قبل أشهر كان محمد الشايب يتنقل بين غرف منزله المدمر في كفرنبل، واضعاً خطة لترميمه على مراحل أملاً بالعودة إليه بعد سنوات من النزوح. اليوم، توقفت أعمال الترميم بالكامل، وعاد الشاب البالغ من العمر 25 عاماً إلى نقطة البداية، بعدما تجاوزت التكاليف قدرته المادية، ليصبح المخيم بالنسبة إليه خياراً أقل تكلفة من منزل ينتظر إعادة الحياة إليه.
حجم الدمار في منزل عائلته كبير مثل معظم منازل المنطقة، فهو يحتاج إلى إعادة بناء السقف وإكساء داخلي بما فيه من تمديدات كهربائية وصحية إضافة إلى الدهان والبلاط والسيراميك. كان محمد قد قدر تكلفة ترميم منزله قبل أشهر بـ 3 آلاف دولار، إلا أنها ارتفعت اليوم إلى 4500 دولار، بعد قرارات رفع أسعار المحروقات وتعديل أسعار الضريبة الجمركية على المواد المستوردة.
ارتفعت تكلفة ترميم وبناء المنازل بنسبة قاربت الربع بعد تنفيذ قرار رفع أسعار المحروقات، الذي أعلنته الشركة السورية للبترول، وتراوحت نسبة ارتفاع أسعارها بين 17 بالمئة و 29 بالمئة حسب نوع المادة، نسبٌ بررتها الشركة بأنها إجراءات تضمن استدامة الخدمة واستمرار التوريد.
هذه الزيادة أثرت مباشرة على أسعار المواد الخام للبناء والمواد المستوردة وتكلفة النقل وأجور الشحن وتشغيل الآليات كونها تعتمد بشكل أساسي على المحروقات. إذ لم يقتصر ارتفاع التكاليف على أسعار مواد البناء فحسب، بل رافقها ارتفاع أجور نقلها وأجور العمال الذين يأتون من القرى والمناطق المجاورة. يوضح محمد ذلك بقوله “اضطر العمال الذين يعتمدون على الدراجات النارية أو السيارات إلى رفع أجورهم لمواجهة ارتفاع تكاليف الوقود “.
منزل محمد واحد من مئات آلاف المنازل المدمرة في سوريا، إذ تضررت نحو ثلث وحدات الإسكان خلال سنوات الحرب، وبقي نحو 5.7 مليون شخص بحاجة إلى دعم المأوى، وفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، مشيراً إلى أن معدل الفقر ارتفع أيضاً، ليشمل تسعة من كل عشرة أشخاص في سوريا، إضافة إلى ارتفاع معدل البطالة إلى واحد من كل أربعة أشخاص.

يتنهد محمد ثم يكمل بنبرة يملؤها الإحباط “أصبح ترميم منزلي المدمر حلماً، والبقاء في المخيم خياري الوحيد”. يضيف أن هذه التكاليف دفعت كثيراً من أهالي مدينته إلى إيقاف أعمال الترميم والتخلي مؤقتاً عن فكرة العودة من المخيمات.
وتضاعف أثر ارتفاع أسعار المحروقات بعد صدور المرسوم رقم 110 الخاص بجدول التعريفة الجمركية في 18 أيار، وأسهمت القرارات بزيادة أسعار مواد البناء الأساسية مثل الحديد والإسمنت ومواد البلاستيك المستخدمة في صناعة الأبواب والنوافذ، والتي تعرف محلياً باسم PVC.
بعد صدور المرسوم تضاعفت الأسعار مباشرةً، رغم أن نص القرار يؤكد أن تنفيذه سيكون بداية شهر حزيران، وسجل سعر طن الإسمنت المستورد 130 دولاراً، عوضاً عن 103دولارات، وزاد سعر طن الحديد المستورد نحو 60 دولاراً عن سعره السابق ليصبح 670 دولاراً، بينما سجل سعر طن الحديد المحلي 600 دولار عوضاً عن 530 دولاراً، وارتفع سعر طن مادة البلاستيك PVC من 1200 دولار إلى 1600 دولار.
مكتب العلاقات العامة في هيئة المنافذ والجمارك وصف الزيادة بأنها إعادة تنظيم وتحديث النظام الجمركي السوري ليوافق ترميز منظمة الجمارك العالمية، مؤكداً أن حوالي 75 بالمئة من المواد المدرجة في الجداول الجمركية لم يطرأ عليها أي تعديل أو زيادة سعرية، وأن الزيادات استهدفت سلعاً منتقاة بعناية، حسب وصفهم، لحماية الإنتاج المحلي.
