جنوبي مدينة حلب، رائحةٌ نفاذة تسبق الوصول إلى بعض البساتين. مياه سقاية المزروعات تشق طريقها بين خطوط الخضار، وأخرى تستقر على المحاصيل بعد ضخها عبر المرشات، بينما يراقب مزارعون محاصيلهم.
في بعض البساتين، تستخدم مياه الصرف الصحي في ري محاصيل زراعية بسبب تراجع مصادر مياه الري النقية. إذ تسير مجاري الصرف الصحي بموازاة مجرى نهر قويق باتجاه محطة الراموسة المتوقفة عن العمل منذ سنوات في منطقة الراموسة، وهناك تلتقي بمياه النهر في نقطة واحدة جنوب المدينة، لتتابع جريانها عبر الأراضي الزراعية.
وفي ظل شح المياه، يعتمد عدد من المزارعين على هذه المياه في ري محاصيلهم. أبو أحمد، مزارع من المنطقة، يسقى أرضه بهذه المياه، يقول إن الآبار لم تعد توفر ما يكفي لري المحاصيل، وإن المياه النظيفة أصبحت شحيحة إلى درجة تهدد استمرار الزراعة. ويضيف: “إذا تركنا الأرض بلا سقاية نخسر الموسم كله، وإذا سقينا من مياه الصرف فلن نشعر بالارتياح، لكنها السبيل الوحيد لإنقاذ محاصيلنا”.
ولا تختلف رواية مزارع آخر فضل عدم ذكر اسمه عن رواية أبو أحمد، لكنه ينظر إلى الوضع من زاوية اقتصادية. فارتفاع تكاليف الإنتاج وغياب مصادر مياه بديلة جعلا شراء المياه النظيفة ونقلها بالصهاريج خيارًا يفوق قدرة معظم المزارعين، يقول متسائلًا : “ما البديل؟”.
يخبرنا أن حملات الرقابة تُنفذ بصورة دورية لمنع ري المزروعات وخاصة الورقية منها (كالنعناع والبقدونس) بمياه الصرف، غير أنه يعتبر أن الرقابة وحدها لا تقدم بديلًا عمليًا للحل في ظل استمرار الحاجة للمياه.
تنجم عن استعمال مياه الصرف الصحي في سقاية المزروعات مخاطر تنتقل عبر الغذاء إلى جسم المستهلك، لذلك فإن دراسات في مخابر كلية العلوم في جامعة حلب تجري لمحاولة إيجاد حلول لمعالجة المياه.
من هذه الدراسات بحث يتجه إلى دراسة الطحالب الدقيقة، مثل السبيرولينا والكلوريلا. يوضح الأستاذ في كلية العلوم، عماد الدين خلف، أن بعض الدراسات المخبرية أظهرت قدرة هذه الطحالب، في ظروف تشغيل محددة، على خفض تركيز ملوثات، وامتصاص نسب من بعض المعادن الثقيلة، ما يجعلها محط اهتمام في مشاريع المعالجة الحيوية.
إلا أنه يؤكد أن هذه النتائج لا تعني أن الطحالب تمثل حلًا جاهزًا لمياه الصرف، ففاعليتها ترتبط بعوامل دقيقة، منها: شدة الإضاءة ودرجة الحرارة وحموضة المياه وزمن المعالجة وطبيعة الملوثات وتركيزها.
كما أن كفاءتها تتراجع مع تغير الظروف البيئية، الأمر الذي يجعل تطبيقها على كميات كبيرة من مياه الصرف في مدينة بحجم حلب أكثر تعقيدًا من نجاحها في التجارب المخبرية أو المشاريع الصغيرة.
ويشير إلى أن الطحالب لا يمكن أن تحل محل محطات المعالجة التقليدية، وإنما قد تكون جزءًا من منظومة معالجة متكاملة في ظروف محددة، خاصة في المشاريع محدودة النطاق.
“لكن حتى في حال نجاح الطحالب في امتصاص جزء من الملوثات، فإن ذلك يفتح تحديًا آخر لا يقل أهمية”، يقول الدكتور خلف موضحًا أن الطحالب التي ستتغذى على هذه المياه ستتحول إلى كتلة حيوية محملة بالمعادن الثقيلة والملوثات، ما يفرض جمعها والتعامل معها بوصفها نفايات خطرة.
أما تركها داخل الأحواض حتى تتحلل، فقد يؤدي إلى إعادة إطلاق جزء من الملوثات إلى المياه، لتتحول عملية المعالجة نفسها إلى مصدر جديد للتلوث، وهو ما يجعل إدارة هذه الكتلة الحيوية جزءًا أساسيًا من نجاح أي مشروع يعتمد على الطحالب. ويشير خلف إلى وجود جنس مختلف تمامًا عن الطحالب المجهرية، وهو طحلب بحري بني يدعى “البادينا” (Padina) والذي يتميز بقدرته الاستثنائية العالية على سحب وامتصاص أثقل المعادن السامة من المياه وعلى رأسها الرصاص، الكادميوم والنحاس.
