فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

العدالة الانتقالية في سوريا.. الحدود الفاصلة بين القانون والانتقام

مريم طاهر

مع تصاعد المطالب بمحاسبة المتهمين بانتهاكات، هل تنجح العدالة الانتقالية في منع تحوّل الغضب الشعبي إلى انتقام خارج القانون؟

بين الحين والآخر تتصاعد مطالب شعبية تدعو لمحاسبة أشخاص يتهمهم الأهالي بالارتباط بنظام الأسد أو بالمشاركة في انتهاكات ارتُكبت خلال سنوات الحرب في محافظات سورية مختلفة، وغالبًا ما ينجم عنها اعتداءات تستدعي تدخل الأمن العام  لمنع تطور الاحتقان إلى عنف خارج إطار القانون.

وقد شهدت ذروتها في شهر حزيران الفائت في محافظات مختلفة منها حلب وحمص وإدلب ودير الزور، وما زالت تتجدد كردّات فعل تتزامن مع إحياء ذكرى مجزرة أو عند أي حدث يعتبره ذوو الضحايا استفزازًا لمشاعرهم.

 في حلب، شمالي سوريا، خرج مئات الأهالي من سكان حي السكري باحتجاجات رُفعت خلالها شعارات تطالب بمغادرة من يطلق عليهم صفة “الشبيحة” من المنطقة، كان أبرز الهتافات فيها: ” سوريا حرة حرة شبيحة تطلع برا”.

وفي تل رفعت شمال شرقي حلب، شهدت المدينة بعد أشهر من التحرير توترات أمنية عقب انتشار عبارات مؤيدة لنظام الأسد على جدران مدارس ومساجد في المدينة، قبل أن تتطور حالة الغضب إلى مهاجمة منازل اتُهم أصحابها بالارتباط بالنظام السابق، الأمر الذي استدعى انتشاراً أمنياً. يقول ذوو ضحايا ممن شاركوا في الاحتجاجات إن أشخاصاً يتهمونهم بارتكاب انتهاكات خلال السنوات الماضية ما زالوا يعيشون بين السكان من دون محاسبة واضحة.

ميلاد شهابي، وهو ناشط وإعلامي من مدينة حلب، يرى أن غياب آلية واضحة وفاعلة للمساءلة أسهم في تراكم الاحتقان الشعبي، خاصة أن بعض المتهمين يمتلكون السلاح، ويعيشون ويتجولون في الأحياء التي يعيش فيها ذوو الضحايا، وهذا عزز شعوراً لدى بعض السكان بأن العدالة الرسمية لم تصل إليهم بعد.

ويشير شهابي إلى أن توصيف الأشخاص المرتبطين بالنظام السابق لا ينبغي أن يستند إلى اختلاف وجهات النظر أو الانطباعات الشخصية، وإنما إلى أفعال ووقائع محددة تثبت طبيعة الدور الذي أدّاه كل شخص خلال سنوات الحرب، مشدداً على ضرورة التمييز بين المواقف السياسية وبين الأفعال التي قد ترقى إلى مستوى المشاركة في الانتهاكات أو تسهيلها.

ويضرب شهابي مثالاً عن اللجان الشعبية في حلب، التي يقول إن منتسبيها مُنحوا امتيازات للمشاركة في قمع التظاهرات، معتبراً أن تحديد المسؤولية لا يقتصر على من ارتكب انتهاكاً بشكل مباشر، ويختلف وفق طبيعة كل حالة والأدلة المتوافرة، ويشمل من شارك في إعداد تقارير أمنية ألحقت الضرر بالمدنيين، أو شارك في عمليات عسكرية، أو وثّق أو تفاخر بانتهاكات، أو أسهم في استهداف مناطق مأهولة، أو استخدم المنابر لتبرير أعمال قتل أو التحريض عليها.

ويستشهد شهابي بحالة شهدتها مدينة حلب، يقول فيها إن شخصاً اتهمه الأهالي بالارتباط بأعمال “تشبيحية” بعد خروجه من السجن بدأ باستفزاز أهالي الحي، فهجم بعضهم على المحال التجارية العائدة للمتهم لتتطور الحادثة إلى سقوط ضحايا مدنيين.

“تلخص هذه الحادثة الخطر الذي يرافق غياب مسار واضح للمحاسبة”، يقول شهابي معتبرًا أن إثبات الادعاء تجاه مرتكبي الجرائم من أصعب محطات الرحلة القانونية، خاصة بعد مرور عدة سنوات وفقدان جزء كبير من الوثائق والسجلات وطمسها.

