في كل مرة يخرج فيها أبو أحمد من منزله في بلدة الخفسة بريف حلب الشرقي قاصدًا مدينة حلب، يحمل في قلبه أمنية “طريق مختصر إلى مدينة حلب يوفر عليه الوقت ومشقة السفر“. كان يبني آمالًا على إعادة فتح الطريق الواصل بين بلدات الخفسة والمهدوم و دير حافر، ظنًا منه أنه سيكون نهاية رحلاته الطويلة التي عاشها مع الطرق البديلة. لكن تدمير الجسر الذي يربط بلدتي الخفسة والمهدوم، قطع أمله قبل أن يصل للضفة الأخرى.
جسر المهدوم المعروف محليًا بـ”جسر أبو حنايا” هو الممر الرئيس الذي يربط ضفتي قناة الجر الرئيسة لمشروع مسكنة، قبل أن يتم تفجيره بعد سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على المنطقة نهاية عام 2024، ومنذ ذلك الحين تحوّلت الساقية من شريان حياة للريف الشرقي إلى حاجز مائي عزل الضفة الشمالية التي تضم الخفسة ومنبج وقرى دير حافر الشمالية، عن الضفة الجنوبية التي تضم مركز مدينة دير حافر والمهدوم ومسكنة.
يعيش آلاف السكان في ريف حلب الشرقي، الخيبة نفسها التي واجهها أبو أحمد، إذ وجدوا أنفسهم أمام خيارات محدودة، منها اللجوء إلى طرق بديلة مثل طريق الخفسة –البابيري المتهالك والمفتقر للبنية التحتية، أو الالتفاف الطويل والمكلف عبر مدينة منبج والذي يزيد عن الطريق الآخر بما يقارب عشرة كيلو مترات.

ويُعد نفق تل المعز الواقع تحت الساقية أحد المسارات البديلة لعبور السكان من ريف دير حافر الشمالي إلى مركز المدينة وصولًا إلى حلب، إلّا أنّ العبور فيه ليس آمنًا بما يكفي، فالنفق ضيّق ولا يتسع لمرور الشاحنات الكبيرة ويقتصر استخدامه على السيارات ووسائل النقل الصغيرة، فيما تواجه بعض السيارات المحملة صعوبة عند المرور تحته، كما يفتقر النفق إلى الإنارة والتجهيزات الأساسية، وتزداد خطورته في فصل الشتاء بسبب أرضيته الطينية الزلقة، ما يجعل عبوره مغامرة يومية خاصة في فصل الشتاء.
يقول أبو أحمد: “كانت المسافة بين بلدتي ومدينة حلب عبر طريق الخفسة –المهدوم –دير حافر لا تتجاوز 85 كيلومترًا، وكانت تستغرق حوالي ساعة ونصف الساعة، حتى في ظل وجود حواجز قوات نظام الأسد سابقًا، أما في فترة انقطاع الطريق بسبب سيطرة قسد على المهدوم ودير حافر، كان على المسافر أن يسلك طريق الخفسة –منبج –حلب، الذي يمتد لنحو 110 كيلومترات، وكان يستغرق حوالي ساعتين أو أكثر تبعًا لحالة الطريق والازدحام، “وهي رحلة مرهقة ومكلفة ” بحسب وصفه.
ويضيف أبو أحمد: “الذي كان يهوّن علينا مشقة الطرق البديلة أننا نعتبرها حالة مؤقتة، وكنا نقول لأنفسنا في أي لحظة سيفتح طريق المهدوم بدون حواجز مزعجة أو تأخير، ومع الأسف فُتح الطريق ولكن جسره الأساسي مُهدّم، وبذلك يبقى الوصول إلى حلب أطول وأصعب من قبل”.

المشكلة التي تبدو تفصيلًا عابرًا لمن لا يرتبط لديه الذهاب إلى مدينة حلب بضرورة يومية، أو لمن يستطيع تأجيل رحلته أو الاكتفاء بتأمين احتياجاته من مناطق أقرب، لكنها تبدو بالنسبة للطلاب والموظفين والمرضى حاجة ملحة، فالطريق تحوّل إلى عبء نفسي يومي يستنزف طاقتهم وأموالهم، وليس لديهم خيار سوى التكيف مع واقع قاسٍ فُرض عليهم.
تروي سارة (اسم مستعار)، وهي طالبة جامعية من ريف منبج الجنوبي، كيف اضطرت لاستئجار بيت في مدينة حلب والسكن بعيدًا عن أسرتها، بعد أن تحوّل الطريق اليومي إلى جامعتها عبر الطرق البديلة إلى عبء نفسي ومالي، تقول إن تكلفة الرحلة الواحدة تجاوزت 40 ألف ليرة سورية، فضلًا عن أنها تستغرق حوالي ساعتين عبر مسارات ملتفة وغير مهيأة بين القرى.
وبحسب سارة، صحيح أن خيار السكن في حلب يحمل أعباء مادية إلا أنه أقل قسوة من الاستيقاظ باكرًا لسلوك طريق طويل ومرهق ومكلف أيضًا، لهذا تقول: “إصلاح جسر المهدوم بالنسبة لي ليس مجرد مشروع خدمي بل فرصة لاستعادة شيء من الاستقرار والعودة إلى بيتي دون قلق وتوتر نعيشه أنا وأسرتي”.
جسر المهدوم، هو واحد من الجسور التي تعرضت للتخريب خلال الحرب، تم تشييده فوق قناة مائية تعرف محليًا باسم “الساقية”، وهي جزء من مشروع حكومي استراتيجي يحمل اسم “قناة الجر الرئيسة لمشروع مسكنة شرق وغرب”، وتستمد مياهها من بحيرة الفرات عبر محطة ضخ البابيري.
تمتد هذه القناة وفروعها بطول يقارب 72 كيلومترًا داخل ريف حلب الشرقي، لتروي نحو 35 ألف هكتار في مسكنة غرب، إضافة إلى قرابة 18 ألف هكتار ضمن مسكنة شرق، موزعة بين ريف حلب الشرقي ومنطقة الدبسي في الرقة. ورغم الأضرار الواسعة التي لحقت بمحطات الضخ وشبكات الري والجسور خلال السنوات الماضية أُعيد تأهيل أجزاء كبيرة منها تدريجيًا منذ عام 2017 لتستعيد المنطقة أهم مقومات زراعتها.

