على امتداد نحو 600 متر من شارع الثورة باتجاه سوق الحميدية في قلب دمشق، تحوّل مشوار قصير برفقة طفلتي ذات الأعوام الثمانية إلى اختبار قاس لغياب أبسط الخدمات العامة، كانت تمسك بيدي وتسأل بإلحاح عن مرحاض، بينما أتنقل بعينين قلقتين بين الواجهات والمحلات، منذ مغادرتنا برزة قبل نصف ساعة، دون أن أعثر على أي مرحاض عام في واحدة من أكثر مناطق العاصمة ازدحاماً.
سرعان ما انقلب السير إلى جري متوتر، تتخلله أسئلة محرجة للمارة، قبل أن ينتهي المشهد عند مرحاض خاص مستثمر في زاوية نفق للمشاة قرب مدخل سوق الحميدية، مقابل ألفي ليرة سورية عن الشخص، كأجرة لاستخدام ما يفترض أنه حق عام لا خدمة مدفوعة.
يتحوّل غياب المراحيض العامة المخدّمة في المدن السورية، من خلل خدمي إلى أزمة يومية تمس كرامة المواطنين وحقهم في استخدام الحمامات العامة بأمان. فبين مشهد الجري القلق بحثاً عن مرحاض، ومرافق مهترئة تفتقر إلى أدنى شروط النظافة، والحرج من سؤال المحلات التجارية إمكانية استخدام حمامهم الخاص، يجد السكان أنفسهم أمام خيارات صعبة، إما التحمّل مع ما يتركه من مشكلات آنية وآثاراً مرضية لاحقة أو اللجوء إلى مراحيض خاصة مدفوعة الثمن، إن وجدت، أو عدم الخروج من المنزل لمدة طويلة قد تفوق تحملهم قضاء حاجتهم في الخارج.
دخلت مسرعة إلى دورات المياه الخاصة، لم يبد المكان نظيفاً، لكنه بدا الخيار الوحيد أمام كل من يضطر لقضاء حاجته، أبوابٌ صدئة لحمامين مخصصين للنساء، وأخرى مماثلة للرجال، لا يفصل بينهما سوى ستار قماشي مهترئ، أمام المدخل، مغسلة صغيرة مصفرة اللون، وضعت عليها علبة بلاستيكية تحوي سائلاً لغسل اليدين، دون وجود محارم للتجفيف أو حتى محارم داخل الحمام، في مشهد يختصر هشاشة الخدمات المقدمة وغياب أبسط معايير النظافة.
ليس الأطفال وحدهم من يطلبون الدخول للحمامات خارج المنزل دون تقدير لغياب المرافق الصحية عن معظم الأسواق والشوارع العامة في المدن، بل تمتد الحاجة إلى كبار السن والنساء الحوامل و أصحاب الأمراض المزمنة مثل داء السكري وأمراض الكلى، إذ يصبح الخروج من المنزل بالنسبة لهم مشقة ومغامرة حرجة بحثاً عن خدمة تخفف عنهم عبء الحاجة الجسدية.
تفتقر دمشق، وغيرها من المدن السورية الأخرى، إلى مراحيض عامة مخدمة بشكل كامل ونظيف، ولا يقتصر هذا النقص على الشوارع والأسواق، بل يمتد إلى المرافق الصحية داخل الحدائق العامة التي تشكو بدورها من إهمال واضح وترهل خدمي على صعيد النظافة والصيانة، يحولانها من خدمة عامة إلى بؤرة لانتشار الأمراض المعدية.
نحو177 حديقة عامة في دمشق يشتكي معظم من يضطر إلى استخدامها من سوء حالها وغياب مقومات الصحة العامة والبيئة السلمية فيها، والأهم مراحيض عامة.
لا يختلف المشهد كثيراً خارج العاصمة، إذ يتكرر غياب المرافق الصحية العامة في مدن سورية أخرى، وتتحول المشكلة إلى ظاهرة عامة لا تخص مدينة بعينها. ففي حلب، كما في دمشق، تغيب المراحيض العامة المخدمة عن الشوارع الرئيسة والأسواق المكتظة بشكل شبه كامل، ما يضع عشرات الأشخاص والمتسوقين يومياً، لا سيما المرضى وكبار السن، أمام معاناة صامتة تتكرر دون حلول واضحة.
في سوق التلل بحلب، الممتد من حي المنشية وصولاً إلى باب الفرج، وهو أحد أكثر الأسواق ازدحاماً بالمحال التجارية، تمشي أم صالح، وهي سيدة خمسينية مصابة بداء السكري، بخطوات مثقلة، حاملةً مشترياتها التي أصبحت عبئاً عليها، وهي تبحث عن مرحاض عام تقضي فيه حاجتها، بعد أن شعرت فجأة بضعف في جسدها وسط الزحام.
