صنبور صدئ في زاوية مهملة جفّ ما حوله من حجارة كستها الغبار، يقف شاهداً على انقطاع طال أمده لـ”مياه الشركة” في منزل أم سامي ضمن قرية الشيخ طباش بمدينة منبج، في الجهة الشرقية لمدينة حلب.
“لم تعد مياه الشركة جزءاً من حساباتنا اليومية منذ أكثر من أربعة عشر عاماً”، تخبرنا أم سامي وهي تشير إلى نهر الفرات القريب من قريتها والذي يغذّي بمياهه ومحطّاته ملايين السكان في المحافظة.
تغذّي مياه الشركة منازل في قرية الشيخ طباش بشكل دوري، وتتجاهل نحو مائة منزل في القرية يعتمدون على شراء المياه من الصهاريج أو حفر آبار خاصة بتكلفة مرتفعة لعائلات تعيش ظروفاً اقتصادية قاسية.
مشهد المياه المقطوعة مألوف لدى عائلات سورية كثيرة في مختلف المحافظات السورية، لكنه يأخذ بعداً مختلفاً في منبج، إذ تقع المدينة على الضفة الغربية لنهر الفرات وتشكل إحدى أهم حلقات منظومة مياه الشرب في شمال سوريا، إذ تتبع لها إداريًّا محطة البابيري ومحطات المعالجة في الخفسة، وهما من أبرز المنشآت المسؤولة عن سحب مياه الفرات ومعالجتها قبل ضخها إلى مدينة حلب وريفها.
يزيد سكّان منبج عن ستمائة ألف نسمة، وتمتدّ مساحتها على نحو خمسة آلاف كيلو متر مربع تضم عشرات من البلدات والقرى، إضافة لأكبر محطات ضخ المياه في سوريا، إذ تتولى محطة البابيري ضخ المياه الخام من الفرات بقدرة تصل إلى 92 مترًا مكعبًا في الثانية، فيما تستقبل محطات معالجة المياه في الخفسة نحو 7.5 أمتار مكعبة في الثانية. وهناك تخضع تلك المياه لعمليات الترسيب والتنقية والتعقيم قبل دخولها إلى شبكات مياه الشرب وضخها إلى مدينة حلب وريفها.
وفرة المياه في منبج لا تنعكس على سكّان في المدينة، ففي الوقت الذي تواصل فيه المياه رحلتها نحو حلب، ينتظر كثير من أهالي منبج أيامًا لوصولها إلى منازلهم، بينما تشكو أحياء وقرى كاملة من ضعف الضخ أو غياب الخدمة بشكل كامل بسبب تهالك الشبكات أو غيابها.
بين هاتفها المحمول وصنبور المياه، تتنقل أم راتب المقيمة في حي طريق حلب بمدينة منبج، تراقب الاثنين بقلق متكرر، تتفقد قناة “مواعيد مياه منبج” على تطبيق واتس آب بحثاً عن رسالة تعلن وصول الدور إلى حيها اليوم، ثم تفتح إلى الصنبور وتفتحه آملة أن تتدفق منه المياه بعد أيام من الانتظار.
مع اقتراب نفاد ما تبقى من مياه في خزانها، تحاول أم راتب التفكير في حل لتوفير احتياجات عائلتها من المياه دون أن تضطر لشراء صهريج جديد مع اقتراب موعد الضخ، تقول إنها وعائلات أخرى أمام خيارين في كل مرّة يتأخر فيه موعد الضخ، الانتظار أو شراء المياه بتكلفة إضافية خاصة خلال فصل الصيف والمواسم التي ترتفع فيها المصاريف الأسرية.
ولا تختلف شكاوى أم راتب كثيرًا عن عشرات العائلات الأخرى في المدينة. فبحسب شهادات السكان، تصل المياه إلى بعض الأحياء مرة كل أربعة أو خمسة أيام، بينما تنتظر أحياء أخرى أسبوعًا أو أكثر للحصول على حصتها من المياه.
ومع تأخر وصول المياه تضطر كثير من العائلات إلى شراء المياه من الصهاريج أو استخدام مياه الآبار لتغطية احتياجاتهم اليومية، يقول سكان لفوكس حلب إن تكلفة تعبئة خزان المياه الواحد تتراوح بين 40 و 60 ألف ليرة سورية وهو ما يشكل عبئًا إضافيًّا على العائلات. كما يعتمد بعض الأهالي على مياه الآبار التي يصفونها بأنها “غير صالحة للشرب وتسبب أمراضًا، وأحيانًا تكون ذات ملوحة مرتفعة”، ما يدفعهم لاستخدامها لأغراض محددة في ظل عدم انتظام وصول مياه الشبكة.
لا تتوقف المشكلة عند عدم انتظام وصول المياه، بل تمتد إلى ضعف الضخ أيضًا. تقول إحدى السيدات من سكان المدينة إن وصول المياه إلى الشبكة لا يعني بالضرورة وصولها إلى الخزانات المنزلية، إذ يتزامن الضخ في أحيان كثيرة مع انقطاع الكهرباء أو يكون الضغط ضعيفًا إلى درجة لا تسمح بتشغيل مضخات الرفع (الدينمو). وتضيف أن العائلات تضطر أحيانًا للسهر ليلًا بانتظار الكهرباء في موعد ضخ المياه، كي تتمكن من تعبئة جزء من احتياجاتها اليومية.