يرى سامر النقيب، وهو باحث اقتصادي، أن هذه القرارات تسببت بشلل شبه تام في قطاع الإنشاءات وعمليات إعادة الإعمار، ورفعت تكلفة مواد البناء والعقارات بشكل غير منطقي، وألغت أي ميزات تنافسية للإنتاج الوطني. يقول النقيب إن المحروقات مادة حيوية تتداخل مع العديد من العوامل المؤثرة في تكاليف الإعمار وأدى رفع سعرها إلى زيادة تكاليف النقل والشحن وانعكس ذلك مباشرة على الأهالي الراغبين بإعادة بناء أو ترميم منازلهم .
وأضاف سامر أن سوريا تعتمد حالياً بشكل كبير على استيراد مواد البناء والمواد الأولية، بما فيها الحديد الخام (البيلت) والمواد التكميلية والإكسسوارات الخاصة بهذا القطاع بالقطع الأجنبي، ما يجعل تكلفة البناء شديدة التأثر بتغيرات سعر الصرف، إذ إن أي تراجع في قيمة الليرة السورية يؤدي إلى ارتفاع التكلفة النهائية لمخرجات قطاع البناء والتشييد بشكل فوري.

ويزيد من الأعباء أيضاً ارتفاع الضرائب على أساسيات البناء ومواده المستوردة، إلى جانب عجز السوق المحلية عن إنتاج تلك المواد نتيجة تدمير البنية التحتية للصناعات وتهالك أدوات الإنتاج وعدم مواكبة التطورات التقنية الحديثة خلال السنوات الماضية، ما أبقى الإنتاج المحلي المحدود لبعض مواد البناء مرتفع التكلفة، في ظل غياب مشاريع حقيقية لإعادة تدوير الأنقاض وإعادة صهر الحديد واستثماره محلياً.
أكثر من عقد على الحرب في سوريا والعقوبات دولية، والأزمات إقليمية والعالمية، أثرت على الناتج المحلي الإجمالي السنوي الذي فقد 54 بالمئة من قيمته الحقيقية بالعملة المحلية، إذ تضاعفت قيمة الدولار الأمريكي مقابل الليرة السورية 300 مرة خلال 14 عاماً وفق برنامج الأمم الإنمائي.
أبو محمد، تاجر مواد بناء من إدلب، يرى أن الأسعار بعد سقوط نظام الأسد حافظت على استقرارها بسبب فتح الاستيراد من الخارج، وتمكنت عوائل كثيرة من ترميم وبناء منازلها بتكاليف مقبولة نوعاً ما. يقول “كان يصلنا طن الإسمنت بسعر 103 دولارات وهو مبلغ جيد يستفيد منه التاجر ومناسب للأهالي ويغطي أجور النقل لأنه يشمل الضريبة”. أما بعد الارتفاع الذي طال المواد بما فيها مادة الإسمنت وانعكس على أسعار الطوب والبلاط والسيراميك فقد توسع الفارق بين الأسعار.
يوضح أبو محمد فرق الأسعار بقوله إنه اشترى قطعة البلوك سابقاً بسعر 3200 ليرة سورية أما اليوم فقد زاد سعرها ألف ليرة سورية، وارتفع سعر متر المربع من الحصى ليصبح كل عشرة أمتار مكعبة بمليون ليرة، ومع اعتماد المقالع على تسعيرة الدولار أصبح سعرها 100 دولار، فضلاً عن زيادات أخرى تتعلق بأجور الشحن والنقل.
ويجري أبو محمد مقارنةً بين تكلفة بناء مساحته 100 متر مربع قبل زيادة أسعار المحروقات والرسوم الجمركية وبعدها، يقول إنها وصلت إلى نحو 20 ألف دولاراً في حال كان الإكساء من النوع الوسط، أي أنها زادت نحو خمسة آلاف دولاراً عن السابق، ويضيف أن تكلفة بناء غرفة واحدة يصل إلى نحو 6 آلاف دولاراً وتختلف التكلفة بحسب جودة الإكساء.
ارتفاع الأسعار أثر أيضاً على العمال وأصحاب ورش الإنشاءات، يخبرنا علاء لقحيني، وهو متعهد بناء يعمل بالمقاولات في مدينة حلب، أن ارتفاع الأسعار انعكس مباشرة على طبيعة العمل داخل الورش، وأصبح من الصعب تشغيل أكثر من مشروع في آن واحد كالسابق، نتيجة تراجع الطلب واختلاف التكاليف التشغيلية.

يقول “ورشات كثيرة باتت تعمل بشكل جزئي أو متقطع وعدد منها اضطر لتقليص عدد العمال لتخفيف التكلفة التشغيلية في ظل ضعف الحركة في السوق”. وتابع “أن عمل معظم المتعهدين اليوم أصبح ضمن هامش المخاطرة، لأنه يصعب حصر التكاليف النهائية للمشاريع، وأي تغيير مفاجئ بالسعر قد يعني خسارة محتملة أو تغيير العقد مع المستفيد”.