الإصابة بمشاكل في الكلى والكبد، ومرض السكري، وغيرها من الأمراض التي تجعل صاحبها مضطراً إلى زيارة الحمام كل فترة قصيرة، غالباً ما يضعهم في مواقف حرجة، بسبب غياب المراحيض العمومية، في الكثير من الأحياء وحتى المدن الكبرى، ويضطر بعضهم إلى طرق أبواب المنازل أو التوسل لأصحاب المحلات والمقاهي والتي غالباً ما يقابلونها بالرفض، حتى وإن تحدثوا عن مشاكلهم الصحية.
تروي أم صالح تجاربها “السيئة” كما وصفتها، عند خروجها إلى السوق لشراء حاجياتها، أنها كثيراً ما تسأل أصحاب عدة محال تجارية عمّا إذا كان بإمكانها استخدام المرحاض الخاص داخل المحل، لكنهم يرفضون ذلك، إما بحجة عدم وجود مرحاض، أو بداعي الخصوصية.
تقول “بدأت أشعر بالاختناق، كدت أبكي، لم أعد أعرف ماذا أفعل وأين أذهب، لا يوجد مرافق عامة تريح المحتاج والمريض، والجامع في ذلك الوقت كان مغلقاً، والعودة إلى المنزل غير مجدية فهو مازال بعيداً عن السوق”.
تحايلت السيدة على صاحب أحد محلات الألبسة بحجة شراء قطعة ملابس لدخول غرفة القياس، لكنها فتحت باب المرحاض عوضاً عن ذلك، تقول أم صالح إن صاحب المحل لم يتمكن من الاعتراض بعد دخولها لتخرج بعد ذلك وتعتذر منه موضحةً له وضعها الصحي. تصف أم صالح ماحصل معها أنه من أكثر المواقف إحراجاً لها، لأنه وضعها أمام خيارٍ قاسٍ بين المرض والكرامة.
يدفع غياب المرافق الصحية العامة كثيراً من المواطنين إلى دخول المقاهي أو المطاعم، لا بغرض تناول القهوة أو الطعام، بل لاستخدام المرحاض فقط. وفي الأسواق التي توجد فيها المولات والمطاعم، يبدو الوصول إلى المرافق الصحية أسهل نسبياً، لكنه يبقى مكلفاً. إذ يُضطر الشخص إلى حجز طاولة أو شراء أي مادة، مهما كانت بسيطة، مقابل الحصول على فرصة دخول المرحاض.
فيما يعتمد كثيرٌ من الأهالي على المساجد لقضاء الحاجة والوضوء، خصوصاً الجوامع الكبيرة القريبة من الأسواق، والتي تُبقي مرافقها مفتوحة بين صلاتي الظهر والعشاء، مع تفاوت في مستوى النظافة. غير أن المرافق العامة في المساجد تبقى حلاً مؤقتاً ومحدوداً، وغالباً ما تُغلق معظم المرافق خارج أوقات الصلاة، ويبقى البحث عن مرحاض عام ونظيف ومتاح للمواطنين غير موجود.
ويشدد عدد من الأهالي الذين تحدثنا إليهم على ضرورة توفير مرافق صحية عامة في الشوارع والأسواق، حتى وإن كانت مأجورة، معتبرين أن فرض رسوم رمزية قد يضمن استمرارية الخدمة، عن طريق تخصيص عمال نظافة وصيانة تؤمن خدمة ضرورية للمواطنين.
لايبدو الوضع أفضل في حدائق مدينة حلب، البالغ عددها نحو 50 حديقة عامة، ففي حديقة السبيل وحديقة المحافظة تُغلق المراحيض كلياً، بينما تبقى مفتوحة في حدائق أخرى ولكن حالتها سيئة، إذ يتعذر استخدامها بسبب القذارة والروائح الكريهة، كما هو الحال في حديقة السكري وحديقة العوارض، فضلاً عن تضرر حدائق كاملة مثل حديقة الأشرفية نتيجة الظروف الأمنية والخدمية.
في إدلب تغيب المرافق الصحية العامة والخاصة أيضاً عن الشوارع والأسواق الرئيسة، في حين تخرج دورات المياه عن الخدمة في عدد من الحدائق العامة بسبب انعدام النظافة وتراكم الأوساخ فيها.
في حديقة التحرير بإدلب، لم تكن تجربة أم محمود، قاطنة في مخيمات سرمدا، مختلفة عن الحالات التي ذكرناها في محافظتي حلب ودمشق. تروي أم محمود تجربتين مختلفتين في الحديقة نفسها، كانت الأولى عندما قررت وزوجها اصطحاب أطفالهما للحديقة صيف العام الماضي، ولم تكن حاجة طفلتهما ذات التسعة أعوام لدخول الحمام هي العقبة التي قطعت الرحلة بعد مرور ربع ساعة فقط على وصولهم، فهي تعلم أن الحديقة مخدمة بدورة مياه خاصة بالنساء وأخرى خاصة بالرجال. إلا أنها فوجئت بمستوى النظافة المعدوم فيهما.