وتظهر وقائع مشابهة في مناطق أخرى، ففي تدمر شرقي حمص، تطورت احتجاجات إلى تراشق بالحجارة بين الأهالي وأشخاص متهمين بالارتباط بنظام الأسد السابق “شبيحة”، حسب وصف محتجين، ما أدى إلى إصابة عدد من المدنيين.

وفي دير الزور، نظم أهالٍ اعتصاماً حمل اسم “اعتصام الكرامة”، شمل وقفات احتجاجية وخيمة اعتصام للمطالبة بوقف ما وصفوه بإعادة تدوير أشخاص مرتبطين بالنظام السابق “الشبيحة”، وإحالتهم إلى محاكمات عادلة.

لكن التعامل مع هذه الوقائع باعتبارها حالات “محاسبة شعبية” يطرح مشكلة قانونية أساسية: “من يحدد أن الشخص متورط في جريمة؟ وما الأدلة التي يمكن أن تثبت مسؤوليته؟”

توضح المحامية أسماء النعسان أن شهادات الشهود والضحايا والناجين يمكن أن تكون من الأدلة المهمة في قضايا الانتهاكات الجسيمة، خصوصاً عندما تكون الأدلة المادية محدودة أو تعرضت للتلف، إلا أن قيمة الشهادة لا تقاس بوجودها فقط، وإنما باتساقها وتفاصيلها ومدى انسجامها مع الأدلة والقرائن الأخرى. وقد تكون شهادة واحدة ذات قيمة كبيرة أمام المحكمة، لكن قوتها تزداد عندما تدعمها أدلة مستقلة أو شهادات متقاطعة.

وتلفت النعسان إلى أن تلف الوثائق أو غياب السجلات الرسمية لا يعني بالضرورة استحالة إثبات الجرائم، مشيرة إلى إمكانية الاعتماد على شهادات الضحايا والناجين، والأدلة الرقمية، وتقارير الطب الشرعي، والصور والتسجيلات، وصور الأقمار الصناعية، وغيرها من الأدلة التي يمكن أن تساعد في إعادة بناء الوقائع.

تضرب النعسان مثالًا على ذلك قائلة: “في قضية وسيم الأسد، إذ لم يكن الشاهد السري مجرد شاهد عادي، بل خضع لاجراءات حماية الشهود وأخفيت هويته حتى توقفت التغطية المباشرة، حفاظاً على سلامته، وقد منحت شهادته القضية ثقلاً قانونياً كبيراً، وهو ماعزز فكرة أن المساءلة يجب أن تقوم على الأدلة والقانون لا على المكانة السياسية والنفوذ”.

لكن من المهم التأكيد على أن هذه الشهادة رغم أهميتها ليست وحدها أساس الإدانة، وإنما تقيم ضمن منظومة متكاملة من الأدلة والقرائن وفق الأصول القانونية، فالقاعدة الأساسية قد تشكل الاتهامات مؤشراً يستدعي فتح تحقيق مهني ومحايد لكنها لا يمكن أن تكون دليلاً كافياً لإدانة شخص أو اتخاذ إجراءات عقابية بحقه.

وهنا تظهر واحدة من أكثر القضايا حساسية في المرحلة الحالية، وهي اتساع استخدام كلمة “شبيح” في الخطاب الشعبي لتصبح في بعض الحالات وصفاً جامعاً لأشخاص مختلفين في أدوارهم ومسؤولياتهم.

وتوضح النعسان أن هذا الوصف الاجتماعي لا يمثل بالضرورة توصيفاً قانونياً. فالمسؤولية الجنائية، وفق القواعد القانونية العامة، ترتبط بفعل محدد ومسؤولية فردية يمكن إثباتها بالأدلة، وليس بالانتماء العائلي أو المناطقي أو الوظيفي.

تقول النعسان إن الاتهام الشخصي يفترض نسب فعل مجرّم إلى شخص محدد، مع وجود ما يمكن أن يثبت ارتكابه للجريمة أو مشاركته فيها أو أمره بها أو تسهيل وقوعها، بينما يقوم الاتهام العام على تعميم المسؤولية على مجموعة من الأشخاص بسبب انتمائهم أو عملهم أو بيئتهم من دون إثبات دور فردي محدد.

