فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

في مدن ألعاب إدلب.. أسئلة عن الفرح والسلامة

أميمة محمد

مع تزايد الإقبال على مدن الملاهي في إدلب هذا الصيف، تتقاطع رغبة العائلات بالترفيه مع تساؤلات متكررة حول إجراءات السلامة والصيانة

مع انتهاء العام الدراسي وارتفاع درجات الحرارة، استعادت مدن الألعاب في إدلب صخبها لتتحول إلى مقصد عائلات تبحث لأطفالها عن مساحة لعب ومرح. أصوات الموسيقا وصراخ الأطفال وضجيج الألعاب والألوان الزاهية تضفي مشهداً من الفرح على المكان، في الوقت ذاته لا تخفف من توتر وقلق الأمهات والآباء وخوفهم من إجراءات السلامة المتبعة.

وسط هذا الازدحام، أسعف الحظ سمية، القادمة رفقة عائلتها من معرة مصرين، بإيجاد مقعد تجلس عليه داخل مدينة ألعاب الأرض السعيدة في إدلب. عينا سمية مشدودة وهي تراقب أطفالها يتنقلون في المكان، ومع كل حركة ارتفاع أو هبوط أو سرعة في الألعاب، تتسارع نبضات قلبها ولا يهدأ توترها قبل أن تتوقف الآلة ويتجه إليها أطفالها للحصول على نقود جديدة للعبة أخرى.

خليط من البهجة والقلق، ما تصف به سمية مشاعرها وهي تلوح بيدها لأطفالها، بينما تبقي يدها الأخرى على قلبها، تقول”لا أستطيع تركهم وحدهم.. أخشى أن يسقط أحدهم أو يحدث خلل يوقف اللعبة فجأة”.

ليست مخاوف سميّة فردية، ولم تنتج من حالة قلق تعيشها السيدة وحدها، إذ يتشارك هذه المخاوف روّاداً وزائرين إلى مدن الملاهي التي تشهد نشاطاً واسعاً خلال أشهر الصيف، وفي الأعياد.

مدينة ألعاب الأرض السعيدة في مدينة إدلب.
مدينة ألعاب الأرض السعيدة في مدينة إدلب.

تخبرنا سميّة أن مخاوفها زادت بعد حوادث شهدتها مدن الملاهي، منها سقوط طفل في العاشرة من عمره من قلّابة هوائية في مدينة أريحا جنوبي إدلب، سبقها حادثة في مدينة ألعاب “الشاطئ الأزرق” في اللاذقية، أسفرت عن عدة إصابات، ما استدعى  إغلاقها من قبل دائرة المهن والشؤون الصحية لعدم حصول المنشأة على التراخيص القانونية اللازمة، إضافة إلى مخالفتها شروط مزاولة المهنة وافتقارها لاشتراطات السلامة العامة والتأمينات الضرورية.

خلال جولة ميدانية في عدد من مدن ملاهي محافظة إدلب، تبدو بعض الملاحظات المرتبطة بوسائل الأمان حاضرة، إذ تُستخدم في بعض الألعاب أحزمة تثبيت محدودة أو تغيب بالكامل في ألعاب سريعة مثل السفينة والقلابة والقطار السريع، ما يدفع بعض الأطفال إلى التمسك بحواف المقاعد أثناء الحركة.

تتنوع الألعاب في مدن ملاهي إدلب، بين المراجيح والسفينة والقلابات وسيارات التصادم والمقص والقطار السريع، وتزورها عائلات من مختلف المحافظات السورية، خاصة من مدينة حلب التي تفتقر لمثل هذه الألعاب.

خلف نافذة غرفة خشبية صغيرة عند مدخل مدينة الملاهي، يقف الثلاثيني ناصر شقيفي، يبيع أقراصًا بلاستيكية تشبه الأزرار تُستخدم للسماح للزبائن بالدخول إلى الألعاب. يصف بداية الموسم قائلًا إن “الإقبال يزداد بشكل واضح مع اقتراب الصيف، خصوصًا في ساعات المساء”، بينما تتدفق العائلات إلى الداخل حيث تتوزع الألعاب وتعلو أصواتها في أجواء صاخبة تعكس ذروة النشاط الموسمي.

مدينة ألعاب الأرض السعيدة في مدينة إدلب.
مدينة ألعاب الأرض السعيدة في مدينة إدلب.

