فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

“طبخ الأبيض” طقسٌ رمضاني يحكمه الجيب لا العادات والتقاليد 

أميمة محمد

أمام موجة الغلاء تتراجع طقوس طبخ الأبيض في أول أيام رمضان لدى كثير من عوائل السوريين، وباتت مائدة الإفطار تُحسم وفق القدرة الشرائية عوضاً عن الطقوس والعادات، وتحولت الأطباق الأساسية إلى خيارات معدلة أو مؤجلة

يحرص سوريون على “طبخ الأبيض” في أول وجبات رمضان كواحد من الطقوس التي ماتزال موجودة لما لها من رمزية تفاؤلية مرتبطة باستقبال شهر الصوم.

و “الطبخ الأبيض” مصطلح محلي للوجبات المطبوخة باللبن، أشهرها الشاكرية والشيشبرك والكبة والكوسا بلبن وغيرها من الوجبات التي يكون اللبن مكوناً أساسياً فيها، ويحاول الأهالي التمسك بهذه العادات وفق إمكانياتهم المادية المحدودة أو التحايل عليها بتغيير جزء من مكوناتها أو تقليصها.

في دمشق لم تتمكن أم حسام من طبخ الشاكرية “على أصولها”، وفق تعبيرها، أول يوم رمضان بل استعاضت عن لبن الغنم ولحم الخروف بما هو أقل تكلفة، تقول إنها اشترت اثنين كيلوغرام من لبن البقر بسعر 18 ألف ليرة سورية وهو ما يعادل ثلث سعر كيلو لبن الغنم، وكيلوغرام شرحات فروج بـ 58 ألف ليرة سورية، عوضاً عن كيلوغرام لحم الغنم الذي وصل سعره في رمضان إلى 175 ألف ليرة بزيادة 25 ألف ليرة عما قبله.

تضيف السيدة أن جميع أكلات اللبن أصبحت تكلفتها مرتفعة وخارج القدرة الشرائية لغالبية الأهالي، “كيلوغرام الكوسا وصل سعره إلى 30 ألف ليرة وتحتاج عائلتها المكونة من ستة أفراد إلى ثلاثة كيلوغرامات من الكوسا.

كيلوغرام لحم غنم، كيلين لبن لصنع طبق الكوسا بلبن”. تقول بلهجة ساخرة: إن تحضير الوجبة اليوم يخضع لميزان الجيب قبل ميزان الدكان، فتكلفة طبخة “شيخ المحشي” تتجاوز 300 ألف ليرة سورية وهذا ما دفعها إلى الاستغناء عنها والاكتفاء بطبق أرز أبيض ولبن.

في إدلب تتجه عوائل إلى “تخضير مائدة الإفطار”، وفق المصطلح المحلي أي “تحضير وجبات من الخضار مثل المحاشي أو الفريكة”. وخلال سنوات تهجير آلاف المدنيين من جميع المحافظات إلى الشمال السوري اندمجت المطابخ والأطعمة ودخلت بعض الإضافات من المطبخ الحلبي والشامي إليها.

ارتفاع أسعار المواد الغذائية عموماً واللحوم خصوصاً تزامناً مع شهر رمضان شكل تحدياً لمعظم الأسر، ولم يعد الاهتمام محصوراً بنوع الطبق وأصله بقدر ما هو مرتبط بقدرة العائلة على تأمين مكونات الوجبة الرئيسة، لاسيما لأصحاب الدخل المحدود.

تقول سميرة من مدينة إدلب إنها لم تستطيع طبخ سوى كيلو غرام واحد من الكوسا بسعر 75 ليرة تركية، لذلك أكملت طبخة الخضار المحشوة بما توفر لديها من ورق العنب الذي ادخرته العام الماضي لتخفف التكلفة، تخبرنا أنها دفعت نحو 500 ليرة تركية أي ما يعادل نحو (130 ألف ليرة سورية) ثمن وجبة المحاشي رغم أن نصف المكونات موجودة في منزلها.

تجاوز سعر كيلو غرام لحم الغنم 600 ليرة تركية أي ما يعادل نحو (160 ألف ليرة سورية) بينما وصل سعر كيلو الفروج  إلى 123 ليرة تركية نحو (33 ألف ليرة سورية) وطال الارتفاع أيضاً جميع أنواع الخضروات.

تقول سميرة إن تحضير طبقٍ من السلطة اليوم يكلّف أكثر من الوجبة الأساسية، فالغلاء طال الخس والبقدونس و البقلة والبندورة ما جعل الأسر الفقيرة لا تكترث لطقوس رمضان بقدر اهتمامها بتوفير أي وجبة طعام بعد ساعات طويلة من الصيام.

في أحد مخيمات مشهد روحين شمالي إدلب، اكتفت أم عمر بتحضير وجبة برغل بشعيرية إلى جانب صحن لبن وبطاطا مقلية، لم تتقيد أم عمر و معظم قاطني المخيم بعادة معينة لاستقبال شهر رمضان. تقول، إنها تجود بالموجود، لتحضير وجبة الإفطار.

تجتمع الجارات قرب خيمة أم عمر يومياً ولا تخلُ أحاديثهن عن طبق اليوم وطقوس رمضانية أصبحت من  الذكريات، مروراً بالغلاء المعيشي وارتفاع الأسعار والحديث عن الغاز المقطوع منذ أسبوع. أثناء ذلك، تصيح إحداهن من أمام خيمتها أنها أشعلت “الببور” وأنهت طبختها، فمن تريد أن تطهو عليه أيضاً فهو جاهز.