وبذلك، فإن وصف شخص بأنه “شبيح” قد يعكس موقفاً اجتماعياً أو اتهاماً متداولاً، لكنه لا يمكن أن يحل محل التحقيق القضائي. وتؤكد النعسان أن تقديم شكوى أو توجيه اتهام لا يعني ثبوت الجريمة، وأن تحديد المسؤولية يبقى من اختصاص الجهات القضائية بعد التحقق من الوقائع والأدلة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل وجود أشخاص قد يكونون متهمين بانتهاكات فعلية، وفي الوقت نفسه احتمال اتساع دائرة الاتهام لتشمل أشخاصاً لمجرد عملهم في مؤسسات الدولة السابقة أو انتمائهم إلى عائلات أو مناطق معينة. وبين الحالتين، يصبح التحدي هو الوصول إلى المسؤول الفردي عن الفعل من دون حماية المذنب، ومن دون معاقبة من لم تثبت مسؤوليته.

ولا تتعلق المشكلة بالأدلة وحدها. فمرور سنوات طويلة على الانتهاكات يعني أن بعض الوثائق قد تكون فُقدت أو تعرضت للتلف، كما قد يكون الشهود قد تشتتوا، أو غادر بعض المشتبه بهم البلاد. وفي المقابل، فإن التأخر في فتح التحقيقات يمكن أن يزيد صعوبة الوصول إلى الحقيقة.

وتشير النعسان إلى مجموعة من التحديات القانونية التي تواجه قضايا الانتهاكات، من بينها ضياع الأدلة وتلفها، وتشتت الشهود، وضعف الثقة بين مكونات المجتمع، وتداخل مفهومي العدالة والثأر، إضافة إلى الضغوط السياسية والمجتمعية التي يمكن أن تؤثر في مسار التحقيق والمساءلة. وتدعو النعسان إلى تحقيقات مستقلة ومحايدة، وحماية الشهود والضحايا، وضمان محاكمات عادلة تقوم على الأدلة، معتبرة أن ترسيخ استقلال القضاء وثقافة القانون يمثلان شرطاً أساسياً لمنع تحول المساءلة إلى انتقام.

هذا الخطر لا يرتبط بالقانون وحده، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية التي خلفتها سنوات الحرب. يقول أستاذ علم الاجتماع عماد برق لفوكس حلب إن المجتمعات تتجه للمحاسبة الشخصية بدون الرجوع إلى القانون لأسباب عديدة مثل بطء إجراءات التقاضي الذي يشعر الفرد أن المؤسسة عاجزة عن حمايته أو إعادة حقه لينتقل العقد الاجتماعي من الدولة إلى العائلة أو العشيرة كوسيلة للحماية، خاصة أن المحاكم الرسمية تتطلب وقتاً.

لكن هذه السرعة تحمل، وفق برق، أثماناً اجتماعية كبيرة. فسنوات الحرب والعنف يمكن أن تترك آثاراً طويلة الأمد على سلوك الأفراد وعلاقاتهم، من بينها التطبيع مع العنف، وتراجع الثقة بين أفراد المجتمع، وتآكل رأس المال الاجتماعي، وتراجع قدرة المؤسسات على لعب دورها في حل النزاعات.

ويحذر من أن تحول المحاسبة الذاتية إلى ممارسة معتادة قد يفتح الباب أمام تصفية حسابات قديمة أو خصومات شخصية تحت غطاء الاتهامات السياسية، بما يؤدي إلى دائرة من الانتقام والانتقام المضاد، ويقوض مفهوم الدولة وسيادة القانون وإعاقة مسار العدالة الانتقالية.

وتظهر مؤشرات على هذا النوع من المخاطر في استخدام تعبير “تزحلق بقشرة موز” في بعض النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي، بوصفه تعبيراً ساخراً أو موارباً عن عمليات قتل تستهدف أشخاصاً يُتهمون بالارتباط بالنظام السابق. وقد شهدت حلب، بحسب المعلومات المتداولة، حالات قتل نفذها مجهولون، كما شهدت كفر تخاريم في إدلب مقتل رجل خلال احتجاجات وسط اتهامات بارتباطه بالنظام السابق.

