أمام محل لبيع المواد الغذائية في بلدة سرمدا شمالي إدلب، تتدلى لافتة مكتوبة بخط عريض تحدد أسعار السلع بأربع عملات مختلفة، وهي الليرة السورية القديمة، الليرة السورية الجديدة، الليرة التركية، والدولار الأمريكي. هذا المشهد الذي لم يكن مألوفًا أصبح جزءًا من يوميات السوق في الشمال السوري بعد إلزام المحال التجارية بتسعير المواد بالليرة السورية الجديدة.
لكن أبا عمر، صاحب المحل، اجتهد مثله مثل كثير من بائعي المنطقة لتسعير السلع بالعملات المتداولة هناك. يقف أبو عمر خلف ميزانه، يشير إلى اللافتة ويقول: “وضعت الأسعار بهذا الشكل حتى أتخلص من الأسئلة التي لا تنتهي، كل زبون يسأل عن السعر بالعملة التي يملكها، وهذا يأخذ وقتًا ويخلق مشاكل”. يضيف بابتسامة متعبة: “قرفنا البيع ..الناس تظن أننا المستفيدون، لكن الحقيقة أننا أيضًا نخسر بسبب تغير سعر صرف العملات كل ساعة تقريبًا”.
لم يعد التعامل النقدي في الشمال السوري سهلاً كما كان، بل أصبح معقدًا ومربكًا بحسب سكان وبائعين التقيناهم، فأصحاب المحال يحرصون على توافر فئات مختلفة من العملات الأربع لإرجاع باقي المبلغ للزبائن من العملة نفسها التي اشتروا بها. ولأن العملة السورية الجديدة أقل تداولًا من الليرة التركية وأقل توافرًا، فكثيرًا ما يضطر التاجر لإرجاع المتبقي بالعملة القديمة أو بالليرة التركية، ما يسبب إرباكًا أكبر في عملية البيع والشراء.
انتشار أربع عملات في المنطقة لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكمات اقتصادية وسياسية بدأت منذ سنوات مع تدهور قيمة الليرة السورية بشكل متسارع، ما أفقد المواطنين الثقة بها، ودفعهم للبحث عن بدائل أكثر استقرارًا.
فكان الخيار حينها، وفق رؤية حكومة الإنقاذ في المنطقة، هو الليرة التركية التي دخلت بشكل رسمي مطلع عام 2020، كحل نقدي بديل عن الليرة السورية التي شهدت انهيارًا متسارعًا، ولضبط الأسعار والحد من التضخم. ليتم اعتمادها تدريجيًّا في الأسواق، وتبدأ المؤسسات المحلية باستخدامها في دفع الرواتب وتسعير السلع والخدمات.
لم تختفِ الليرة السورية حينها عن المشهد بشكل كامل، بل بقيت متداولة بشكل محدود جدًّا، مقتصرة على رواتب بعض الموظفين لا سيما المتقاعدين منهم الذين لم تنقطع رواتبهم من مؤسسات نظام الأسد.
اليوم، بعد ست سنوات، وعقب التحرير بعام ونصف العام، بدأت تظهر مشكلة التداول النقدي بين الأهالي بشكل واضح مع توافر الليرة السورية بنسختيها القديمة والجديدة واستمرار تداول الليرة التركية، واعتماد الدولار كمرجع للتصريف والتسعير في ظل تقلبات تسعير باقي العملات مقابل الدولار، ليشكل تعدد تلك العملات مشكلة جديدة للأهالي في الشمال السوري.
ومع إلزام المؤسسات باعتماد الليرة السورية في تعاملات البيع والشراء مثل محطات الوقود والأفران وسيارات نقل الركاب العامة، وغيرها من المحال، يفقد الأهالي جزءًا من قيمة تلك الرواتب نتيجة فروق التصريف، إذ لا تفارق الآلة الحاسبة يد البائع أو التاجر الذي يعمد إلى تحويل المبلغ إلى الدولار ثم تصريفه إلى العملة المطلوبة.
في مخيم الهدى القريب من بلدة كفرلوسين الحدودية مع تركيا، تروي أم محمد، وهي موظفة في إحدى المؤسسات المحلية، ما تواجهه يوميًّا مع تعدد العملات، تقول: “أتقاضى راتبي بالليرة السورية، لكن معظم البائعين في السوق مازالوا يتعاملون بالليرة التركية، وعندما أتوجه لتصريف جزء من الراتب إلى الليرة التركية، يحوّل الصراف المبلغ إلى دولار أولًا، فأخسر في عملية التحويل الأولى، ثم يحول المبلغ من دولار إلى تركي فأخسر مرة ثانية فرق التصريف”.
تتنهد قبل أن تكمل: “في كل مرة أخسر جزءًا من راتبي بسبب فرق التصريف، وكل شيء يزداد غلاءً، وأحيانًا أضطر لإعادة تصريف المبلغ لليرة السورية مرة أخرى”. هذه القصة هي نموذج متكرر لمئات العائلات التي تجد نفسها عالقة بين أربع عملات، دون أي نظام واضح يحميها من الخسائر.
في ظل هذا الواقع، لجأ أصحاب بعض المحال إلى اعتماد عملة واحدة فقط، غالبًا الليرة التركية، لتبسيط التعاملات وتجنب الخسائر الناتجة عن تغير سعر الصرف، خاصةً أنها مازالت العملة الأكثر تداولًا في المنطقة.
في المقابل، استغل آخرون تعدد العملات لتحقيق أرباح إضافية، عبر تحديد أسعار صرف خاصة بهم، غالبًا ما تكون أعلى من السوق، ما يؤدي إلى تحميل الزبائن فروق التصريف وخسائر إضافية، خاصة لكبار السن والأطفال الذين يصعب عليهم فهم فروق العملات وتقلب سعر التصريف، ما يجعلهم عرضة للاستغلال أو الوقوع في أخطاء حسابية.
