، في حفلات، الناس عم تفرح، الناس عم تحاول تعيش، لكن لسه الوضع كارثي”.

حين لم يكن هناك وقت للغد
استعار جلال عنوان معرضه الأول من قصيدة ” لاعب النرد” للشاعر الفلسطيني محمود درويش، وجد في عبارة “لا وقت للغد” وصفاً للحياة التي عرفها في حلب خلال سنوات القصف. في تلك الفترة، لم يكن التفكير في اليوم التالي أمراً بديهياً، لأن احتمال الموت جعل حياة الناس محصورة في اللحظة التي يعيشونها.
يقول: “ما كان حدا يفكر لبكرة؛ أنا بكرة شو بدي آكل؟ أنا بكرة شو بدي أطبخ؟ كان الوقت محصوراً بالحاضر فقط، باللحظة اللي أنت عايشها، لهيك كانت فكرة المعرض تحت عنوان لا وقت للغد”. لم تقتصر المجموعة على صور القصف والدمار، بل ضمت أيضاً صوراً شخصية ومشاهد من المخيمات ولحظات من الغناء والفرح والحياة اليومية.
حين عاد جلال إلى أرشيفه لاختيار صور العرض الحالي، لم يتعامل مع المجموعة باعتبارها أعمالاً منفصلة يمكن ترتيبها حسب الأفضلية. فكل صورة، بالنسبة إليه، تحمل قصة، بينما تشكل الصور مجتمعة حكاية واحدة عن مرحلة صعبة عاشها السوريون.
يقول: “نحن ما عم نحكي عن فن أو رسم، شيء أنا أنشأته أو أبدعته. نحن عم نحكي عن صور أخدناها بحالة معينة، حالة خاصة. ما فيني أقول في صورة مفضلة عن صورة، كل صورة بتحكي قصة، والصور كلها بتحكي القصة الكبيرة”.
من بين الصور، يتوقف جلال عند صورة لطفلة أُخرجت حية من تحت أنقاض مبنى في حي الميسر شرقي حلب، بعد استهدافه ببرميل متفجر شتاء العام 2013. أمضت الطفلة ساعتين أو ثلاثة تحت الركام، فيما كان جلال يقف وسط الجموع المحيطة بمكان القصف.

يقول: “أنا كنت بين الجموع، الشعور ما كان فردياً بوقتها، الشعور كان جماعياً. الكل زعلان لأنه القصف موجود، واللحظة اللي صاروا يصيحوا فيها: في بنت عايشة، الكل صار عنده أمل، رجع الأمل للناس”.
لماذا اختار الصور نفسها؟
اختار جلال صور العرض الحالي من الموضوعات التي شعر أنها ما تزال حاضرة بعد زيارته الأخيرة، من الدمار في بعض أحياء حلب إلى المخيمات التي تتكرر مأساة سكانها كل شتاء.
يقول: “الصور اللي اخترتن للمعرض الجديد هنن الحالة اللي أنا شفتها وما تغيرت. لسه في مخيمات موجودة بسوريا، وكل ما أجا شتاء منرجع لنفس المشكلة، ولسه الدمار موجود بالمناطق الشرقية بحلب”.
لم تكن المشاركة الحالية إعادة كاملة لمعرض عام 2018، إذ اختار جلال نحو 15 صورة من أصل قرابة 35. كما تغير السياق الذي عُرضت فيه المجموعة، فقد جاءت هذه المرة ضمن مهرجان اجتماعي وثقافي يحتفي بالتنوع ويحمل شعار السلام.

شاهد على ثمن الحرية
في كلمته خلال افتتاح المهرجان، وصف جلال الصور بأنها شاهد على الثمن الذي دفعه السوريون في سعيهم إلى الحرية. يقول: “الصور الموجودة بالمعرض هي دليل وشاهد على اللي دفعه الشعب السوري لحتى ينال حريته”.
وربط جلال بين الحرية والسلام، معتبراً أن الوصول إلى السلام يمر عبر نيل الحرية. واختصر رسالته أمام الجمهور بالقول: “الحرية هي طريق السلام، ولازم نقاوم لنحصل على حريتنا”.
بعد ثماني سنوات على معرض “لا وقت للغد”، عادت مجموعة من صوره إلى جدار جديد وأمام جمهور مختلف، وبقيت الطفلة في صورة الميسر عند لحظة خروجها حيّة من الأنقاض، وبقيت الجموع حولها عالقة بين أثر القصف وفرحة النجاة.
عاد جلال إلى الصور بعد زيارته حلب، حاملاً إليها ما شاهده في الأماكن التي وثقها قبل مغادرته. مضت السنوات وتغير الجمهور، لكنه يرى أن الصور ما تزال قادرة على تذكير الآخرين بما عاشه السوريون وبالثمن الذي دفعوه.