وبذلك لا تمثل الساقية مجرد ممر مائي، بل شريانًا حيويًا يعتمد عليه آلاف المزارعين في إنتاج الحبوب والخضروات ما يضاعف أهمية الجسور المقامة فوقها باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من دورة الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.
وهذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها جسر المهدوم للتدمير، إذ شهد أكثر من عملية استهداف خلال السنوات الماضية نظرًا لأهميته الاستراتيجية على هذا المحور الحيوي. ففي عام 2017 دمّره نظام الأسد قبل أن يُعاد تأهيله ويعود إلى الخدمة لعدة سنوات، غير أنه تعرض مجددًا للتدمير قبل نحو عام على يد قوات قسد، واليوم لم يبقَ منه سوى ركام يقطع ضفتي الساقية ويعيد المنطقة إلى عزلة متكررة تعيشها القرى الواقعة شمالها وجنوبها.
يخبرنا فيصل الحمدو، سائق يعمل يوميًا على خط ريف منبج –حلب، أن غالبية الركاب يفضلون سلوك طريق الخفسة -البابيري حتى مع اضطرارهم للدخول داخل القرى وسلوك طرقات متعرجة وغير مجهزة لمرور الحافلات، ورغم خطورته إلا أنه يوفر عليهم أكثر من نصف ساعة مقارنة بالالتفاف عبر منبج وصولاً إلى أتستراد منبج –حلب.
يقول: “الركاب يريدون الوصول بأسرع وقت ممكن فمنهم مرضى وطلاب وموظفون لا يحتملون رحلة طويلة إضافية، ولكن هذا الخيار صعب بالنسبة للسائقين، فحالة الطريق سيئة وتنتشر فيه الحفر، إضافة إلى أننا لا نستطيع الخروج عن مساره أو النزول على جانبيه خوفًا من مخلفات الحرب والألغام التي كانت مزروعة في المنطقة”. كما أن الطريق يسبب أعطالًا متكررة للسيارات، لكن مع غياب جسر المهدوم يبقى سلوكه رغم كل المخاطر هو الحل المتاح.
وفي تصريح خاص لفوكس حلب أوضح مدير مديرية الموارد المائية في حلب المهندس أحمد الأحمد، أن المديرية أجرت زيارات ميدانية إلى مواقع الجسور المتضررة الواقعة على ساقية الري، وتم إعداد دراسات هندسية وكشوفات فنية أولية بهدف إعادة تأهيل الجسور المتضررة على الساقية.

وفيما يتعلق بإمكانية إيجاد حلول سريعة، أشار الأحمد إلى أن: “ضعف الإمكانيات الحالية يدفع الجهات المعنية إلى التفكير بخيارات إسعافية مؤقتة، من بينها تفعيل العمل الشعبي والمبادرات المجتمعية للمساهمة في تأمين التمويل اللازم لإعادة تأهيل جسر المهدوم، وذلك بالتنسيق مع إدارات المناطق في دير حافر ومسكنة ومنبج، على أن تنفذ هذه الأعمال بإشراف كامل من قبل مهندسي المديرية، لضمان عدم إلحاق أي ضرر بقناة الجر الرئيسة التي وصفها بأنها “شريان الحياة لمدينة حلب وريفها”، مؤكدًا أن: “إصلاح الجسور يعد من أولويات المديرية لما له أهمية من أهمية مباشرة في خدمة الأهالي”.
أما عن الإطار الزمني لإعادة التأهيل في حال تم تأمين التمويل اللازم، فأوضح الأحمد: “أنّ إعادة بناء الجسور قد تستغرق ما لا يقل عن عام واحد في حال توفرت الإمكانات اللازمة، لافتًا إلى “أن بدء التنفيذ حتى في حال تأمين الأموال اللازمة سيواجه تحديًا تقنيًا يتمثل في امتلاء القناة بالمياه مع انطلاق موسم الري، ما يجعل إيقاف الضخ وتجفيف القناة أمرًا صعبًا في الوقت الراهن، نظرًا لأهمية المشروع في تأمين الري والأمن الغذائي، إضافة إلى تغذية المدينة الصناعية وتبريد المحطة الحرارية”.
وبين طرق بديلة طويلة ووعرة، وجسور معطَّلة، يواصل سكان ريف حلب الشرقي التأقلم مع واقع صعب فُرض عليهم، ومع إقرار الجهات المعنية بصعوبة الأوضاع وقلة الموارد، يبرز اتجاه حكومي لإشراك الأهالي في المساهمة ماديًّا بإعادة بناء جسر المهدوم، وهو ما يضيف عبئًا ماليًا جديدًا على سكان المنطقة، خاصة أن إعادة تأهيل جسر المهدوم تحتاج تكلفة كبيرة، وإلى حين تحقق ذلك، تبقى المشكلات قائمة.