يقول الحاج السبعيني، عمر حميدو، في مداخلة طريفة: “زمان كنا نحسب الليرة ونرتاح، اليوم لازم نكون خريجي اقتصاد حتى نقدر نشتري كيس خبز!”. الأطفال أيضًا لم يسلموا من تأثير هذه الفوضى، يقول محمد صويلح، وهو أب لثلاثة أطفال في المدرسة: “لم نعد نعرف كم نعطي لأبنائنا مصروفًا مدرسيًّا، مرة يطلبون بالتركي ثم يقولون أن البائع طلب منهم بالسوري، ومرة أخرى بالسوري ثم يُفاجؤون أن بائعًا غيره لا يبيع إلا بالتركي”.
رغم محاولات إعادة الاعتبار للعملة السورية، إلا أن الليرة التركية ما زالت حاضرة بقوة في الشمال السوري، والسبب الرئيس بحسب من التقيناهم هو الاستقرار النسبي الذي توفره مقارنة بالليرة السورية التي تشهد تذبذبًا بقيمتها مقابل الدولار، إضافة إلى ارتباط المنطقة تجاريًّا بتركيا، عدا عن وجود مئات العمال السوريين الذين ما زالوا حتى اليوم يعملون في تركيا ويعيلون ذويهم في الشمال السوري، ويتقاضون أجورهم بالليرة التركية، إضافة لغياب خطة حكومية واضحة حتى اليوم لسحب العملة التركية من السوق المحلية أو استبدالها.
للاستفسار عن الواقع النقدي في مناطق الشمال السوري، والخطة المستقبلية لاعتماد عملة موحدة، ومصير الليرة التركية وآلية سحبها، تواصلنا مع وزارة المالية ومع البنك المركزي، إلا أننا لم نتلقَّ إجابة عن تلك الاستفسارات حتى اللحظة.
مع بدء اعتماد تداول الليرة السورية كعملة أساسية في عمليات البيع والشراء في الشمال السوري في شهر كانون الأول من العام الفائت، أصدرت الجهات الحكومية عدة قرارات لتنظيم التعامل النقدي في الشمال السوري على وجه الخصوص، بهدف دعمها وإعادة الثقة بها.
لكن هذه القرارات لم تُطبق بشكل صارم، إذ بقيت الليرة التركية مستخدمة على نطاق أوسع، في فجوة واضحة بين القرار الرسمي وواقع السوق، ما أضعف فعالية تلك الإجراءات، وهو ما يعزوه البعض إلى غياب الرقابة الكافية، إضافة إلى عدم توفر بدائل حقيقية مستقرة.
يرى الخبير الاقتصادي، صالح حميدان، أن التعدد في استخدام العملات جاء نتيجة لتداخلات سياسية وعسكرية مختلفة مرت بها المنطقة فمنذ انطلاق الثورة السورية، تعرضت الليرة السورية لتدهور مستمر، ما أدى لتضخم هائل جعل منها عملة مربكة في المعاملات اليومية، وهو ما دفع السكان للبحث عن بدائل أكثر استقرارًا.
وبالرغم من أن اختيار العملة التركية في تلك المرحلة “لم يكن خيارًا استراتيجيًّا دائمًا” بحسب حميدان، “إلا أنه صنع تكيفًا اقتصاديًّا مؤقتًا فرضته الظروف حينها، واليوم نرى محاولات إعادة استخدام الليرة السورية، بعد عودتها في الرواتب وبعض القطاعات”، يقول.
أما عن سبب بقائها حتى اليوم كعملة متداولة فيعتبر الحميدان أن كثافة التعاملات التجارية بين تركيا ومناطق الشمال السوي وفرص العمل التي وجدها السوريون في تركيا وثبات سعر صرف الليرة التركية نسبيًّا، وعدم سحبها من السوق، هو ما فرض وجودها حتى اليوم.
يقول الحميدان “سحب العملة التركية اليوم من الشمال السوري ليس مسألة بسيطة في ظل طرح عملة سورية جديدة. كذلك سحب العملة السورية القديمة، فالأمر يتطلب من الحكومة السورية إجراء سياسات اقتصادية، وفرض قرارات نقدية صارمة، والبدء بسحب تدريجي للعملة التركية من السوق المحلية”.
يرى الحميدان أن حل الارتباك النقدي الذي خلفه تعداد العملات المتداولة، والذي انعكس على الحياة اليومية، وخلق حالة من عدم الاستقرار حتى في أبسط التفاصيل، يبدأ باعتماد الليرة السورية كعملة رسمية وحيدة في التداول، إضافة لدعمها بشكل حقيقي لتنال الثقة مجددًا من قبل الأهالي الذين فقدوا ثقتهم بها خلال الأعوام الماضية بعد أن تسببت لهم بخسائر كارثية. يقول الحميدان ” ينبغي أيضًا وضع سياسات مرنة، وحوافز اقتصادية، وخطة زمنية للتحول إلى استخدام العملة المحلية تدريجيًّا”.
بين أربع عملات تتصارع في جيوب الناس، يبقى المواطن هو الخاسر الأكبر، تتآكل رواتبه بصمت، وتزداد مشكلاته اليومية في محاولة التكيف مع واقع نقدي معقد وغير مستقر. وفي ظل غياب حلول جذرية، تبقى لافتة ذلك المحل في سرمدا شاهدًا على أزمة أعمق من مجرد تعدد عملات.. إنها أزمة ثقة واستقرار، وواقع اقتصادي يبحث عن مخرج.