أما هيثم العلي، المقيم في حي الحزاونة، فيرى أن وضع المياه شهد تحسنًا نسبيًّا خلال الفترة الأخيرة، إذ بات الضخ يصل كل ثلاثة أيام تقريبًا، لكنه يؤكد أن هذا التحسن لا يشمل جميع الأحياء. ويشير إلى أن استخدام قسم من السكان لمضخات قوية على الشبكة يؤدي إلى سحب كميات أكبر من المياه على حساب المنازل الأخرى، ما يفاقم مشكلة التوزيع. يقول إن شكاوى مشابهة تتكرر في أكثر من حي.
في حي السرب على طريق جرابلس، يستخدم سكان مضخات لسحب المياه من بدايات الخطوط، فيما تبقى المنازل الواقعة في المناطق المرتفعة محرومة بسبب ضعف الضخ، بحسب عائشة الجاسم التي أكّدت أن منازل في الحي لم تصلها المياه منذ سنوات، وأن الأزمة تتفاقم خلال فصل الصيف، حين ينخفض منسوب المياه أكثر، ما يدفع السكان إلى الاعتماد بشكل متزايد على الآبار والصهاريج لتأمين احتياجاتهم اليومية.
يقول عبدو المحمود، أحد أهالي حي طريق الجزيرة، إن المياه لم تصل إلى منزله منذ نحو خمس سنوات، رغم تمكن جيرانه من تعبئة خزاناتهم بشكل طبيعي. ويرى أن المشكلة لا تبدو مرتبطة بانقطاع شامل بل بطريقة توزيع المياه داخل الشبكة، إذ تصل المياه بغزارة إلى بعض المنازل، بينما تبقى منازل أخرى محرومة بالكامل.
ولا تقتصر شكاوى السكان على ضعف الضخ، بل تشمل أيضًا تسرب المياه في بعض الأحياء. يشير سكان في حي الكجلي إلى وجود تسرب مستمر في أحد الشوارع القريبة من مدرسة داخل الحي، مؤكدين أن كميات كبيرة من المياه تهدر يوميًّا في وقت تشكو فيه مناطق أخرى من نقص حاد في المياه. وبحسب أهالي الحي فإن مطالبات متكررة قُدمت إلى مؤسسة المياه والجهات المحلية لتوسيع الشبكة ومعالجة المشكلة، إلا أن الأزمة ما تزال مستمرة.
وفي تصريح لفوكس حلب أكّد مدير مؤسسة المياه في مدينة منبج، المهندس عماد الحجي، أن أزمة المياه تعود إلى قِدم مشروع الحبوبة المائي الذي تعتمد عليه المدينة وريفها منذ عام 1984م، موضحًا أن المشروع لم يعد قادرًا على تلبية الاحتياجات الحالية في ظل التوسع العمراني والزيادة السكانية التي شهدتها منبج خلال العقود الماضية، في حين لم يُنفذ أي مشروع رديف أو توسعة رئيسية للشبكة منذ عام 2006.
وأوضح أن ضعف الخط الوارد أو الذي يغذي المدينة يفرض على المؤسسة تطبيق نظام تقنين لتوزيع المياه بين المدينة والريف، مشيرًا إلى أن المياه تُوزع على الأحياء وفق الكثافة السكانية وحجم كل قطاع، فيتم تزويد أحياء المدينة بالمياه لمدة ثلاثة أيام، مقابل تخصيص اليوم الرابع لتغذية مناطق الريف.
وعن تهالك شبكات المياه وكثرة التسريبات المائية فيها أوضح الحجي: “التوسع العمراني خلال السنوات الماضية دفع بعض الأهالي إلى إنشاء خطوط مياه عشوائية في الأحياء والشوارع الجديدة، الأمر الذي تسبب بضعف وصول المياه إلى بعض المناطق وزيادة الهدر، نظرًا لكون هذه الخطوط غير مخصصة لمياه الشرب ولا تتحمل ضغوط الضخ، ما يؤدي إلى تعرضها للكسر بشكل متكرر وتسرب كميات من المياه”.
وفيما يخص الحلول المطروحة أشار الحجي إلى وجود مشاريع يجري تنفيذها بدعم من منظمات دولية لتجديد أجزاء من الشبكة واستبدال الخطوط العشوائية، إضافة إلى مشروع جديد تعمل عليه اليونيسيف لتأهيل محطة الحبوبة واستبدال مضخاتها بمضخات ذات غزارة أكبر، وتأهيل صالة المضخات المغذية للمدينة وتجهيز محطة تل أسود المسؤولة عن ضخ المياه الواردة من المحطات لمدينة منبج.
ورغم هذه الإجراءات، يرى الحجي أن الحلول الحالية تبقى إسعافية ولا تغني عن الحاجة إلى مشروع مائي جديد يلبي احتياجات المدينة المتزايدة، لافتًا إلى أن حصة منبج لا تتجاوز 5 بالمئة من إجمالي المياه التي تضخ عبر المنظومة المائية في المنطقة.
في منبج لا تبدو المشكلة في وفرة المياه لكن في عجزها عن الوصول، لتستمر المفارقة التي يرددها سكان في المدينة منذ سنوات: منبج تروي الملايين، لكن قسماً من أبنائها ما يزالون ينتظرون وصول المياه إلى منازلهم.