تقول: “استقبلتنا رائحة كريهة قبل دخولنا لكنني رغم ذلك تابعت، فطفلتي لم تعد تستطيع المقاومة، لكن تراكم الفضلات عند الباب حال دون دخولنا خطوة واحدة”، تتابع: “يبدو أن الحمام لم يخضع لأي إجراءات تنظيف منذ فترة طويلة”. اضطرت عائلة أم محمود لقطع رحلتها والعودة بسيارتهم الخاصة فوراً إلى المنزل الذي يبعد نحو 40 كيلو متراً.
التجربة الثانية كانت بعد قرابة الشهر، وتزامنت مع مهرجان التسوق في الحديقة ذاتها. وقد تكررت التجربة مع ابنتها وطفلها، لكن النتيجة كانت مختلفة، فقد كان باب تواليت النساء مغلقاً بجنزير حديدي وقفل، أما باب قسم الرجال المجاور فكان مفتوحاً وداخله نساء رفقة أطفالهنّ، لذا لم تتردد بالدخول قبل أن يصل أحد الرجال.
تقول إن الوضع كان مقبولاً حينها، إلا أن الإضاءة غير متوفرة لذلك اضطرت لاستعمال إنارة الهاتف، وضميرها لم يسمح لها أن تترك أطفالاً وصلوا إلى المكان دون إضاءة، فأضاءت لهم المكان إلى أن خرجوا، ولسوء الحظ صادفت رجلاً عند الباب الخارجي يريد الدخول، ما وضعها بموقف محرج حين قال لها الرجل: “يا أختي هذا الحمام مخصص للرجال” فاعتذرت وأكملت طريقها رفقة طفلتها بخجل مستغربة من عدم حل مشكلة القسم المخصص للنساء بالرغم من وجود المهرجان الذي يعتبر موسماً سياحيّاً وتجارياً حينها.
منذ أيام تجولت مراسلتنا للاطلاع على حال المرافق العامة، فوجدت أن قسم النساء مفتوح لكنه يفتقر لأدنى مقومات النظافة، تقول: “المضطر فقط من يستطيع الدخول إلى الحمام”.
في مدينة إدلب تتوزع عدة حدائق عامة أكبرها حديقة المشتل أو كما عرفت بحديقة التحرير، وهي الأكثر تنظيماً من غيرها، تضم ألعاب أطفال وحديقة حيوانات واستراحات ومقاهٍ، إضافة لمقاعد جلوس منظمة ونظيفة وتشهد إقبالاً من أهالي المدينة والزوار خارجها.
تبدو المرافق العامة من الخارج قابلة للاستعمال، إلا أنها من الداخل تفتقر لأدنى الخدمات أو النظافة. حتى صنابير المياه قسم منها معطل والأخرى يتسرب منها الماء بشكل مستمر مع غياب تام للصابون أو أي مواد منظفة أخرى على المغاسل إضافة لتراكم الطين والأوساخ في أرضية المرافق.
قريبًا من الأحياء السكنية تتوزع عدة حدائق عامة أخرى في أنحاء المدينة وتكون وجهة قاطني الأحياء أكثر من الزوار القادمين من خارج المدينة، منها حديقة “أمن الدولة” التي تخلو من المرافق الصحية على الرغم من كونها أقرب نقطة من كليات الهندسة والإعلام ويقصدها الطلاب أحياناً في أوقات فراغهم أو استراحاتهم. وكذلك في حديقة الثورة فإن كتلة المراحيض خارج الخدمة بسبب سوء حالها وانعدام النظافة فيها.
ينعكس غياب المرافق الصحية العامة أو رداءة ما هو متوافر منها، على راحة الأفراد، ويدفع إلى تحويل الأزقة والشوارع والأنفاق المرورية والحدائق، وحتى مداخل الأبنية وجوانبها، إلى أماكن اضطرارية لقضاء الحاجة، بما يخلّفه ذلك من روائح كريهة، وتلوث للمرافق العامة والمعالم الحضارية، وبيئة خصبة لانتشار الحشرات والأمراض.
ومع وجود دورات مياه متّسخة أو منخفضة النظافة في مرافق يفترض أنها خدمية وأساسية، في الحدائق وغياب شبه تام للمراحيض في الشوارع والأسواق، تتضاعف مشكلة المواطنين. إذ لا يقتصر الأمر على الحرج والألم النفسي، بل يمتد إلى مخاطر صحية حقيقية، تشمل أمراض المثانة وتفاقم أمراض الكلى والسكري، ما يضطر كثيرون إلى قضاء حاجاتهم خارج أماكنها الطبيعية، في مشهد يعكس خللاً عميقاً في إدارة الخدمات العامة، وحق المواطن في حصوله على خدمة أساسية لائقة تحفظ كرامته وصحته.