أما من الناحية الصحية، فيؤكد الدكتور محمد جمعة، رئيس قسم الأمراض الهضمية في المستشفى الجامعي بحلب، أن استخدام مياه الصرف غير المعالجة، أو المعالجة بصورة غير كافية، في ري المحاصيل يشكل خطرًا صحيًا عامًا على المزارعين والمستهلكين، لأن هذه المياه قد تنقل طيفًا واسعًا من الملوثات إلى السلسلة الغذائية.
يقول الدكتور جمعة، إن خطر الملوثات يمتد إلى مستهلكي الخضراوات التي تؤكل نيئة، ولا سيما الورقية منها، وكذلك الأطفال وسكان المناطق المجاورة لحقول الري، وفقًا للدكتور محمد جمعة. ويبين أن الخطر الأكبر يتمثل ببيوض الديدان المعوية التي تتميز بقدرتها على مقاومة الظروف البيئية والبقاء حية في التربة لأشهر، إضافة إلى الجراثيم والفيروسات المسببة لأمراض مثل الكوليرا والتيفوئيد والشيجيلا والتهاب الكبد الفيروسي (A وE)، فضلًا عن طفيليات أخرى.
ولا تقل المخاطر الكيميائية أهمية، إذ يوضح أن الري المتكرر بمياه الصرف يؤدي إلى تراكم معادن ثقيلة داخل التربة، قبل أن تمتصها النباتات عبر الجذور وتنتقل إلى الإنسان عند تناولها. وتتبع هذه العملية مسارًا بيولوجيًا يبدأ من التربة ثم النبات وصولًا إلى الإنسان، بينما تتراكم المعادن بصورة أكبر في الأوراق والجذور مقارنة بالثمار.
“هذه العناصر تحدث اضطرابات خلوية معقدة، من بينها الإجهاد التأكسدي وتلف المادة الوراثية والبروتينات، وهو ما يفسر ارتباطها بأمراض الكلى المزمنة وأمراض الكبد والجهاز العصبي وبعض أنواع السرطان” يقول الطبيب جمعة.
أما غسل الخضراوات، فيوضح أنه يظل إجراءً مكملًا لا يوفر حماية كاملة، إذ قد يخفف من الجراثيم الموجودة على السطح، لكنه لا يقضي عليها بالكامل، كما أن المعادن الثقيلة لا يزيلها الغسل ولا الطهي لأنها تكون قد دخلت إلى أنسجة النبات عبر الجذور، باستثناء جزء من الرصاص الذي قد يكون مترسبًا على السطح الخارجي.
لذلك فإن الوقاية الحقيقية، بحسب الدكتور جمعة، تبدأ من معالجة المياه قبل استخدامها في الري، مع قصر استخدامها ،عند الضرورة، على المحاصيل التي لا تؤكل نيئة، وإخضاع التربة والمحاصيل لرقابة دورية، لأن تراكم الملوثات يستمر مع تكرار الري عامًا بعد آخر حتى لو كانت المياه قد خضعت لمعالجة جزئية.
المشكلة بالنسبة للمزارعين لا تكمن في غياب الأفكار، بل في غياب الحلول التي يمكن تطبيقها بإمكانات محدودة، في مدينة ما تزال أزمة المياه فيها تفرض على كثير من المزارعين الاختيار بين خسارة الموسم الزراعي أو المجازفة باستخدام مياه يعرفون مسبقًا أنها ليست الخيار الآمن.
للمساهمة بمعالجة قضية الصرف الصحي، نشرت محافظة حلب عبر معرفاتها الرسمية أن محافظ حلب المهندس عزام الغريب، عقد اجتماعًا مع لجنة مسار الصرف الصحي، لمتابعة واقع القطاع. وأشار المنشور لأنه يجرى بحث إعداد دراسات لتطوير محطة معالجة المياه في منطقة الشيخ سعيد، تمهيداً لإحالتها إلى إدارة التعاون الدولي لبحث فرص تمويلها.
وبينما يحاول مزارعون إنقاذ محاصيلهم من العطش، تبقى المسافة طويلة بين ما تثبته الأبحاث داخل المختبر، وما يمكن تطبيقه على أرض يفرض عليها شح المياه خيارات قاسية. وحتى تجد هذه الأفكار طريقها إلى التنفيذ، سيظل المزارعون عالقين بين حماية محاصيلهم اليوم، وحماية صحة المستهلك غداً.