تضاعفت أيضاً تكلفة تشغيل آليات الحفر والترحيل مثل التركسات، البواكر وسيارات صب البيتون الجاهز والخلاطات والمضخات، لأنها تعتمد كلياً على المازوت الصناعي الذي زادت تكلفته.
يوضح علاء أن تكلفة ساعة عمل الحفار الكبير “الباكر” تتراوح بين مليون ومئتي ألف ليرة إلى مليون ونصف المليون، وقفزت تكلفة ساعة الحفر إلى مليونين ومئتي ألف ومنها ما يصل إلى مليونين وثمانمئة ألف حسب طبيعة التربة صخرية أم ترابية.
وارتفعت التكلفة التشغيلية لآلة التركس لترحيل الأنقاض من 800 ألف ليرة إلى نحو مليون ونصف المليون للساعة الواحدة، وأجرة النقلة الواحدة في السيارات الكبيرة نوع القلاب المخصصة للأنقاض والردميات والتي وصلت إلى 900 ألف ليرة .
رافق هذه الزيادات ارتفاع في تكاليف صب البيتون “الباطون” الجاهز في الخلاطات والمضخات، يقول علاء إن معامل وشركات البيتون الجاهز رفعت أسعارها بشكل حاد فور صدور القرار نتيجة اعتمادها على الديزل لتشغيل آليات الصب الضخمة.
وارتفعت كذلك تكلفة عمل مضخة البيتون “الجبالة” من ثلاثة مليون ليرة إلى الضعف كحد أدنى، ويضاف عليها نحو 150 ألف ليرة عن كل متر مكعب يتم ضخه. وقفز سعر المتر المكعب من البيتون الجاهز من مليون و800 ألف إلى 3 مليون ليرة، يرجع المتعهد علاء هذه التكاليف إلى غلاء إسمنت المعامل ومحروقات خلاطات النقل الدوارة.
يصف من تحدثنا إليهم هذه الأجور والتكاليف بأنها “باهظة”، وأنها حالت دون قدرتهم على إصلاح منازلهم وترميمها وليس فقط عزوفهم عن بناء منازل جديدة، فتكلفة صب سقف منزل مساحته 100 متر مربع وصل إلى أكثر من نحو 4 آلاف دولاراً.

لم تقتصر تحديات إعادة الإعمار على سكان المناطق الشمالية بل امتدت إلى جميع المحافظات السورية، من مهجرين وعائدين إلى مناطقهم الأصلية والذين صدموا بتكاليف البناء لإعادة تأهيل منازلهم والاستقرار بعد سنوات من الحرب.
عاد مصطفى عرابي إلى بلدته حجيرة في ريف دمشق بعد سنوات من التهجير في مدينة الباب شمالي سوريا، آملاً أن يرمم منزله المتضرر للاستقرار فيه مجدداً، وبدأ منذ عام بإكساء منزله على مراحل بسبب محدودية إمكاناته المادية إلا أن اختلاف أسعار مواد البناء أثرت على قدرته على استكمال الأعمال في منزله.
يوضح عرابي أن الرسوم الجمركية الجديدة انعكست بشكل مباشر على أسعار مواد البناء المستوردة. يقول إن سعر بعض أنواع السيراميك ارتفع بشكل ملحوظ مقارنة بالأشهر السابقة، وزادت أسعار الألمنيوم المستخدم في النوافذ والأبواب بنحو 20 إلى 25 دولاراً للمتر الواحد، ما ضاعف الأعباء على العائلات التي تحاول إعادة تأهيل منازلها بعد سنوات من النزوح والدمار.
يرى مصطفى، أن هذه التكاليف تهدد استقرار كثير من العائدين وتدفعهم لعدم إكمال ترميم منازلهم، إذ يدفع الأهالي فرق الأسعار من جيوبهم دون أي دعم يخفف عنهم التكاليف. يقول مصطفى إن تخفيض الرسوم الجمركية على مستلزمات البناء كان من شأنه أن يساعد مئات آلاف الأسر على ترميم منازلها، مع الحاجة المتزايدة للإعمار وعودة أعداد كبيرة من السكان إلى مناطقهم.
تحول حق العودة وإعادة الإعمار إلى مشروع مؤجل، تحكمه قدرة العائلات على تأمين تكاليف الترميم، إذ يجد أهالٍ أنفسهم مضطرين للعيش في المخيمات مجدداً، مثل محمد الذي يعجز اليوم عن إكمال ترميم منزله ما اضطره للعودة رفقة عائلته إلى مخيم في شمالي إدلب.