بمحاذاة كل لعبة، يقف عامل ينظم حركة الأطفال والركاب، يجمع الأقراص المعدنية التي اشتروها عند المدخل، ويساعد الصغار على الصعود إلى المقاعد قبل تشغيل اللعبة لدقائق محددة تنتهي مع انتهاء الجولة. وفيما تحتاج الألعاب الكبيرة مثل السفينة والقلابة إلى بطاقتين أو قرصين معدنيين، تكتفي الألعاب الأخف برسوم أقل، إذ يدفع الأطفال ما يعادل (ربع دولار تقريبًا) لركوب الأراجيح الدوارة الصغيرة.

رفقة حفيديها ترتاد الجدّة أم حسام، القادمة من حلب، مدينة ألعاب في إدلب تجد فيها مساحة ترفيهية متنوعة الألعاب بتكلفة أقلّ، تقول وهي تنقد حفيديها آلاف من الليرات السورية القديمة إن  تكاليف المطاعم ومدن الملاهي “أقل بكثير مما هي عليه في حلب، وأحيانًا تصل لنصف السعر تقريبًا”، لكن هاجس الخوف لا يتركها مع كل لعبة.

وتعتمد معظم الدول على معايير صارمة خاصة تتعلق بالأمان والسلامة في مدن الملاهي،  أبرزها معايير ASTM الأمريكية والمعيار الأوروبي EN 13814، والتي تنظم عمليات تصميم الألعاب وتشغيلها وصيانتها والتفتيش الفني عليها، إضافة إلى تدريب العاملين وأنظمة الأمان الواجب توفرها.

وبحسب هذه المعايير، تحتاج الألعاب إلى صيانة دورية تجنّباً لحدوث الأعطال، وما تتركه العوامل الجوية من أثر على أدائها، وتشمل هذه الصيانة التأكد من سلامة البراغي والوصلات، وفحص المكابح وأنظمة التوقف، والتأكد من الأحزمة والحواجز الواقية، إلى جانب مراقبة أي أصوات أو اهتزازات غير طبيعية قد تشير إلى وجود خلل فني.

كما تتضمن الصيانة الدورية تشحيم المحركات والمحاور، واستبدال القطع التالفة، وفحص الهياكل المعدنية للكشف عن الصدأ أو التشققات، إضافة إلى التأكد من سلامة الأنظمة الكهربائية والتوصيلات المستخدمة في تشغيل الألعاب.

يؤكد أصحاب مدن ملاهٍ في مدينة إدلب التزامهم بالصيانة الدورية، ويشير أبو أيمن، صاحب مدينة الأرض السعيدة، إلى أن الألعاب تخضع لفحوصات شهرية من قبل مهندسين مختصين في الميكانيك والكهرباء، بهدف تقليل الأعطال وضمان الجاهزية خلال الموسم.

ويشدد عبدالوهاب كوريني، رئيس الدائرة الصحية في مجلس مدينة إدلب، على أن منح تراخيص مدن الملاهي يرتبط بشروط فنية وإدارية قبل التشغيل، تهدف إلى “الحفاظ على أرواح المواطنين ومرتادي مدن الملاهي”، من بينها إعداد “خطة إخلاء متكاملة ومعتمدة” لمواجهة الطوارئ، وتأمين مخارج طوارئ واضحة، وتوفير وسائل الإطفاء والإنذار المبكر وفق المعايير المعتمدة.

مدينة ألعاب الأرض السعيدة في مدينة إدلب.
مدينة ألعاب الأرض السعيدة في مدينة إدلب.

وتطالب الدائرة المشغلين  بـ “تقديم سجل يومي للفحوصات الدورية للألعاب يوثق حالتها الفنية”، إضافة إلى “تقرير فني شامل للسلامة الميكانيكية والكهربائية “مصدق أصولًا من نقابة المهندسين”، مع مخطط هندسي يوضح توزيع الألعاب والمسافات بينها لضمان السلامة وسهولة الحركة والإخلاء”.

ولا تتوقف الرقابة عند منح الترخيص بل تستمر عبر تقارير دورية، مع إيقاف فوري لأي منشأة في حال وقوع حادث إلى حين استكمال التحقيقات وتحديد الأسباب، بحسب كوريني.

وبينما ترتفع وتيرة الإقبال مع اقتراب العيد، يخبرنا مجلس مدينة إدلب  أن آليات الرقابة ما تزال في طور التأسيس، مع كون الدائرة الصحية المختصة حديثة العمل، ما يترك مساحة مستمرة للتطوير في إجراءات  المتابعة. 

في مدن الملاهي لا تدور الألعاب وحدها، بل تدور معها أسئلة عن السلامة والأمان في أذهان عائلات تعيش بين الرغبة في إسعاد أطفالها والقلق من إجراءات السلامة والأمان.