إلا أن نسبة هذه الحوادث إلى “المحاسبة الشعبية” أو تحديد دوافع منفذيها يحتاج في كل حالة إلى تحقيقات وأدلة مستقلة، خصوصاً أن هوية المنفذين ودوافعهم قد لا تكون معلومة، وأن الاتهامات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لا تمثل حكماً قضائياً.

يقول برق إن العدالة لا تقتصر على معاقبة الجاني، بل ترتبط أيضاً بإنصاف الضحايا والاعتراف بمعاناتهم. فوجود منظومة قانونية موثوقة، بحسب تحليله، يمكن أن يمنح الضحايا وعائلاتهم اعترافاً رسمياً بما تعرضوا له، ويعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. ولا تتوقف العدالة الانتقالية عند المحاسبة الجنائية، وإنما تشمل أيضاً كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وحفظ الذاكرة وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

بدورها أكدت وزارة الداخلية من خلال تصريحات نقلتها وكالة الأنباء السورية سانا، أنها تتابع التوترات على خلفية المطالبات الشعبية بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت بحق السوريين، وشددت على أن المحاسبة تتم عبر مؤسسات الدولة و على أنها لن تتهاون بحق من ثبت تورطهم بسفك الدماء.

“ولا يعتمد الوصول للحقيقة في مسار العدالة الانتقالية على نوع واحد من الأدلة، لكنه يشمل الشهادات والوثائق والأدلة الرقمية والمواد والمصادر المفتوحة”، بحسب الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، التي تشير إلى وجود صعوبات مرتبطة بفقدان بعض السجلات والوثائق ومرور الزمن وتشتت الأدلة وخروج بعض المشتبه بهم من البلاد.

وبحسب المكتب الإعلامي للهيئة، تتركز الأولويات الحالية على بناء الإطار المؤسسي والقانوني للعدالة الانتقالية، ومتابعة مسارات كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي وحفظ الذاكرة الوطنية، إلى جانب تطوير القدرات الفنية للهيئة.

وفي ما يتعلق بالبلاغات المقدمة ضد أشخاص متهمين بانتهاكات، تؤكد الهيئة أنها تستقبل المعلومات والشكاوى عبر القنوات الرسمية، مشددة على أن مجرد تقديم شكوى أو معلومة لا يعني ثبوت المسؤولية. وتوضح أن التحقق من المعلومات وجمع الأدلة يمثلان مرحلة أساسية قبل اتخاذ أي إجراء قانوني، بما يضمن حقوق الضحايا وفي الوقت نفسه حقوق المتهمين والمحاكمة العادلة.

وهذه النقطة تحديداً تمثل جوهر المعضلة التي تواجه المرحلة الانتقالية: فالضحايا يريدون العدالة، وبعضهم يرى أن مرور الوقت يهدد فرص الوصول إلى الأدلة والمحاسبة، وفي المقابل، فإن الاستجابة للغضب عبر العقاب خارج القضاء يمكن أن تنتج ضحايا جدد وتفتح الباب أمام أخطاء لا يمكن تداركها.

كما أن سرعة العدالة ليست بالضرورة مرادفاً للعدالة، فمحاكمة شخص من دون أدلة كافية قد تظلم بريئاً، بينما التأخر غير المبرر في التحقيق قد يمنح مسؤولاً فعلياً عن الانتهاكات فرصة لإخفاء الأدلة أو مغادرة البلاد. وبين هذين الخطرين، يصبح بناء مؤسسات قادرة على التحقيق المستقل وجمع الأدلة وحماية الشهود وإصدار أحكام عادلة أكثر إلحاحاً.

لا تبدو المعركة اليوم مرتبطة فقط بالسؤال عن عدد الأشخاص الذين ستتم محاسبتهم، وإنما أيضاً بكيفية حدوث هذه المحاسبة. فالمجتمع الذي عاش سنوات طويلة من العنف يحتاج إلى مساءلة حقيقية، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى ضمان ألا تتحول العدالة إلى امتداد للعنف بوسائل أخرى.

ويبقى اختبار العدالة الانتقالية في قدرتها على سد هذه الفجوة، بأن تصل إلى المسؤولين عن الانتهاكات بناءً على أفعال وأدلة، وأن تمنح الضحايا اعترافاً وإنصافاً، وأن تمنع في الوقت نفسه تحول الاتهام الشعبي إلى حكم، والغضب المشروع إلى انتقام، قبل أن تصبح الفجوة بين الناس والقانون أوسع من قدرة المؤسسات على ردمها.